ملاحظة للقارئ: هذه المقالة ليست دعاية لبرنامج تلفزيوني، لكنها مقالة في مديح الطعام، فإن لم تكن من محبي الطعام مثلي، فلا تتعب نفسك بقراءتها.
منذ شهر تقريباً، قرأت منشوراً لأحد الأصدقاء على فيس بوك، ينتقد برنامجاً تلفزيونياً يعرض على "تلفزيون سوريا 2"، وعنوان البرنامج "بيت المونة" ولأن الفضول قاتل صاحبه، ولأني شخص أحب الطعام كثيراً، قررت أن أطلع على ذلك البرنامج، وهذا ما فعلته، بحثت عنه على اليوتيوب وبدأت المشاهدة، بل وللأمانة استغرقت في المشاهدة، البرنامج تقدمه السيدة تهامة الضحاك، والتي يتم التعريف عنها بأنها "الشيف تهامة".
لكن الشيف تهامة لا تطبخ، بل تقدم لنا رحلة ممتعة في المطابخ السورية، تتجول بين المدن مع فريق عملها، وتشاركنا تجربة مميزة مع طباخين محليين، وربات منازل يطبخن أمام الكاميرا، من دون تكلف وتصنع، من طرطوس إلى أرواد إلى حماه إلى دمشق إلى بلودان، الحديث كله عن الطعام، والطناجر، والمكونات، وأسرار الطبخات، حتى يكاد المتفرج يصاب بالشبع بما يشاهده، فالعين تأكل قبل الفم أحياناً.
ومع أن البرنامج يستوحي اسمه من مكان تخزين الطعام، أي بيت المونة أو المؤونة، إلا أنه لا يكاد يدخل ذلك البيت أبداً، بل يقتصر الحديث، في كثير من الحلقات على الطعام نفسه، باستثناء، ربما الحلقة التي تم تصويرها في ريف دمشق، وتحديداً في بلودان و الزبداني ومضايا، حيث تلتقي الشيف تهامة بسيدة تعمل في تحضير المونة، من مربيات ومكدوس وخل، وأما "بيت المونة" بمعناه الواسع، والموجود في جميع الثقافات، فيكاد يندثر تقريباً، وأذكر أن آخر "أوضة مونة" رأيتها كانت في بيت جد والدتي حين كنت طفلاً، و كانت عبارة عن غرفة مظلمة طويلة، تشبه زقاقاً إلى حد كبير، و كانت تحوي تموراً مجففة، و سمناً و جبنة، و عدساً وبرغلاً، و لحماً مقدداً، و قمحاً و طحيناً، وكانت لها رائحة مميزة، لن أبالغ إن قلت إنني ما زلت أستطيع تذكرها حتى الآن.
تحمّل البرنامج مسؤولية نقل الدفء والحنين الذي تمثله، إذ إنه يلتقط المطبخ الشعبي التقليدي، طعام الجدات، كما يقال، أما الطباخون الذين تستضيفهم "الشيف تهامة" فليس مطلوب منهم استعراض مهاراتهم في الطبخ
وقد قادتني المصادفة لزيارة بقايا "بيت مونة" في أحد البيوت الفرنسية القديمة، كان خالياً تقريباً إلا من بضع زجاجات من النبيذ، وقطع كبيرة من الجبن الفرنسي الشهير، ولحم مقدد، ولكن التسمية التي تحمل كثيراً من النوستالجيا لكثيرين، تحمّل البرنامج مسؤولية نقل الدفء والحنين الذي تمثله، وأظن أن البرنامج يبدو حتى الآن موفقاً في ذلك، إذ إنه يلتقط المطبخ الشعبي التقليدي، طعام الجدات، كما يقال، أما الطباخون الذين تستضيفهم "الشيف تهامة" فليس مطلوب منهم استعراض مهاراتهم في الطبخ، بمقدار التركيز على الطبق الأكثر شهرة في منطقة ما، "البرغل بحمّص" أو السختورة" أو "حراء إصبعو" مثلاً.
