ساعة واحدة
ذروة عبقريته العسكرية.. كيف فتح خالد بن الوليد طريق المسلمين إلى العراق؟
الجمعة، 23 أكتوبر 2026
حين صالح أهل الحيرة خالد بن الوليد رضي الله عنه سنة 12 للهجرة، بدا أن الفتح الإسلامي للعراق قد بلغ غايته الأولى؛ فقد سقطت الحاميات الفارسية في الجنوب واحدة بعد أخرى، وصارت عاصمة المناذرة القديمة في يد المسلمين. لكن خالدا لم يكن من القادة الذين يركنون إلى ما أنجزوه، فأمامه على ضفاف الفرات الأوسط مدن حصينة، وخلفها في البادية قبائل عربية نصرانية تدين بالولاء لكسرى، ووراء ذلك كله حدود الروم. فقرر أن يصعد مع النهر شمالا وغربا في حملة لم تتجاوز شهورا قليلة، لكنها أعادت رسم خريطة المنطقة لقرون.
فعلى امتداد هذه الحملة خاض سيف الله سلسلة من الوقائع المتلاحقة، يرويها كبار المؤرخين الأقدمين مثل الطبري والبلاذري وابن الأثير وابن كثير وغيرهم؛ فقد حاصر الأنبار وردم خندقها بجثث الإبل، واقتحم عين التمر وأسر قائد عربها بيده، وقطع البادية إلى دومة الجندل نجدة لرفيق محاصر، ثم عاد ليباغت خصومه ليلا في المصيخ والثني والزميل، حتى انتهى إلى الفراض، حيث وقف في وجه تحالف نادر جمع الفرس والروم والعرب معا. ثم ختم حملته برحلة سرية إلى مكة كلفته قيادة جبهة العراق كلها.
لم يبدأ التوجه الإسلامي نحو العراق بقرار مفاجئ من المدينة المنورة، بل بدأ من الأطراف على أيدي رجال من قبائل بكر بن وائل التي عاشت قرونا على تخوم سواد العراق. وكانت لهذه القبائل مع الفرس ذاكرة صراع قديمة، بلغت ذروتها في يوم ذي قار قبل الإسلام حين انتصرت بكر على جيش كسرى، فلما جاء الإسلام ودخلت فيه هذه القبائل، وجدت في الدين الجديد إطارا يجمع شتاتها ويمنح صراعها القديم مع الفرس معنى آخر.
وكان أبرز هؤلاء الرجال المثنى بن حارثة الشيباني، وهو ممن قاتلوا المرتدين في البحرين حتى هزموهم، ثم استأذن أبا بكر الصديق رضي الله عنه في غزو العراق فأذن له. فأخذ المثنى يغير على أطراف السواد قبل أن يقدم خالد، غير أنه لقي من الفرس مقاومة جعلت جهده وحده قاصرا عن اختراق جبهة بهذا الحجم.
وجاءت اللحظة المواتية في مطلع سنة 12 للهجرة، حين أُخمدت حروب الردة في جزيرة العرب، وصار في يد الخليفة أبي بكر جيش مجرب خرج لتوّه من معارك قاسية في اليمامة والبحرين ونجد واليمن. فاتجه أبو بكر، كما يرصد البلاذري في "فتوح البلدان"، إلى توجيه الجند نحو جبهات أخرى، وكان العراق أقرب الجبهات إلى قلب الجزيرة، وأكثرها اتصالا بقبائل دخلت الإسلام وتنتظر من يقودها.
وتختلف الروايات في الطريق الذي سلكه خالد إلى العراق، فينقل ابن كثير عن الواقدي أن الناس اختلفوا في ذلك؛ فمنهم من قال إن خالدا مضى من اليمامة إلى العراق مباشرة، ومنهم من قال إنه رجع من اليمامة إلى المدينة، ثم سار منها إلى العراق على طريق الكوفة حتى انتهى إلى الحيرة. وأيا كان الطريق، فقد مضى خالد حتى نزل بقريات من السواد يقال لها بانقيا وباروسما، فصالحه أهلها.
