43 دقائق
وزير خارجية أوكرانيا السابق: المشكلة ليست في وعود ترمب بل في سياساته
الأحد، 25 أكتوبر 2026

بعد أكثر من أربع سنوات ونصف السنة على بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، لا يرى وزير الخارجية الأوكراني السابق ديمترو كوليبا نهاية تلوح في الأفق لهذه الحرب.
ويعتقد كوليبا، الذي شغل منصبه بين عامي 2020 و2024، وقاد دبلوماسية كييف خلال العامين والنصف الأولين من الحرب، ويشغل حالياً منصب زميل أول في مركز "بيلفر" بجامعة هارفارد، أن الصراع بات يتجاوز مسألة الأراضي. ففي تقديره، خلص الرئيس فلاديمير بوتين إلى أن إنهاء الحرب ينطوي على مخاطر أكبر من مواصلتها، وأنه سيستمر في خوض الحروب "حتى آخر يوم له في السلطة".
ومن هذه القناعة ينطلق كوليبا في تفسيره لمختلف جوانب الصراع. فأي وقف لإطلاق النار، في رأيه، سرعان ما سيُخرق، أما انتصار أوكرانيا فيعني ببساطة أن تبقى "دولة أوروبية مستقلة ذات سيادة".
ويعتبر كوليبا وعد دونالد ترمب بإنهاء الحرب خلال 24 ساعة مجرد شعار. أما مصدر القلق الحقيقي، فيراه في انجراف واشنطن نحو الموقف الروسي، وقراراتها التي تقيد قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها.
ويتناول كوليبا مواقف القوى الدولية بالوضوح نفسه. فالصين، في تقديره، تريد لروسيا أن تبقى صامدة، وأن يزداد اعتمادها على بكين، من دون أن تخرج منتصرة من الحرب. وربما يكون أفضل ما تستطيع كييف عرضه على الصين هو منحها فرصة أداء دور صانع السلام. أما العقوبات، فرغم أنها تحد من قدرة روسيا على مواصلة الحرب، فإنها لا تستطيع إحداث تحول حاسم في عالم تجد فيه الدول الخاضعة للعقوبات دائما من يساعدها على الالتفاف عليها. ويؤكد أن انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) سيبقى مطروحاً ما دام أحد لم يقدم ضمانة أمنية أفضل.
وفي هذا الحوار مع "المجلة"، يقدم كوليبا رؤيته لحرب يعتقد أن على أوروبا الاستعداد للتعايش معها سنوات طويلة مقبلة.
من الناحية الاستراتيجية، أعتقد أن الرئيس بوتين وضع بلاده على مسار الحرب، وأنه سيواصل خوض حروب مختلفة حتى آخر يوم له في السلطة. وأرى أنه قد خلص إلى أن إنهاء الحرب في أوكرانيا ينطوي على مخاطر أكبر من مواصلتها وتوسيع نطاقها. ولهذا ينبغي أن نستعد لمواجهة طويلة الأمد مع روسيا، ستزداد خلالها سياساتها عدائية على جبهات متعددة.
المشكلة تكمن في إخفاق الرئيس ترمب في إنهاء الحرب. فبوتين يريد مواصلتها، وإنهاء أي حرب يستلزم إقناع الطرف الذي يدفعها إلى الاستمرار بالتوقف عنها
أما بالنسبة إلى أوكرانيا، فالخيار بسيط للغاية. وفي الحقيقة، لا خيار أمامنا أصلاً. علينا أن نصمد ونتكيف مع الظروف المتغيرة إذا كنا جادين في الدفاع عن استقلالنا وسيادتنا، وعن خيارنا في الانتماء إلى المشروع الأوروبي بدلاً من المشروع الروسي.
- حتى لو جرى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وهو أمر أشك في حدوثه، فلن يصمد طويلاً، للأسباب التي ذكرتها في إجابتي الأولى. فقناعتي الأساسية أن وجود الرئيس بوتين في السلطة يضمن استمرار الحرب. لقد اختار الحرب أداة رئيسة لسياسته. ولذلك، حتى لو جرى التوصل إلى وقف لإطلاق النار، فلا ينبغي النظر إليه باعتباره خلاصاً من الحرب، لأنه سرعان ما سيُخرق.
أما انتصار أوكرانيا، فأتصوره ببساطة شديدة: أن تظل أوكرانيا دولة أوروبية مستقلة ذات سيادة.
- لا أعتقد أن أحداً يستطيع تقديم تقدير صادق للمدة التي ستستغرقها هذه الحرب. فدافعو الضرائب، سواء في بريطانيا أو أوكرانيا، ليسوا من يقرر ذلك. إن قرار الرئيس بوتين خوض حرب طويلة الأمد هو الذي يحدد حجم الجهد المطلوب منا، ولا تملك أوكرانيا خياراً سوى التكيف مع هذا الواقع.