في كتاب "الطبيخ" الذي يعود بنا في التاريخ ألف سنة إلى الوراء، أواخر العصر العباسي، يقول مؤلفه محمد بن الحسن البغدادي في مقدمته: "إن المأكول هو أفضل أقسام ملاذ الدنيا، إذ كان هو قوام الأبدان ومادة الحياة، ولا سبيل إلى استعمال غيره إلا بالصحة الذي هو معين عليها، وغير محظور التأنق في الأكل والاهتمام بها والتخصص لها". ولعل هذا التفضيل الذي ساقه البغدادي للطعام على غيره من الملاذ، يجعل منه لا مجرد طعام يؤكل فقط، بل هو أكثر من ذلك بكثير، إنه جزء لا يتجزأ من ذاكرة الشعوب، ومن هويتها الوطنية أيضاً، وهذا ما يدركه الفرنسيون مثلاً، إذ يتصدر الطعام المرتبة الأعلى في الهوية الثقافية الفرنسية، ولا يكاد يخلو نقاش من ذكر الطعام، بل إن أوقات الطعام نفسها تبدو أمراً لا يمكن الجدال فيه أبداً، ويشعر الفرنسيون التقليديون بالغيرة بسبب تقدم المطبخ الإيطالي على مطبخهم في المقياس العالمي، و رغم انفتاحهم على تجربة ما هو جديد من مطابخ عالمية، ومحاولة بعض الطباخين ابتكار أصناف مهجنة، إلا أن الطعام التقليدي يظل محافظاً على خصوصيته، وتقام مسابقات في بعض الأقاليم، لا لاختيار الأفضل، بل لاختيار الأكثر أصالة، و محافظة على التقاليد.
الطعام السوري -للأسف- ما زال محلياً، ولم يتجاوز الحدود، وينتشر في جهات الأرض الأربع، كما فعل ملايين السوريين، إلا في مصر طبعاً، حيث استطاع المطبخ السوري أن يجد لنفسه مكاناً في قائمة أطعمتها الكبيرة.
وقد استطاعت اليابان، البلد الآسيوي البعيد، أن تغزو العالم غزواً ناعماً شهياً من خلال مطبخها المتميز، حتى لا تكاد تخلو مدينة من مطعم ياباني، يقدم "السوشي"، وسواه. ويتصدر "الكسكسي" المغربي قائمة الأطعمة الأكثر انتشاراً في السنوات الأخيرة، وبات وجبة رئيسة في العديد من البلدان الأوروبية، رغم نزاع نسبته ما بين المغرب والجزائر، وكذلك الحال بالنسبة للكباب التركي، والأمثلة أكثر من أن تحصى، لأن الطعام، صار بمثابة سفير فوق العادة لبلاد كثيرة. لكن الطعام السوري، للأسف، ما زال محلياً، ولم يتجاوز الحدود، وينتشر في جهات الأرض الأربع، كما فعل ملايين السوريين، إلا في مصر طبعاً، حيث استطاع المطبخ السوري أن يجد لنفسه مكاناً في قائمة أطعمتها الكبيرة.
في "بيت المونة" خرج البرنامج عن النص أكثر من مرة، لأسباب تسويقية على ما أعتقد، من خلال حضور بعض الممثلين، الذين لم يضيفوا للطعام أي نكهة، وكنت أفضل، شخصياً، أن يقتصر الحديث على الطعام فقط، على رأي "أبو نواس- بتصرف طبعاً": "في الأكل مشغلة وفي لذاته فاجعل حديثك كله في الأكل".
Loading ads...
أخيراً، بعد سنوات من الاغتراب، ما زالت البامية طبقي الرئيس بلا منازع، ليس لأنها أشهى الأطعمة، بل لأنها تمثل ذاكرة حية بالنسبة لي، ذاكرة قد تحمل كل لقمة منها حكاية، وتستحضر وجوهاً وتفاصيل من الماضي، وهذا ما يفعله "بيت المونة" إنه ينشط ذاكرتنا، ويحفز حلمات التذوق لدينا، لنستعيد طعوماً كنا نظن أننا نسيناها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