"كان العراق أقرب الجبهات إلى قلب الجزيرة، وأكثرها اتصالا بقبائل دخلت الإسلام وتنتظر من يقودها"
ويرسم الطبري في تاريخه صورة أكثر تفصيلا لخطة الخليفة؛ فقد وجه أبو بكر جيشين، جعل على أحدهما خالدا ومعه المثنى بن حارثة، وأمره أن يزحف نحو الأُبُلّة ثم الحيرة، وجعل على الآخر عياض بن غنم الفهري، ووجهه إلى دومة الجندل ثم إلى الحيرة أيضا. وجعل بينهما سباقا معلنا، فأيهما سبق صاحبه إلى الحيرة كان أميرا عليها.
كانت فكرة الكماشة واضحة، فالضغط على الوجود الفارسي يأتي من الجنوب والشمال الغربي في آن واحد، لكن الواقع لم يسر على إيقاع واحد. فقد اندفع خالد في جنوب العراق بسرعة لافتة، وكان أول من لقيه هرمز، القائد الفارسي المكروه بين العرب جميعا، أو كما يقول الطبري: "فكل العرب عليه مغيظ، وقد كانوا ضربوه مثلا في الخبث حتى قالوا: أخبث من هرمز". فهزمه خالد في ذات السلاسل قرب كاظمة، ويذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" أن الخليفة أبا بكر نَفَّل خالدا سَلَب هرمز، أي ما كان معه من سلاح ومتاع، وكانت قلنسوته مرصعة بالجوهر.
ثم تتابعت الوقائع في المذار والولجة وأليس وأمغيشيا حتى بلغ خالد الحيرة، فتحصن أهلها في قصورهم ثم خرجوا يطلبون الصلح، وكان من وجوههم عمرو بن عبد المسيح بن بقيلة، أحد نصارى العرب، الذي يحفظ له ابن كثير محاورة مع خالد عند اللقاء.
ويلفت ابن كثير إلى سمة مهمة في سلوك خالد رضي الله عنه خلال هذه المرحلة، فقد بعث أمراءه يمينا وشمالا يحاصرون الحصون، ففتحوها عنوة وصلحا، لكنه لم يكن يتعرض للفلاحين ممن لم يقاتل منهم ولا لأولادهم، وإنما كان يقصد المقاتلة من الفرس. وتفسر هذه السياسة جانبا من سرعة الفتح، وتكشف عن ذكاء خالد الإستراتيجي؛ فقد طمأنت أهل السواد من الزراع إلى أن الحرب ليست موجهة إليهم، وعزلت الحاميات الفارسية عن محيطها الريفي. أما عياض بن غنم فقد عاقه العدو عند دومة الجندل، وظل يحاصرها مدة طويلة، وهكذا كسب خالد السباق وانفتح أمامه الطريق نحو الغرب.
وبصلح الحيرة امتلك خالد قاعدة ثابتة على حافة البادية، ومن هناك نظر شمالا إلى الأنبار، أكبر مدن الفرات الأوسط وأحصنها. وتذكر كتب البلدان أن الأنبار كانت حدَّ بابل، وأنها سميت بذلك لأن أهراء (أنبار) الملك، أي مخازن طعامه، كانت فيها، ومنها كان يُرزق رجاله. فلم تكن الأنبار مجرد مدينة على النهر، بل كانت مستودع تموين الدولة الساسانية في تلك الناحية.
وسار خالد إليها بجيشه فوجدها قد استعدت للحصار، ويروي الطبري، ومن بعده ابن الأثير وابن كثير، أن على حاميتها قائدا فارسيا يدعى شيرزاذ، صاحب ساباط، وأن أهلها حفروا حول المدينة خندقا، وأشرف المدافعون من أعالي الحصون يرقبون الجيش القادم.
لكن خالدا لم يكن ينوي الانتظار، فأمر رماته بأن يقصدوا بسهامهم عيون المدافعين المطلين من فوق الأسوار. وتقول رواية الطبري إن المسلمين أصابوا في أول رمية ألف عين، فسُميت الوقعة منذ ذلك اليوم "ذات العيون". ولعل في الرقم مبالغة اعتادتها الروايات التاريخية في هذه المواضع، لكن الصورة تبقى ناطقة، فهناك رماة يستهدفون الوجوه المكشوفة على الأسوار، ومدافعون يتراجعون عن مواقعهم وقد أدركوا أن الإطلال من فوق الحصن صار مخاطرة قاتلة.
