23 أيام
الملاذات الآمنة في عين العاصفة.. لماذا لم تعد السندات والذهب تحمي الثروات؟
الأحد، 8 مارس 2026

يبدو أن مسألة الملاذات الآمنة للاستثمار عادت إلى صدارة النقاشات الاقتصادية العالمية بقوة، بعدما دفعت التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط المستثمرين إلى البحث مجددًا عن الأصول القادرة على حماية الثروات في أوقات الاضطراب.
وكلما اشتدت التقلبات في الأسواق المالية ازداد السؤال إلحاحًا حول الوجهة الأكثر أمانًا لرأس المال، سواء كانت الدولار الأمريكي أو السندات الحكومية أو الذهب، لا سيما في ظل تحولات اقتصادية معقدة تجعل سلوك هذه الأصول أقل قابلية للتنبؤ مقارنة بالماضي.
وبحسب تقرير نشرته “رويترز” فإن التوترات الحالية أعادت إحياء الجدل القديم حول الملاذات الآمنة للاستثمار. إلا أن الصورة لم تعد واضحة كما كانت في السابق؛ إذ إن الأصول التي اعتاد المستثمرون الاعتماد عليها للحماية لم تعد تتحرك وفق الأنماط التقليدية نفسها.
في حين شهد الذهب تقلبات حادة رغم سمعته التاريخية كملاذ آمن. بينما استعاد الدولار بعض قوته بعد فترة من الضعف خلال العام الماضي؛ ما يعكس حالة من التباين في أداء الأصول الدفاعية.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن المستثمرين أصبحوا أكثر حذرًا وانتقائية في اختيار الملاذات الآمنة للاستثمار. خصوصًا مع تزايد المخاوف المرتبطة بالتضخم وارتفاع الديون الحكومية والتوترات الجيوسياسية.
لذلك باتت الأسواق العالمية تشهد إعادة تقييم شاملة لمفهوم الملاذ الآمن. وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت الأصول التقليدية ما زالت قادرة على أداء هذا الدور في ظل الظروف الاقتصادية الجديدة.
الدولار يستعيد بريقه كملاذ آمن
أظهرت التطورات الأخيرة أن الدولار الأمريكي تمكن من تحقيق أداء قوي نسبيًا مقارنة ببقية الأصول الدفاعية. الأمر الذي أعاد تسليط الضوء على دوره ضمن الملاذات الآمنة للاستثمار خلال فترات عدم اليقين.
وارتفع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأمريكية أمام ست عملات رئيسة، بنسبة 1.5% خلال الأسبوع. وهو ما يعكس زيادة الطلب على العملة الأمريكية.
كما سجل مكاسب حتى أمام عملتين تعدان تقليديًا من أهم الملاذات في سوق العملات. وهما: الفرنك السويسري والين الياباني، اللذان عادة ما يحققان أداءً قويًا خلال فترات اضطراب الأسواق. غير أن التحركات الأخيرة أظهرت أن الدولار استطاع التفوق عليهما، في مؤشر على تغير موازين القوة بين العملات الدفاعية.
ومن جهة أخرى تشير بيانات التدفقات المالية إلى أن الطلب يتركز بشكلٍ خاص على السيولة النقدية قصيرة الأجل بالدولار. وليس على الأصول الأخرى المقومة به.
ويعزز هذا الاتجاه حقيقة أن الولايات المتحدة تعد مصدّرًا صافيًا للطاقة. الأمر الذي يمنح الاقتصاد الأمريكي بعض الدعم عندما ترتفع أسعار النفط، لا سيما مع تجاوز خام برنت مستوى 80 دولارًا للبرميل في ظل التوترات الجيوسياسية.
السندات الحكومية تفقد جاذبيتها الدفاعية
وعلى النقيض من الدولار لم تتمكن السندات الحكومية من جذب التدفقات الاستثمارية التي اعتادت الحصول عليها خلال الأزمات. وهو ما أثار تساؤلات حول مكانتها ضمن الملاذات الآمنة للاستثمار في المرحلة الراهنة.
وبدلًا من التركيز على خصائصها الدفاعية بات المستثمرون يتعاملون مع هذه السندات وفق توقعات التضخم ومسار أسعار الفائدة.
كما أدت العوامل المالية دورًا مهمًا في تقليص جاذبية السندات، خصوصًا مع تزايد المخاوف من ارتفاع مستويات الاقتراض الحكومي في العديد من الاقتصادات الكبرى. وأدى هذا الوضع إلى تقليل الإقبال على السندات طويلة الأجل، التي أصبحت أكثر حساسية لتغيرات السياسات المالية والنقدية.
