لم تكن الشابة اللبنانية ليان علي* تبحث عن منزل مثالي. كانت تبحث عن مكان تنام فيه مع عائلتها بعدما انتهى بهم الحال إلى النوم على الأرض في مكتب شقيقتها، بمن فيهم والداها، وهما في الخمسين والستين من العمر. لم يكن المكتب مكاناً مناسباً للسكن، لكنه كان المكان الوحيد المتاح أمام العائلة التي لم تعرف أين ستبيت ليلتها التالية.
قبل اتخاذ هذا القرار الصعب، قادتهم رحلة البحث عن منزل إلى غرفة صغيرة في بيروت، مع مطبخ وحمام، تقول ليان، لرصيف22، إن حالتها كانت سيئة إذ كان يغطيها العفن وتنتشر فيها حشرات، فيما وصل السعر المطلوب فيها إلى 2000 دولار. لكن الأمر كان أبعد بالنسبة إلى ليان من أسعار مبالغ فيها وغير منطقية، أبعد كذلك من صعوبة إيجاد مأوى في رحلة نزوح مستمرة من الضاحية الجنوبية لبيروت بدأت عام 2024.
فحين تمكّنت العائلة أخيراً من إيجاد مكان خارج بيروت، اضطرت الأسرة إلى إخفاء طائفتها أمام المحيط والجيران وتقمّصت اضطرارياً هوية عائلة مسيحية، بما دفعهم إلى إخفاء أسمائهم الحقيقية واستبدالها بأسماء تدليلية مثل دودو وتوتو، مبرزةً أنه ساعدهم في ذلك أن إناث الأسرة لسن محجبات.
أما ليان، التي كانت بحاجة للبقاء في بيروت لأجل عملها، فكان وضعها أكثر صعوبة إذ حجزت مكاناً عبر Airbnb لبضعة أيام. ورغم أنها قدّمت كافة بياناتها سلفاً، وشاركت الوثائق الخاصة بهويتها وبطبيعة عملها، ودفعت ثمن الحجز مقدماً وظنّت أن الأمر قد انتهى ووصلت، غير أنها وجدت المزيد من العنصرية في انتظارها.
حين وصلت إلى مدخل المنطقة، تبعها رجل وأجرى تحقيقاً معها من طرف واحد وانهالت عليها أسئلة أجابت عنها سلفاً على غرار: من تكون ومن أين أتت وإلى أين تذهب. تقول إنه تبعها حتى المبنى. وبعد دقائق من دخولها، اتصل بها صاحب السكن واستكمل "التحقيق" معها، بحسب وصفها، حتى إنها أصبحت غير قادرة على الرد على أسئلته على شاكلة: أين أهلها؟ لماذا ليست معهم؟ من أين أتت؟ أين تعمل؟ إلى متى ستبقى؟ علماً أنه طلب منها إعادة إرسال أوراقها الثبوتية مرة أخرى.
هنا، شعرت ليان أنها لم تعد مستأجرة دفعت مقابل مكان ستنام فيه، وإنما شخصاً عليه أن يبرّر وجوده. لذا، حملت حقيبتها وغادرت.
تجربة ليان ليست دليلاً على أن كل من نزح خلال الحرب واجه المعاملة نفسها، ولا أن المجتمعات المضيفة تعاملت مع كافة النازحين بالطريقة ذاتها. على العكس، فُتحت مئات البيوت، وظهرت مبادرات تضامن واستضافة، وتحملت عائلات ومؤسسات ومناطق أعباءً كبيرة لإيواء من اضطروا إلى ترك منازلهم تحت القصف الإسرائيلي الوحشي.
وهذه النقطة أساسية بالنسبة إلى أستاذة علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية في بيروت، ريما ماجد، التي تنبّه إلى أن هذا دليل على أن "المجتمع (اللبناني) ليس كتلةً طائفيةً واحدة، والطائفية ليست رد فعل تلقائياً طبيعياً".
لكنها لا تنكر، في حديثها إلى رصيف22، أن خطاب رفض وتحريض نما منذ العام 2024 تجاه النازحين وهو خطاب ينظر إلى النازح ليس بوصفه فرداً خسر بيته وإنما بوصفه ممثلاً لـ"منطقة" أو "طائفة" أو "حزب". وترى ماجد أن هذا الخطاب لم يولد في لحظة النزوح بل هو نتاج استقطاب سياسي حاد حول الحرب ومدى مسؤولية "حزب الله" عن تجدّدها، قبل أن ينتقل هذا الاستقطاب السياسي من مجرد خلاف مع طرف سياسي إلى وصم بيئته الاجتماعية بكاملها.
وتضيف أن الخطر يبدأ عندما يتحول السؤال السياسي المشروع حول خيارات الحرب ومن يتحمل المسؤولية عنها إلى مسؤولية جماعية تُفرض على المدني. وتلفت إلى أن إسرائيل لعبت على هذا الوتر واستثمرت في الانقسامات في المجتمع اللبناني ونجحت في غرس فكرة أن "وجود النازحين الشيعة قد يجلب الخطر الإسرائيلي"، وذلك من خلال تركيز القصف والاستهدافات على مناطق تجمّع الطائفة الشيعية.