"تفقد خالد الخندق حتى وجد أضيق موضع فيه، ثم أمر بالإبل الضعيفة والهزيلة في جيشه فنُحرت وأُلقيت في ذلك الموضع حتى ردمته"
ثم جاءت الخطوة الثانية، وهي أشهر ما يُروى عن هذه الوقعة؛ فقد تفقد خالد الخندق حتى وجد أضيق موضع فيه، ثم أمر بالإبل الضعيفة والهزيلة في جيشه فنُحرت وأُلقيت في ذلك الموضع حتى ردمته، فعبر عليها خالد وأصحابه. وفي هذه الحيلة تتلخص طريقة خالد في الحرب، فهو لا ينتظر آلات الحصار ولا يطيل المكث أمام العوائق، بل يحوّل ما بين يديه، ولو كان أضعف ما في جيشه، إلى أداة نصر.
ويمضي الطبري في روايته فيذكر أن الفريقين التقيا في الخندق، فأدرك شيرزاذ أن المدينة لن تصمد، وكان كما يصفه الطبري "أعقل أعجمي وأسوده وأقنعه في الناس". فأرسل إلى خالد يطلب الصلح على أن يُلحق بمأمنه في نفر من الخيل، لا يحملون شيئا من المتاع، فأجابه خالد إلى ذلك، وخرج شيرزاذ إلى القائد الفارسي بهمن جاذويه. ثم صالح خالد من حول الأنبار وأهل كلواذى، واستخلف على المدينة الزبرقان بن بدر التميمي، وكان الزبرقان ممن ثبتوا على الإسلام أيام الردة، فأخذ صدقات قومه وأداها إلى أبي بكر رضي الله عنه.
غير أن البلاذري يروي القصة في "فتوح البلدان" من زاوية أخرى تخلو من الخندق والإبل؛ فعنده أن أهل الأنبار تحصنوا حين أقبل خالد، فجاءه رجل يدله على سوق بغداد، وهو السوق العتيق الذي كان عند الصراة، فبعث خالد المثنى بن حارثة فأغار عليه، فعاد المسلمون وقد ملؤوا أيديهم من الذهب والفضة وما خف حمله من المتاع. فلما رأى أهل الأنبار ما نزل بجيرانهم صالحوا خالدا على شيء رضي به، فأقرهم في مدينتهم.
ويورد البلاذري رواية ثالثة، يقدّمها بصيغة التمريض، تؤخر صلح الأنبار إلى خلافة عمر بن الخطاب على يد جرير بن عبد الله البجلي، وفيها أن أهل الأنبار صالحوا على أربعمئة ألف عباءة قطوانية في كل سنة، ويقال على ثمانين ألفا.
ولا يلزم من تعدد هذه الروايات أن يُكذب بعضها بعضا، فالأقرب أن الأنبار أعطت خالدا صلحا سنة 12 للهجرة، بعد ضغط عسكري أو بعد غارة أرهبت أهلها، ثم اضطربت أحوالها بعد رحيله إلى الشام، كما اضطربت أحوال كثير من مدن السواد. فلما عاد المسلمون إليها في خلافة عمر جُدد الصلح على شروط مستقرة، وهو نمط يتكرر كثيرا في فتوح العراق، حيث تُفتح المدينة ثم تنتقض ثم تُفتح من جديد.
وأيا كانت التفاصيل، فقد كانت دلالة سقوط الأنبار واضحة؛ فبفتحها انقطع الطريق الذي يربط الحاميات الفارسية في أعالي الفرات بقلب السواد، وصار لخالد موطئ قدم على النهر يتيح له أن يلتفت نحو بادية العراق الغربية، حيث كانت عين التمر تنتظره.
يصف ياقوت الحموي في "معجم البلدان" عين التمر بأنها بلدة قديمة قريبة من الأنبار، غربي الكوفة على طرف البرية، وبقربها موضع يقال له شفاثا، ومنهما كان يُجلب التمر إلى سائر البلاد لكثرته فيهما. لكن أهمية عين التمر لم تكن في نخيلها وعيونها، بل في موقعها؛ فهي على الطريق المؤدي إلى دومة الجندل، عند ملتقى طرق البادية بطرق الفرات، ومن يملكها يملك بابا من أبواب العراق إلى الصحراء.
