لم يبدأ كشف واحدة من أبشع جرائم نظام الأسد الموثقة في سوريا من غرفة تحقيق أو جهة قضائية، بل من فيديو سربه مجند شاب في جيش النظام، قرر أن ما شاهده لا يمكن أن يبقى مخفياً، ليفتح ذلك مساراً طويلاً من العمل قادته الصحفية والباحثة السورية أنصار شحود، وانتهى بكشف هوية أمجد يوسف، أحد أبرز مرتكبي مجزرة حي التضامن في دمشق.
أظهر الفيديو، الذي وُصف لاحقاً بأنه أحد أكثر الأدلة صدمة في سياق الحرب السورية، قيام عناصر أمنية بإعدام ما لا يقل عن 41 مدنياً ميدانياً، عبر إطلاق النار عليهم واحداً تلو الآخر، قبل رميهم في حفرة جماعية وإحراق جثثهم.
تعود بداية القصة إلى العام 2019، حين اطلع مجند شاب ضمن إحدى الوحدات العسكرية في جيش الأسد، على مقطع فيديو يوثق عملية إعدام جماعي في حي التضامن جنوبي دمشق، تعود إلى يوم 16 نيسان 2013.
قرار تسريب هذا الفيديو إلى خارج سوريا شكّل نقطة التحول الأولى، إذ وصل لاحقاً إلى باحثين في أوروبا، بينهم أنصار شحود والبروفيسور أوغور أوميت أونغور، اللذان عملا على تحويل المادة الخام إلى تحقيق موثق يمكن البناء عليه قانونياً وإعلامياً.
ورغم دوره الحاسم في كشف الجريمة، لا تزال هوية المجند الذي سرب الفيديو مجهولة حتى اليوم، حيث فضل البقاء مجهولاً لأسباب أمنية بعد خروجه من سوريا عبر مسار معقد، كما بقيت هوية الناشط الذي تلقى التسجيل أولاً وساهم في نقله إلى خارج البلاد طي الكتمان أيضاً، في ظل حساسية الملف وخطورته.
أنصار شحود، صحفية وباحثة سورية تنحدر من مدينة سلمية بريف حماة، غادرت البلاد عام 2013 إلى بيروت، قبل أن تستقر لاحقاً في أمستردام، وانخرطت هناك في العمل البحثي المتعلق بتوثيق الجرائم والانتهاكات في سوريا.
في العام 2016، التقت شحود بالبروفيسور التركي أوغور أونغور، وبدأ الاثنان العمل على مشروع يوثق ما اعتبراه نمطاً ممنهجاً من العنف، بهدف فهم بنية أجهزة نظام الأسد الأمنية، ليس فقط عبر الضحايا، بل أيضاً عبر الاقتراب من الجناة أنفسهم.
لم يكن هذا العمل تقليدياً، حيث سعت شحود للوصول إلى داخل بنية النظام نفسه عبر التواصل مع عناصره وضباطه، فاعتمدت على بناء علاقات تدريجية معهم عبر وسائل التواصل، والاستماع إليهم وكسب ثقتهم، وهو ما تطلب وقتاً طويلاً وأساليب مختلفة لفهمهم وانتزاع المعلومات منهم.
وفي محاولة للوصول إلى الفاعلين داخل الأجهزة الأمنية، أنشأت أنصار شحود حساباً وهمياً على موقع "فيسبوك" تحت اسم "Anna Sh"، وقدمت نفسها على أنها شابة موالية لنظام الأسد، وتسعى للتقرب من عناصره.
على مدى عامين، عملت أنصار بشكل مكثف على بناء شبكة علاقات رقمية مع عناصر وضباط، مستفيدة من طبيعة استخدامهم المفتوح نسبياً لمنصات التواصل الاجتماعي، ومع مرور الوقت، تحول الحساب على "فيسبوك" إلى نقطة تواصل موثوقة، أتاحت لها الدخول إلى دوائر مغلقة نادراً ما تكون متاحة للباحثين.
هذا العمل لم يكن تقنياً فقط، بل تطلب قدرة عالية على بناء الثقة والاستماع وفهم اللغة والسلوكيات داخل تلك البيئة، وهو ما مكّن أنصار من التقدم خطوة إضافية نحو الهدف الأساسي: تحديد هوية منفذ المجزرة الذي ظهر في الفيديو.
في العام 2021، وبعد سنوات من المتابعة، لفت انتباه أنصار حساب على "فيسبوك" يحمل اسم "Amgd Youssuf"، ظهرت فيه ملامح تشبه بشكل كبير الشخص الذي نفذ عمليات الإعدام في الفيديو.