وإذا ارتفعت أصوات دافعي الضرائب في إحدى الدول الداعمة لأوكرانيا معارضة لاستمرار ذلك الدعم، فسيتعين على أوكرانيا التكيف مع هذا الواقع أيضاً.
لكنني، بصراحة، أتابع التطورات في عدد من الدول المهمة، ومنها المملكة المتحدة. وأسمع سياسيين يصورون دعم أوكرانيا على أنه مشكلة، غير أن استطلاعات الرأي التي أطلع عليها تظهر أن تأييد أوكرانيا لا يزال يحظى بمستويات جيدة نسبياً لدى مختلف الفئات.
- كان واضحاً لي منذ البداية أن الوعد بإنهاء الحرب خلال 24 ساعة لا يعدو أن يكون مجرد شعار. ولا أعتقد أن المشكلة تكمن في إخفاق الرئيس ترمب في إنهاء الحرب. فبوتين يريد مواصلتها، وإنهاء أي حرب يستلزم إقناع الطرف الذي يدفعها إلى الاستمرار بالتوقف عنها.
المشكلة الحقيقية، في رأيي، هي انجراف الرئيس ترمب المستمر نحو موقف موسكو، وسياسته الأخيرة القائمة على تقييد قدرات أوكرانيا على صد الهجمات الروسية. ولهذا لا أقتنع بالتصريحات التي توحي بأن الحرب توشك على الانتهاء، لأنني لا أرى أن العوامل البنيوية أو الظروف القائمة مهيأة لذلك. وما يقلقني أكثر هو القرارات السياسية التي تضعف أوكرانيا وتقوي روسيا.
ما يثير استغرابي حقيقة هو أن يفاجأ الناس بلغته. فهو يقود بلاده في زمن الحرب منذ فبراير 2022، وقد أدلى بتصريحات قوية كثيرة، وجه بعضها إلى سلف الرئيس ترمب، وبعضها الآخر إلى ترمب نفسه. لكنه حرص دائماً على أن لا يصل الأمر إلى حد إفساد العلاقة. فمهما قال الرئيس زيلينسكي، وأياً تكن الرسالة التي يريد إيصالها، فإنه يترك دائماً مجالاً لمواصلة الحوار وإصلاح العلاقة.
عندما أفكر في مصالح أوكرانيا وسبل إنهاء هذا الصراع، أرى أن أهم مقايضة يمكن أن تستميل الصين إلى المشاركة في إنهاء الحرب، مع الحفاظ على مصالح أوكرانيا، هي منح بكين فرصة الظهور بمظهر الدولة التي أعادت السلام
ولا ضير في أن تختلف علناً مع أصدقائك عندما تضطر إلى الدفاع عن موقف بالغ الأهمية بالنسبة إليك. غير أن فن الدبلوماسية يكمن في إدارة هذا الاختلاف بطريقة تبقي باب الحوار مفتوحاً. وأعتقد أن الرئيس زيلينسكي أتقن هذا الفن بقدر كبير من الفاعلية.
- علينا أن نعود إلى جذور المساعي الأوكرانية للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي. فقد تقدمت أوكرانيا بطلب العضوية قبل عقود سعياً إلى الانضمام إلى منظومة أمنية، وليس لأنها كانت تنظر إلى الحلف باعتباره كياناً مقدساً. فالقضية تتعلق بكيفية ضمان أمن أوكرانيا، بصرف النظر عن العضوية في حد ذاتها.
وحتى الآن، يظل "الناتو" أفضل آلية متاحة، ولهذا سعت أوكرانيا إلى الانضمام إليه. وإذا تمكنت أوكرانيا وشركاؤها من التوصل إلى حل يوفر ضمانات أمنية تضاهي ما تعد به عضوية الحلف أو تتفوق عليه في الفاعلية، فسيكون ذلك كافياً بطبيعة الحال.
لكن أحداً لم يقدم حتى الآن حلاً أفضل. ولهذا ينبغي أن تبقى عضوية "الناتو" مطروحة على جدول الأعمال. وإذا ظهر بديل فعال، فعلينا أن ندرسه بجدية.
- قناعتي الأساسية أن الصين لا مصلحة لها في أن تكون روسيا قوية، فهي تريد لروسيا في عهد بوتين أن تبقى قادرة على الصمود، وأن تغرق أكثر فأكثر في الاعتماد عليها.
أما إذا انتصرت روسيا في أوكرانيا، فستفلت من هذا الفخ. وستخرج من الحرب وقد استعادت قوتها وثقتها بنفسها، وتشعر بأنها قادرة على تحقيق إنجازات تاريخية، وتتمكن من الوصول إلى موارد أوكرانيا الهائلة، وتصبح القوة العسكرية الكبرى على امتداد أوراسيا، من لشبونة إلى شنغهاي. ولا أعتقد أن الصين تحتاج إلى روسيا بهذه القوة.