وكان الدفاع عن عين التمر مختلفا في تركيبه عن الدفاع عن الأنبار، فبحسب رواية الطبري كان فيها القائد الفارسي مهران بن بهرام جوبين في جمع عظيم من العجم، وحولهم طوائف من الأعراب من النمر وتغلب وإياد ومن لاقاهم، يقودهم عقة بن أبي عقة. وهنا يظهر بوضوح التحالف الذي سيطارده خالد حتى نهاية حملته، وهو حامية فارسية نظامية تستند إلى قبائل عربية نصرانية تعرف الصحراء وتجيد القتال فيها.
ويروي الطبري حوارا لافتا دار بين القائدين قبل المعركة، فقد قال عقة لمهران: "إن العرب أعلم بقتال العرب، فدعنا وخالدا". فأجابه مهران بكلام ظاهره الثناء، ووعده بالمعونة إن احتاج إليها. فلما لامه قادة الفرس على هذا القول، كشف لهم ما في نفسه، فقال إنه قد جاءهم من قتل ملوكهم وفل حدهم فاتقاه بالعرب؛ فإن ظفر العرب بخالد كان الظفر للفرس، وإن كانت الأخرى لم يبلغ المسلمون منهم حتى يَهِنوا، فيقاتلهم الفرس وهم أقوياء والمسلمون منهكون.
كانت خطة ماكرة، لكنها اصطدمت بخالد؛ فقد أمر ميمنته وميسرته أن تلزما مكانهما، وأمر حماته أن يكونوا من ورائه، ثم حمل بنفسه على عقة وهو يسوي صفوفه، فاحتضنه وأخذه أسيرا، كما احتضن هرمز من قبل في ذات السلاسل. وما إن رأى رجال عقة قائدهم في قبضة خالد حتى انهزموا من غير قتال، وأكثر المسلمون فيهم الأسر.
ولما بلغ مهران خبر الهزيمة، أدرك أن خطته ارتدت عليه، فنزل من الحصن وفرّ تاركا إياه. ورجعت بقايا الأعراب النصارى المنهزمة إلى الحصن فوجدته مفتوحا، فدخلته واحتمت به، فجاء خالد فأحاط بهم وحاصرهم أشد الحصار. فلما رأوا ذلك سألوه الصلح، فأبى إلا أن ينزلوا على حكمه، فنزلوا، فجُعلوا في السلاسل. ثم أمر بعقة فضُربت عنقه، وضُربت أعناق من أُسر معه، وغنم ما في الحصن، ويؤكد ياقوت في معجمه هذا المآل حين يذكر أن عين التمر فُتحت عنوة.
وقد يبدو هذا الحكم قاسيا لقارئ اليوم، لكنه يُفهم في سياق تلك المرحلة وأعرافها؛ فهؤلاء تحالفوا مع الفرس على المسلمين، وخرجوا لقتالهم، ثم نزلوا على حكم القائد بعد الهزيمة، والنزول على الحكم كان يعني يومئذ أن المصير بيد المنتصر. ثم إن خالدا كان يتقدم بجيش محدود العدد في عمق أرض مكتظة بالخصوم، ولم يكن في وسعه أن يترك وراءه قوة معادية قادرة على أن تطعنه من الخلف، كما يرى محمود شيت خطاب في كتابه الذي خصصه لسيرة خالد بن الوليد رضي الله عنه.
غير أن أبرز ما خلفته عين التمر لم يكن في ساحة القتال، بل في كنيسة الحصن؛ فقد وجد المسلمون فيها أربعين غلاما يتعلمون الإنجيل، ففرقهم خالد في الأمراء وأهل الغناء، أي من أبلوا في القتال. ولم يكن أحد يومئذ يتخيل ما سيصير إليه هؤلاء الغلمان أو أبناؤهم؛ فمنهم، فيما يرويه ابن كثير، حمران بن أبان الذي صار إلى عثمان بن عفان من الخمس، ومنهم سيرين الذي أخذه أنس بن مالك، فكان والد الإمام التابعي الشهير محمد بن سيرين. وتذكر الرواية كذلك نصيرا، والد موسى بن نصير فاتح المغرب والأندلس، وأبا زياد مولى ثقيف.