تأكدت شبهات أنصار عبر أكثر من مسار، حيث لم تعتمد على التشابه البصري وحده، بل قارنت ملامح الشخص في الفيديو مع الصور المتاحة على حساباته، قبل أن تتلقى تأكيداً من مصادر ميدانية من داخل حي التضامن بأن الشخص الظاهر هو نفسه الذي كان مسؤولاً في المنطقة خلال تلك الفترة.
كما ساعدت متابعة نشاط أمجد يوسف على وسائل التواصل، وعلاقاته مع عناصر آخرين، في تثبيت هويته بشكل أكبر، قبل أن تبدأ مرحلة أكثر حساسية: التواصل المباشر معه.
خلال سلسلة من المحادثات والمكالمات، نجحت أنصار، عبر الشخصية الوهمية، في كسب ثقة يوسف تدريجياً، مستفيدة من أسلوب قائم على الإيحاء بالفهم والتعاطف، ما دفعه إلى الحديث بشكل أكثر انفتاحاً، عبر عمل استمر لسنوات، تخلله جمع آلاف الساعات من المحادثات والبيانات، التي جرى لاحقاً تسليمها لجهات قضائية في أوروبا.
في إحدى هذه المحادثات، أقر أمجد يوسف بشكل غير مباشر بدوره في عمليات القتل، قائلاً: "قتلت كثيراً"، في اعتراف اعتُبر أحد المفاصل الأساسية في التحقيق. ومع الوقت، بدأ يتحدث عن دوره، خصوصاً بعد أن تطرق إلى مقتل شقيقه وتأثير ذلك عليه، مضيفاً أن ما قام به كان بدافع "الانتقام".
في شباط 2022، نُشرت نتائج هذا العمل في تحقيق موسع لصحيفة "الغارديان"، مرفقاً بمقاطع من الفيديو، ما أحدث صدمة واسعة، وأعاد تسليط الضوء على ملف الجرائم المرتكبة في سوريا.
لاحقاً، تم تسليم المواد التي جُمعت، بما في ذلك الفيديوهات والمقابلات، إلى مدعين عامين في دول أوروبية، ضمن جهود أوسع لملاحقة مرتكبي جرائم الحرب، في مسار ساهم في كسر جزء من حالة الإفلات من العقاب، وفتح الباب أمام استخدام الأدلة الرقمية والشهادات في ملاحقات قانونية عابرة للحدود.
بالنسبة لأنصار شحود، لم يكن هذا العمل مجرد تحقيق مهني، بل تجربة شخصية معقدة، استمرت لسنوات، وفرضت عليها العيش بهوية مزدوجة، والتعامل اليومي مع روايات مرتكبي الجرائم، ما ترك أثراً عميقاً في نفسها دفعها في النهاية إلى إنهاء الشخصية الوهمية التي استخدمتها، في خطوة رمزية لإنهاء مرحلة طويلة من العمل السري.
وعلى الرغم من ذلك، تؤكد شحود أن ما جرى كان ضرورياً، ليس فقط لكشف هوية فرد مرتكب للانتهاكات، بل لإثبات نمط كامل من الجرائم، وتقديم مادة يمكن أن تُستخدم في مسارات العدالة مستقبلاً.
اليوم، وبعد نحو سنتين من نشر التحقيق، ومع الإعلان عن إلقاء القبض على أمجد يوسف، يعود اسم أنصار شحود إلى الواجهة، بوصفها إحدى الشخصيات التي لعبت دوراً محورياً في كشف هذه الجريمة، إلى جانب آخرين بقوا خارج الضوء، وفي مقدمتهم المجنّد الذي سرّب الفيديو والناشطون الذين ساهموا في نقله، والذين لا تزال هوياتهم مجهولة حتى اليوم.
ورغم أن الطريق نحو العدالة لا يزال طويلاً، فإن ما بدأ بفيديو مسرّب وتحول إلى تحقيق صحفي ثم إلى ملف قضائي، فتح مسار محاسبة بعد سنوات من بقاء الجريمة في الظل.
Loading ads...
ومع ذلك، لا تزال تفاصيل كثيرة طي الكتمان، في ظل وجود تسجيلات أخرى لم تُنشر توثق وقائع إضافية في المنطقة نفسها، ما يدفع ذوي الضحايا إلى المطالبة بالكشف الكامل عنها، باعتبارها خطوة أساسية لمعرفة مصير المفقودين وتحديد المسؤوليات، مؤكدين أن ما ظهر حتى الآن لا يمثل سوى جزء من الحقيقة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