ولهذا، عندما أفكر في مصالح أوكرانيا وسبل إنهاء هذا الصراع، أرى أن أهم مقايضة يمكن أن تستميل الصين إلى المشاركة في إنهاء الحرب، مع الحفاظ على مصالح أوكرانيا، هي منح بكين فرصة الظهور بمظهر الدولة التي أعادت السلام. وعندها تستطيع الصين أن تقول: لقد أخفق الجميع، ونجحنا نحن.
وسيكون ذلك إنجازاً كبيراً آخر للدبلوماسية الصينية. خذوا مثلاً الاتفاق بين السعودية وإيران، والصورة الشهيرة لوزير الخارجية الصيني وانج يي وهو يقف في الوسط. لقد مضى بعض الوقت على ذلك، وطغت التطورات الأخيرة على ذلك الإنجاز.
لكنني أعتقد أن هذا هو ما تسعى إليه الصين فعلاً: أن يحظى دورها في ترسيخ الاستقرار على الساحة الدولية بالاعتراف والتقدير.
- تخيل أن لديك 100 جنيه لتمويل حرب، ثم تأتي العقوبات وتحرمك من 50 جنيهاً. سيبقى لديك 50 جنيهاً تستطيع إنفاقها على الحرب. لكن بالنسبة إلى الطرف الذي يدافع عن نفسه، ثمة فارق بين مواجهة خصم يملك 100 جنيه وآخر لا يملك سوى 50. ففي الحالة الثانية، سيضطر الخصم إلى ترشيد موارده وتقليص بعض خططه.
ولهذا، فإن القول بأن العقوبات لا تجدي نفعاً ينطوي على تسييس للمسألة، ولا يمثل تقييماً منصفاً لفاعليتها.
استندت السياسة الخارجية لدول الخليج إلى حسابات بسيطة: أي خطوة تتخذها لمصلحة أوكرانيا ستكون لها كلفة على علاقاتها مع روسيا. هكذا تنظر هذه الدول إلى المسألة
لكنني أعتقد أن الدرس الحقيقي مختلف. ففي القرن الحادي والعشرين، مهما بلغت شدة العقوبات التي تفرضها على دولة ما، فإنها ستجد دائماً سبلاً للالتفاف عليها، لأن هناك من سيكون مستعداً لمساعدتها. كما أن الغرب لا يملك من القوة ما يكفي لفرض عقوباته على نحو يعزل دولة عزلاً فعلياً عن الأسواق العالمية. ولهذا ينبغي النظر إلى العقوبات باعتبارها وسيلة لتقييد قدرات الدول المستهدفة، لا أداة قادرة على إحداث تحول حاسم.
- أعتقد أن دول الخليج منشغلة إلى حد كبير بمشكلاتها الخاصة في الوقت الراهن، ولا أتوقع منها أن تبادر إلى أداء دور واسع، لأن لديها مصالح حيوية قد تتعرض للخطر. فقد استندت السياسة الخارجية لدول الخليج إلى حسابات بسيطة: أي خطوة تتخذها لمصلحة أوكرانيا ستكون لها كلفة على علاقاتها مع روسيا. هكذا تنظر هذه الدول إلى المسألة.
ولهذا أعتقد أن دول الخليج ستظل أسيرة هذه الحسابات. وقد تكون راغبة في أداء دور أكبر، وربما تتنافس السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر على المساهمة في حل الأزمات السياسية العالمية الكبرى.
لكن تحركها سيبقى مقيداً بسؤال أساسي: إلى أي مدى يمكنها الذهاب من دون إثارة غضب روسيا؟ فهذه الدول تولي علاقاتها مع موسكو أهمية كبيرة.
وقد رأينا، على سبيل المثال، أنه عندما واجهت السعودية أزمة الطائرات المسيرة في أعقاب الحرب مع إيران، اقترب موقف ولي العهد الأمير محمد بن سلمان من موقف الرئيس زيلينسكي، وبحث الجانبان مشاريع للدفاع ضد الطائرات المسيرة، لأن المصلحة الوطنية السعودية المباشرة رجحت في تلك اللحظة الحرص على الحفاظ على علاقات جيدة مع روسيا.
غير أنها كانت "طفرة مؤقتة، لا استراتيجية". وبصراحة، لا أرى كيف يمكن تحويل مثل هذه الطفرات العابرة إلى علاقة استراتيجية أكثر متانة، في ظل الظروف الراهنة والأهمية التي توليها الملكيات الخليجية لعلاقاتها مع موسكو.
Loading ads...
هذا المحتوى من مجلة "المجلة".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

بين التهديد والاتفاق.. تحرك قطري في طهران
منذ دقيقة واحدة
0