وفي هذه الأسماء وحدها ما يلخص تحولا عميقا، فأسرى كنيسة صغيرة على حافة البادية العراقية خرج من أصلابهم فقيه من كبار التابعين، وقائد أشرف على فتح الأندلس. وهي إشارة مبكرة إلى أن الفتوح لم تكن مجرد توسع عسكري، بل كانت بداية لاندماج شعوب المنطقة في الحضارة الإسلامية الناشئة، وإسهامها في صناعتها ونهضتها فيما بعد.
"الفتوح لم تكن مجرد توسع عسكري، بل كانت بداية لاندماج شعوب المنطقة في الحضارة الإسلامية الناشئة"
وبعد أن استقر الأمر، بعث خالد الوليد بن عقبة إلى أبي بكر في المدينة بخبر الفتح والغنائم. وتمضي رواية ابن كثير فتذكر أن الوليد صار بعد ذلك إلى عياض بن غنم عند دومة الجندل في شمال الجزيرة العربية، فوجده في ضيق شديد، فأشار عليه أن يكتب إلى خالد يستمده بجيش من عنده. فكتب عياض، ووصل كتابه إلى خالد عقب وقعة عين التمر وهو يستغيث به.
كان عياض في تلك الأثناء عالقا في قلب الصحراء؛ فدومة الجندل واحة حصينة في شمال الجزيرة العربية، يصفها ياقوت بأن عليها سورا يُتحصن به، وفي داخله حصن منيع يقال له مارد. وكان أهلها قد استعانوا ببني كلب وقبائل أخرى من بادية الشام، فأحاطوا بعياض حتى صار هو المحصور بدل أن يكون المحاصر.
ولما وصل كتاب عياض إلى خالد، كتب إليه ردا قصيرا يرويه الطبري وابن كثير، يبدأ بقوله: "من خالد إلى عياض: إياك أريد"، ثم خرج بجيشه يقطع البادية نحو الواحة، تاركا القعقاع بن عمرو على الحيرة. وكان القرار جريئا؛ فخالد يترك وراءه أرضا حديثة الفتح، ويبتعد عن الفرات مسافة طويلة، لكنه كان يدرك أن ترك عياض محاصرا يعني انهيار الذراع الثانية من خطة الخليفة.
وكان على دومة الجندل يومئذ زعيمان، هما أكيدر بن عبد الملك الكندي والجودي بن ربيعة. ولأكيدر هذا مع خالد قصة قديمة، ففي غزوة تبوك بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالدا إليه، ويروي الطبري أن خالدا نزل على مرأى العين من حصنه في ليلة مقمرة، فجاءت بقر الوحش تحك قرونها بباب القصر، فخرج إليها أكيدر في جماعة من خاصته، فلقيته خيل المسلمين فأخذوه وقتلوا أخاه حسان. فحقن رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه وصالحه على الجزية، ثم تذكر كتب التراجم أن أكيدر لما قُبض النبي صلى الله عليه وسلم منع الصدقة ونقض العهد.
فلما بلغ أهل دومة الجندل دنوُّ خالد اختلف الرئيسان، ويروي الطبري أن أكيدر قال لقومه إنه أعلم الناس بخالد، وإنه لا أحد أيمن طائرا منه ولا أحدَّ منه في حرب، وإنه لا يرى وجه خالد قوم قلّوا أو كثروا إلا انهزموا عنه، ثم دعاهم إلى مصالحة المسلمين. فلما أبوا عليه، قال لهم إنه لن يمالئهم على حرب خالد، وخرج من بينهم، فبعث خالد عاصم بن عمرو يعترض طريقه، فأخذه وأتى به خالدا فضُربت عنقه.
ويروي البلاذري خبر أكيدر بطريق آخر، ففيه أن أبا بكر كتب إلى خالد وهو بعين التمر يأمره أن يسير إلى أكيدر، فسار إليه فقتله وفتح دومة. وتتفق الروايتان في المآل، وإن اختلفتا في السبب المباشر لمسير خالد؛ فهو نجدة عياض في رواية الطبري، وأمر الخليفة في رواية البلاذري.
