ساعة واحدة
من ابن بطوطة إلى السلالات الحاكمة.. ذاكرة الإسلام في أطلس رقمي
الجمعة، 25 سبتمبر 2026
كيف يمكن أن يرى الباحث أكثر من 1300 عام من التاريخ الإسلامي في مكان واحد؟ وكيف يمكن أن يقارن، على خريطة واحدة، بين الدول والسلالات الحاكمة والعلماء والقادة والأحداث التي تعاقبت على امتداد قرون، ويرصد تحولات الجغرافيا والتاريخ في الوقت نفسه؟
من هذه الفكرة انطلق فريق بحثي وتطويري لإطلاق "الأطلس الإسلامي الرقمي "، وهي منصة مفتوحة المصدر تسعى إلى توثيق التاريخ الإسلامي وإعادة رسم خرائطه وتتبع تحولاته عبر فترة زمنية تمتد من عام 632 ميلاديا إلى عام 1924.
ولا تقدم المنصة التاريخ في صورة سرد خطي تقليدي، وإنما تتيح للباحث الانتقال بين الزمن والجغرافيا، ومقارنة السلالات والشخصيات والأحداث على خريطة واحدة، بما يفتح المجال أمام قراءة العلاقات والتقاطعات التي امتدت عبر أكثر من ثلاثة عشر قرنا.
ويقول الدكتور حسين غوك ألب، الأستاذ في كلية الإلهيات بجامعة سلجوق وأحد القائمين على المشروع، إن الهدف الأساسي من الأطلس هو إتاحة ما يعرف بـ "القراءة البعيدة " للباحثين والمهتمين بالتاريخ الإسلامي. وهذه القراءة، بحسب غوك ألب، تسمح برؤية الصورة الأوسع والتقاط التطورات والعلاقات المتداخلة التي قد يصعب اكتشافها من خلال القراءة التقليدية للكتب، حيث ينشغل الباحث عادة بالتفاصيل الدقيقة لكل شخصية أو حدث أو فترة تاريخية.
حتى الآن، وثقت المنصة 186 سلالة حاكمة وأكثر من 852 شخصية، من حكام وأمراء وقادة عسكريين، في محاولة لبناء قاعدة رقمية تربط الشخصيات والكيانات السياسية بالأماكن والفترات الزمنية التي ارتبطت بها. ولا تتوقف عملية التوثيق عند الحكام والقادة، إذ يعمل المشروع على ربط البيانات بالمصادر التاريخية الكلاسيكية، ومن بينها كتاب "الأعلام " لخير الدين الزركلي، الذي يضم أكثر من 13 ألف ترجمة، وكتاب "معجم البلدان " لياقوت الحموي.
كما يستفيد الأطلس من أدب الرحلات، ومن بينها رحلتا ابن بطوطة وأوليا جلبي، إلى جانب توثيق المعالم التاريخية والمواقع الأثرية. وحدد المشروع حتى الآن أكثر من 800 معلم تاريخي وموقع أثري في القاهرة، فضلا عن مواقع أخرى في قونية ومدن تاريخية مختلفة.
وبهذه الطريقة، تتحول المصادر التي ظلت لعقود طويلة حبيسة الكتب والمراجع إلى بيانات يمكن ربطها بالمكان والزمان، وإعادة قراءتها ضمن سياقات أوسع. لكن القائمين على المشروع يؤكدون أن الهدف ليس إحلال الخريطة الرقمية محل الكتاب التاريخي.
فالأطلس، كما يوضح غوك ألب، لا يسعى إلى استبدال الكتب والمصادر الأصلية، وإنما إلى تقديم طريقة أخرى لقراءتها واكتشاف العلاقات بينها. وهنا يميز الباحث بين "القراءة القريبة "، التي يقوم فيها الإنسان بقراءة النص ببطء وتركيز على تفاصيله، و "القراءة البعيدة " التي تسمح بالنظر إلى كميات كبيرة من المعلومات في وقت واحد، ورؤية العلاقات والأنماط التي قد لا تظهر بسهولة أثناء القراءة التقليدية.
ومن هذا المنظور، يصبح الأطلس أداة مكملة للبحث التاريخي، تمنح الباحث إمكانية الانتقال من تفاصيل الشخصية أو الحدث إلى الصورة الأوسع التي تجمع عشرات الشخصيات والسلالات والأماكن والأحداث عبر الزمن.
ويختصر غوك ألب رؤيته للمشروع باعتباره مساهمة أولية في مسار يمكن أن يقود إلى مشاريع أكبر مستقبلا، قائلا إن ما يقوم به الفريق عمل صغير ومساهمة متواضعة، لكنه يأمل أن تفتح هذه الخطوة الطريق أمام مشاريع أكبر بكثير.
وراء هذه الخريطة التفاعلية بنية تقنية صممت لاستيعاب هذا الحجم من البيانات وربطها وعرضها بصورة تفاعلية. ويشرح أستاذ الهندسة بجامعة سلجوق علي جتينكايا أن المشروع اعتمد على تقنيات برمجية أثبتت كفاءتها، من بينها لغة "بايثون " في التطوير، ومكتبات Leaflet وD3 لعرض الخرائط والتمثيل البصري للبيانات، إلى جانب قواعد بيانات مفتوحة المصدر ونظام بحث متطور.
وهذه البنية تتيح للمنصة التعامل مع المعلومات التاريخية باعتبارها مجموعة من العلاقات المترابطة، بحيث يمكن الانتقال بين الشخصيات والأماكن والسلالات والأحداث ضمن مساحة رقمية واحدة. لكن التحدي الأكبر لا يتعلق فقط بجمع البيانات، وإنما بالتأكد من دقتها قبل إدراجها في المنصة، وهو ما يقود إلى سؤال آخر: ماذا يحدث عندما تدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى مشروع لتوثيق التاريخ؟
يقول جتينكايا إن المشروع يستخدم الذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية الكبيرة بحذر، وفق منهجية تقوم على إبقاء الخبير البشري داخل دائرة القرار. فالخوارزميات تستخدم للمساعدة في تسريع عمليات البحث واستخراج العلاقات بين النصوص، لكنها لا تملك القرار النهائي بشأن المعلومات التي تدخل إلى المنصة. والكلمة الأخيرة، بحسب جتينكايا، تبقى للمؤرخين والمتخصصين.
Loading ads...
ويؤكد أن أي نص لا يحصل على موافقة الخبراء لا يدرج داخل المنصة، بما يجعل الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة في عملية البحث، وليس بديلا عن المؤرخ أو الباحث. ويقول جتينكايا إن الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى المشروع هو أداة تساعد على أداء العمل، وليس كيانا واعيا، مؤكدا أن القرار النهائي يبقى دائما لخبير المجال، وأن النصوص التي لا يوافق عليها المؤرخون المختصون لا تدخل إلى المنصة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

الصفدي: إسرائيل تعبث بأمن المنطقة
منذ 6 دقائق
0