لكن حتى خطاب الكراهية لم يطَل الجميع بالطريقة نفسها حيث تلفت ماجد إلى أن النازحين "الأكثر فقراً والأقل قدرة على حماية أنفسهم اقتصادياً" كانوا في الغالب ضحايا هذا الخطاب، فيما النازحون الأكثر ثراءً والأقل ظهوراً في الفضاء العام أقل عرضة له لقدرتهم على تأمين مسكن مهما ارتفع السعر. لهذا، تشدّد ماجد على أنه لا يمكن فصل الطائفية عن الطبقية إذ إن من يفتقرون إلى الموارد، ومن اضطروا إلى النوم في السيارات والمدارس ومراكز الإيواء هم الذين تعرّضوا فعلياً للأسئلة العنصرية والرفض والاستغلال والمراقبة.
وفق أحدث أرقام المنظمة الدوليّة للهجرة (IOM)، حتى 19 آب/ أغسطس الجاري، لا يزال هناك 348,898 من النازحين داخلياً في لبنان، مقابل عودة 817,458 آخرين إلى مناطقهم. علماً أن 327,140 نازحاً خارج مراكز الإيواء الجماعي مقابل 21,758 نازحاً في 218 مركز إيواء جماعي.
يكشف هذا عن وضع غير متناسب تتركز فيه الغالبية العظمى من النازحين في بيوت الأقارب، وشقق مستأجرة، وترتيبات سكن مؤقتة، وأحياناً في ساحات عامة، وهذا العدد الكبير من الباحثين عن مأوى ساهم في رأي ماجد في أن يصبح سوق السكن عاملاً في دفع خطاب الكراهية.
أما الباحثة المدينية والعضوة المؤسسة في "استديو أشغال عامة"، نادين بكداش، فتوضح أنه حتى النازحون الذين امتلكوا القدرة على الاستئجار واجهوا مشكلتين متوازيتين، أولاهما الاستغلال الحاد في سوق الإيجارات، وثانيتهما القيود على التأجير في بعض المناطق من البلديات أو الأهالي.
ففي حين كانت مشكلة ليان العثور على غرفة غير مناسبة مقابل 2000 دولار، بغض النظر عن طائفتها، كان السؤال الذي واجهه آخرون ما إذا كان المالك سيقبل بتأجيرهم أصلاً بأي سعر.
وترى بكداش أن المشكلة كانت أبعد من غياب المساكن، وتمثّلت في غياب سياسة عامة تتدخّل في لحظة تحوّل السكن فيها إلى حاجة مرتبطة مباشرة بالأمان. وتركّز على أن البديل الرسمي لم يكن قادراً على استيعاب الجميع. ففي بيروت، أشار "استديو أشغال عامة" إلى أن عدد مراكز الإيواء بلغ 145 مركزاً حتى 30 آذار/ مارس 2026، بعدما كان 33 مركزاً فقط بعد خمسة أيام من التصعيد، كما وثّق وصول عدد كبير منها إلى طاقته القصوى. وكان أكثر من 62% من المراكز داخل مؤسسات تعليمية، مما يعني أن المدارس ظلّت العمود الفقري للاستجابة.
وسلّط تقرير الاستوديو على ثلاث مشكلات رئيسية في مراكز الإيواء الجماعي في لبنان وهي "التأخير في فتح مراكز وتقليص عدد المراكز المعتمدة في بيروت، والتوزيع الجغرافي يعكس الاعتبارات المناطقية والطائفية لا الحاجة، والاعتماد على المؤسسات التربوية دون غيرها".
من جهتها، تنتقد بكداش التوزيع الجغرافي للمراكز، معتبرة أن الاستجابة لم تتعامل مع النزوح كمسؤولية وطنية مشتركة بقدر ما حصرت الإيواء في مناطق محددة. بالنسبة إلى بكداش، لم يكن تحميل عبء النزوح وتبعاته لمناطق محددة مجرد مشكلة لوجستية، بل يرسّخ هذا تحول الإيواء نفسه إلى جزء من الانقسام.
في غضون ذلك، تذهب المخططة الحضرية والباحثة المتخصصة في الإسكان وإدارة الأراضي والحوكمة الحضرية، سهى منيمنة، إلى أبعد من لحظة الحرب حيث لا يمكن فهم الخوف من النازح بالعودة فقط إلى الخطاب السياسي الراهن في رأيها، فيما ثمة شيء أقدم في طريقة تشكّل المدن والأحياء اللبنانية كان مقصوداً منها أن يعتمد الناس على شبكات طائفية زبائنية لا على الدولة.