ثم التحم الجيشان بأهل دومة، فهاجم عياض القبائل من جهة الشام، وهاجمها خالد من الجهة الأخرى، فانهزم القوم شر هزيمة، وأُسر الجودي بن ربيعة، فقتله خالد ومن قاتل معه وأخذ حصونهم.
وعقب فتح دومة الجندل عاد خالد سريعا إلى الحيرة، وكان يريد أن يمضي إلى المدائن، عاصمة الفرس في العراق، لكنه كره أن يخالف أمر أبي بكر. غير أن غيابه الطويل في الصحراء كان قد أغرى خصومه بالتحرك، فكاتب عرب الجزيرة الفراتية الفرسَ، غضبا لمقتل زعيمهم عقة، يحرضونهم على الثأر. وبالفعل تحرك الفرس بقائدين يسميهما الطبري روزبه وزرمهر، فنزلا الحصيد والخنافس في غرب العراق، واحتشدت جموع من العرب في المصيخ، وفي الثني والزميل حيث كان يقودهم ربيعة بن بجير التغلبي.
قرأ خالد الموقف بدقة، فأدرك أن الفرصة في تفرق خصومه، وأن عليه أن يضربهم واحدا بعد آخر قبل أن يجتمعوا. فوجه القعقاع بن عمرو التميمي أميرا إلى الحصيد، ويروي الطبري أن الفريقين اقتتلا قتالا شديدا، ثم انهزم الفرس، وقتل القعقاع زرمهر بيده، وقتل عصمة بن عبد الله الضبي روزبه، وغنم المسلمون شيئا كثيرا. ويحفظ ياقوت الحموي في معجمه أبياتا للقعقاع يفخر فيها بيوم الحصيد، يقول فيها:
ألا أبلغا أسماء أنّ خليلها … قَضى وطرا من روزمهر الأعاجم
غداة صبحنا، في حصيدٍ، جموعهم … بهنديّة تَفري فراخ الجماجم
ولجأ الفارون من العجم إلى الخنافس، فسار إليهم أبو ليلى بن فدكي السعدي، فلما أحسوا بقدومه لم يثبتوا، ولحقوا بالمصيخ، فاستقروا فيها مع من اجتمع هناك من الأعاجم والأعراب.
ثم جاءت وقعة المصيخ، وهو موضع يرجح أنه كان غربي العراق على تخوم بادية الشام، وكانت من أبرع ما نفذه خالد في العراق تخطيطا؛ فقد قسم جيشه ثلاث فرق، وأغار عليهم ليلا من ثلاث جهات وهم نائمون، فلم يفلت منهم إلا اليسير. ويسمي ياقوت الموضع "مصيخ بني البرشاء"، ويذكر أنه كانت به وقعة هائلة لخالد على بني تغلب.
ويحفظ الطبري من تلك الليلة مشهدا يرويه عدي بن حاتم الطائي؛ فقد انتهى المسلمون في الغارة إلى رجل يقال له حرقوص بن النعمان النمري، وحوله بنوه وبناته وامرأته، وقد وضع أمامهم جفنة من خمر، وكانوا يتساءلون في تلك الساعة: أيشرب أحد الآن وهذه جيوش خالد قد أقبلت؟ فما لبثت الخيل أن هجمت عليهم، فضرب رجل رأسه فسقط في جفنته، وأُخذ أهله.
لكن الليل لا يميز بين الناس، ففي رواية الطبري قُتل في هذه المعركة رجلان كانا قد أسلما، ومعهما كتاب من أبي بكر بالأمان، ولم يعلم المسلمون بذلك. أولهما عبد العزى بن أبي رهم بن قرواش، وقد قتله جرير بن عبد الله البجلي، والآخر لبيد بن جرير. فلما بلغ خبرهما أبا بكر في المدينة، أدّى ديتهما على أنهما قُتلا خطأ، وبعث يوصي بأولادهما. وتكلم عمر بن الخطاب في تعجل خالد بسببهما، كما تكلم فيه من قبل بسبب قتله مالك بن نويرة، لكن أبا بكر أبقى خالدا على قيادته، فقد كان يرى فيه ما وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سماه "سيف الله".