وتجلى ذلك بوضوح في أوروبا؛ حيث ارتفعت عوائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات، التي تعد المعيار القياسي لمنطقة اليورو، بنحو 14 نقطة أساس منذ بداية الأسبوع.
ويشير هذا الارتفاع إلى أن المستثمرين يطالبون بعائد أعلى مقابل الاحتفاظ بالسندات. ما يعكس تراجع جاذبيتها كأحد الملاذات الآمنة للاستثمار في الوقت الحالي.
الذهب يحافظ على مكانته رغم التقلبات
ورغم التقلبات الأخيرة لا يزال الذهب يحتفظ بسمعته التاريخية كأحد أهم الملاذات الآمنة للاستثمار على المدى الطويل. حيث ارتفع المعدن النفيس بنحو 240% منذ بداية هذا العقد، وهو ما يعكس استمرار الثقة به كوسيلة لحفظ القيمة في أوقات عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي.
ومع ذلك لم يكن أداء الذهب خاليًا من التقلبات؛ إذ شهد تراجعًا حادًا خلال إحدى جلسات التداول الأخيرة. ويرى محللون أن هذا الانخفاض يعود جزئيًا إلى بيع المستثمرين للأصول التي حققت أفضل أداء لتعويض خسائرهم في قطاعات أخرى. بعد أن أثرت المخاوف المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط سلبًا في معنويات الأسواق.
لكن هذه التحركات قصيرة الأجل لا تقلل من أهمية الذهب في المحافظ الاستثمارية. لا سيما مع استمرار المخاوف المتعلقة بالتضخم والتوترات الجيوسياسية وارتفاع مستويات الدين العالمي.
وتشير بيانات شركة State Street إلى أن حصة الذهب في المحافظ الاستثمارية العالمية لا تزال منخفضة نسبيًا. إذ تقل مخصصات صناديق المؤشرات المتداولة المرتبطة به عن 1% من إجمالي أصول الصناديق العالمية، مقارنة بنطاق إستراتيجي يتراوح بين 5% و10%.
العملات الدفاعية والأسهم تحت ضغط الأسواق
شهدت العملات التي لطالما اعتُبرت ملاذات آمنة، مثل: الفرنك السويسري والين الياباني، بعض الضغوط خلال الفترة الأخيرة. حيث تراجع الفرنك بنسبة 1.2% بينما انخفض الين بنسبة 0.8% خلال الأسبوع.
ويعكس هذا الأداء المتواضع حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل تلك العملات في ظل التغيرات السياسية والاقتصادية.
كما أن التوقعات المرتبطة بالسياسات النقدية تؤدي دورًا مهمًا في تحديد مسار هذه العملات. فأثارت تقارير تشير إلى تحفظات داخل اليابان بشأن مزيد من رفع أسعار الفائدة بعض المخاوف حول مستقبل الين.
في حين يحذر محللون من أن مكاسب الفرنك السويسري قد تكون محدودة؛ بسبب احتمال تدخل البنك الوطني السويسري للحد من قوة العملة.
أما في أسواق الأسهم فأظهرت القطاعات الدفاعية، مثل: المرافق والسلع الاستهلاكية الأساسية. أداءً أقل من المتوقع. رغم أنها عادة ما تسجل خسائر محدودة خلال فترات التوتر.
وتراجع قطاع المرافق في مؤشر S&P بنسبة 1% هذا الأسبوع. بينما انخفض قطاع السلع الاستهلاكية الأساسية بنسبة 2.8%. في حين بقي مؤشر S&P 500 شبه مستقر.
وفي أوروبا انخفضت أسهم المرافق بنسبة 3% وتراجعت أسهم السلع الاستهلاكية الأساسية بنسبة 4.5% مقارنة بانخفاض قدره 3% في مؤشر STOXX 600.
وتعكس هذه الأرقام أن مفهوم الملاذات الآمنة للاستثمار لم يعد ثابتًا كما كان في الماضي. بل أصبح يتأثر بشكل متزايد بالتغيرات الاقتصادية والمالية العالمية. وهو ما يفرض على المستثمرين إعادة تقييم إستراتيجياتهم الدفاعية في ظل بيئة مالية أكثر تعقيدًا وتقلبًا.
Loading ads...
الرابط المختصر :
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

«رمكو» تعتمد عقود بيع وتسوية مديونيات
منذ 28 دقائق
0