تقول منيمنة، لرصيف22، إن كثيراً من الأحياء باتت أشبه بمساحات اجتماعية منفصلة، لكل منها هويتها وشبكاتها، ومن يسكن طوال حياته داخل محيط شبه متجانس قد لا يعرف عملياً كيف تعيش الفئات الأخرى أو كيف تفكر. وتلفت إلى أنه فيما الحواجز المادية التي عرفها لبنان في الحرب الأهلية لم تعد موجودة بالشكل نفسه، لكن بقي نوع آخر من الحواجز في المخيلة بما في ذلك من يُفترض أن يسكن في هذا الحي؟ ومن يبدو غريباً عنه؟ وفي ظل غياب قوانين فعالة تحمي من التمييز في الوصول إلى السكن، تصبح هذه الحدود غير المكتوبة شروطاً فعلية كما حدث مع ليان.
بدوره، يعيد المحامي علي سويدان من المفكرة القانونية المشكلة إلى أساس أبسط وهو أن لبنان لا يملك سياسة متكاملة تنطلق من أن السكن حق. وهو يشرح أن حق السكن غاب عن سياسات الحكومات المتعاقبة وموازنات الدولة والتشريع، في الحرب كما في السلم. وعندما وقع النزوح، ملأت البلديات جزءاً من الفراغ حيث اضطلع بعضها بدور إيجابي، بينما فرض بعضها الآخر قيوداً على الإيجارات والسكن للنازحين بما يتجاوز صلاحياتها ويتعدى على صلاحيات الحكومة أحياناً، بحسب تقدير سويدان.
كما يشير المحامي اللبناني، في حديثه إلى رصيف22، إلى مشكلة غياب البيانات الموحدة المرجعية والموثوق بها لتحديد الاحتياجات والمتطلبات وكيفية إدارة هذا الملف الهام إذ لا يتعلق الأمر بعدد النازحين وحسب وإنما أيضاً بأماكن الإيواء والسكن، والسمات الديموغرافية لهؤلاء النازحين من حيث الجنس والسن والإعاقة ومدة النزوح والقدرة على العودة وغيرها.
حتى مراكز الإيواء نفسها كشفت هذه الثغرات. ففي أيار/ مايو 2026، نظم تحالف منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة اعتصاماً للمطالبة بمراكز إيواء دامجة للأشخاص ذوي الإعاقة، في دليل آخر على أن الأمر لا يتعلق فقط بتوافر مأوى لأن هذا لا يعني بالضرورة أنه صالح للجميع.
ويذهب موجز "استديو أشغال عامة" حول مشروع قانون شامل للحق في السكن يذهب في الاتجاه نفسه، إذ يرتكز على أن السكن ليس مجرد سقف، بل مكان يستطيع الشخص أن يعيش فيه بأمان وسلام وكرامة، مع كلفة معقولة وأمن في الحيازة وحماية من الإخلاء والتمييز. كذلك، يقترح المشروع سياسات للإيجار العادل، والسكن الميسّر، ومنع التشرد، والضرائب على الشغور، واستخدام أملاك الدولة في الإسكان العام.
بالعودة إلى ريما ماجد، فإن الأزمة نتاج غياب "دولة رعاية اجتماعية قوية تتحمل مسؤولية فعلية تجاه المجتمع وتؤمن الحقوق والخدمات الأساسية للمواطنين" تاريخياً، وجنباً إلى جنب مع "قوة القطاع الخاص الذي أوكلت إليه أجزاء من الصحة والسكن والتعليم والخدمات". كما تشدّد على أن "الأزمات في لبنان أديرت تاريخياً إلى حد كبير من خلال التبرعات".
وتردف ماجد بأنه "عندما وقعت الحرب، تُرك الناس كي يتدبروا أمورهم مرة أخرى من خلال مواردهم الخاصة" بدون "بنية اجتماعية قوية قادرة على أن تقول للناس: هناك خطة، وهناك سكن، وهناك حماية، وهذه مسؤولية عامة وليست مسؤوليتكم الفردية".
أما منيمنة، فتؤكد أن هذا الفراغ ليس جديداً حيث منذ سنوات يؤمّن المواطن الكهرباء عبر مولد خاص، والمياه من مصدر خاص، والسكن من السوق، وفي بعض المناطق الخدمات أو فرص العمل عبر شبكات سياسية، وهو ما ساهم، بمرور الوقت، بضعف العلاقة بين الفرد والدولة، فيما تزداد أهمية الشبكة والطائفة والسوق والعائلة. وتصبح هذه الشبكات أكثر تعقيداً في وقت الحرب.
لهذا، وبعد تجربتها، تقول ليان إنها إذا تجدّدت الحرب مرة أخرى، فإنها تفضّل البقاء في منزلها تحت الخطر على أن تعيد تجربة النزوح مرةً أخرى. ويبقى السؤال: متى تلتفت الدولة اللبنانية إلى هذا الملف، وتتحمّل مسؤولياتها تجاه النازحين، وتوقف استنزافهم والعنصرية ضدهم؟
Loading ads...
*اسم مستعار بناءً على طلب المصدر.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