"بهذه الضربات تفكك التحالف الذي جمع الفرس وعرب الجزيرة الفراتية"
وبعد المصيخ اتجه خالد إلى الثني والزميل، واستعمل الأسلوب نفسه، مسيرا خفيا ثم إغارة ليلية. ويروي ابن كثير أن المسلمين بيّتوهم واستخفوا لهم، فانتصروا على من كان هنالك من الأعراب والفرس، فلم يفلت منهم أحد، ثم بعث خالد بالخمس من الأموال والسبي إلى أبي بكر.
وبهذه الضربات تفكك التحالف الذي جمع الفرس وعرب الجزيرة الفراتية، ولم يتفكك في معركة كبرى واحدة، وإنما في سلسلة من الضربات السريعة المتعاقبة، حرص خالد في كل منها على أن يكون المبادر المباغت، وأن يختار الزمان والمكان بعناية، وألا يمنح خصومه فرصة الاجتماع.
بعد موقعة الزميل تقدم خالد إلى الفراض على الفرات، في أقصى غربي العراق، قرب البوكمال السورية والقائم العراقية اليوم. وكان بلوغه هذه النقطة يعني أنه وصل إلى أقصى الحد الغربي للنفوذ الفارسي، وصار على تماس مباشر مع أرض الروم، أي الإمبراطورية البيزنطية. ويروي ابن كثير أن خالدا أقام هناك شهر رمضان مفطرا لانشغاله بالأعداء، وهي إشارة تكشف طول المكث وتوتر الجبهة، وشعور الجيش بأنه في سفر وحرب متصلين.
وهنا وقع ما لم يكن مألوفا في تاريخ المنطقة، فالروم والفرس عدوان تقليديان، خاضا قبل سنوات قليلة واحدة من أطول حروبهما وأشدها (602-628م)، لكن ظهور قوة ثالثة على حدودهما دفعهما يومئذ إلى التقارب والتحالف. ويروي الطبري أن الروم حميت واغتاظت حين اجتمع المسلمون بالفراض، فاستعانت بمن يليها من مسالح أهل فارس، وطلبوا المدد من قبائل تغلب وإياد والنمر الموالية لهم فأمدوهم بالرجال، ثم ساروا جميعا إلى خالد حتى صار الفرات بينهم وبينه.
ويقدم الطبري تفاصيل المشهد على ضفتي النهر؛ فقد أرسل الحلفاء إلى خالد يخيرونه بين أن يعبر إليهم أو يعبروا إليه، فاختار خالد أن يعبروا هم، فطلبوا منه أن يتنحى عن الضفة حتى يعبروا، فأبى، وقال لهم أن يعبروا أسفل من موضعه. ويذكر الطبري أن الروم والفرس قال بعضهم لبعض عند ذلك: "احتسبوا ملككم، هذا رجل يقاتل على دين، وله عقل وعلم، ووالله ليُنصرن ولنُخذلن". ثم لم ينتفعوا بذلك، فعبروا أسفل من خالد، فلما اكتمل عبورهم قالت الروم: "امتازوا حتى نعرف اليوم ما كان من حسن أو قبيح، من أينا يجيء"، أي ليقاتل كل فريق تحت رايته حتى يُعرف بلاؤه.
"الجيش الذي يعبر النهر يكون في لحظة العبور مفككا، والنهر من ورائه، فإن انهزم لم يجد مفرا"
وكان في اختيار خالد حكمة عسكرية واضحة؛ فالجيش الذي يعبر النهر يكون في لحظة العبور مفككا، والنهر من ورائه، فإن انهزم لم يجد مفرا، أما المدافع فيقاتل على أرض اختارها ومن موقع منتظم. ووقعت المعركة في منتصف ذي القعدة سنة 12 للهجرة، فاقتتل الفريقان قتالا شديدا طويلا، ثم انهزم الحلفاء.
وأمر خالد أصحابه بأن يتبعوهم ولا يفلتوهم، فكان النهر من ورائهم يزيد خسائرهم. ويذكر الطبري أن قتلاهم في المعركة وفي الطلب بلغوا مئة ألف، وهو رقم لا يمكن قبوله على ظاهره، إذ يفوق ما يُتصور أن تحشده تلك الناحية في ذلك الزمن، وقد وصفه المستشرق وليم موير في كتابه "الخلافة" بأنه رقم خرافي. لكن الروايات لا تختلف في أن الهزيمة كانت قاسية، وأن الفراض أنهت قدرة الحلفاء على تهديد المسلمين في هذه الجهة. ويحفظ التراث أبياتا للقعقاع بن عمرو يذكر فيها لقاء جموع الروم والفرس بالفراض، وكيف صار القوم بعد اللقاء كالغنم السائمة.
بعد المعركة أقام خالد بالفراض عشرة أيام، ثم أذن بالرجوع إلى الحيرة لخمس بقين من ذي القعدة، وأظهر أنه يسير في ساقة الجيش (مؤخرته)، لكنه كان يعد لأمر آخر. فقد خرج في عدة من أصحابه متوجها إلى مكة، يقطع الصحراء مسرعا رغم وعورة الطريق، حتى أدرك الحج، ثم عاد فلحق بالساقة قبل أن تبلغ الحيرة. وتذكر الرواية أنه قدم مع صاحب الساقة وهو وأصحابه محلَّقون، وقد بلغ كتمانه حدا ظن معه الجند أنه كان معهم في الساقة طوال الطريق.
ويؤكد ابن كثير أنه لم يعلم بحج خالد في تلك السنة إلا القليل ممن كانوا معه، ولم يعلم أبو بكر بذلك إلا بعد أن رجع أهل الحج من الموسم، فبعث إلى خالد يعتب عليه مفارقته الجيش، وكانت عقوبته، كما يقول ابن كثير، أن صرفه من غزو العراق إلى غزو الشام.
ولم يكن الكتاب عتابا خالصا، بل جمع الأمر والتحذير والثناء؛ فقد أمره أبو بكر بأن يسير حتى يأتي جموع المسلمين باليرموك، ونهاه أن يعود لمثل ما فعل، ثم أثنى على بلائه فهنأه بالنية والحظوة، وأوصاه أن يتم ما بدأ، وحذره من العُجب، وكان مما جاء في الكتاب: "وإياك أن تُدِل بعمل، فإن الله له المن وهو ولي الجزاء".
وأمره أبو بكر أن يأخذ نصف الناس، ويستخلف على النصف الآخر المثنى بن حارثة الشيباني، ووعده إن انتصر في الشام أن يعيده إلى العراق. وتذكر الرواية أن خالدا استأثر بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وترك للمثنى من ليست له صحبة، فأبى المثنى ذلك، وقال إنه لا يقيم إلا على إنفاذ أمر أبي بكر كاملا، وإنه ما يرجو النصر إلا بأصحاب النبي، فلما رأى خالد ذلك أرضاه، ثم ودعه المثنى إلى حدود الصحراء. وهكذا عاد المثنى، الذي بدأ قصة العراق بغاراته الأولى على أطراف السواد، ليمسك بزمامها من جديد بعد رحيل خالد.
وإذا أردنا أن نزن هذه الحملة في حسابها الأخير، وجدنا أنها نقلت المسلمين من جنوب العراق إلى الفرات الأوسط وأعاليه، وأخضعت أهم مدنه وحصونه من الأنبار إلى عين التمر، وأسقطت دومة الجندل، ففتحت طرق البادية بين العراق والشام، وهي البادية التي سيقطعها خالد نفسه بعد قليل في مسيره الشهير إلى الشام. غير أن أعمق ما حققته الحملة أنها فككت التحالف بين الفرس والقبائل العربية النصرانية في الجزيرة الفراتية، وكان هذا التحالف خط الدفاع الأول عن الدولة الساسانية من جهة البادية.
Loading ads...
وفي سيرة خالد العسكرية تمثل حملة غرب العراق مرحلة نضج كاملة لأسلوبه؛ فقد ظهرت فيها قدرته على الابتكار أمام العوائق في خندق الأنبار، وبراعته في ضرب رأس الجيش المقابل حين أسر عقة على حين غرة فانهارت معنويات رجاله. وظهرت فيها سرعته في نجدة رفيقه عياض بن غنم بدومة الجندل، وإحكامه للإغارة الليلية بفرق متعددة في المصيخ، وحسن اختياره للأرض والتوقيت في الفراض. وهي صفات ستظهر مرة أخرى بعد شهور قليلة، حين يقطع البادية إلى الشام، ويغير مسار التاريخ هناك أيضا.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




