ساعة واحدة
ترمب ونظرية "الرجل المجنون" على أعتاب "المنعطف الفيتنامي"
الثلاثاء، 31 مارس 2026
منذ العام 2019، كانت مسألة خلافة علي خامنئي، مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، محل اهتمام القوى الدولية الفاعلة، وفي مقدمتها، الولايات المتحدة، وفي حين كان سرطان البروستات ينهش بجسد خامنئي، الذي ناهز الثمانين عاماً يومها، كان التوتر المتفاقم بين نظام حكمه وبين الولايات المتحدة -بإدارة دونالد ترمب في ولايته الأولى- يتعلّق في جانب كبير منه بالضغط بغية التأثير في تحديد خليفة خامنئي، المُنتَظر.
وكان ذلك أحد أسباب قرار ترمب المفاجئ بالانسحاب من الاتفاق النووي الذي عقده سلفه -باراك أوباما- مع إيران، وما تلاه لاحقاً، حينما تم تصنيف "الحرس الثوري" الإيراني، منظمة إرهابية، وفق القوائم الأميركية، إذ كانت هذه المؤسسة أبرز مراكز القوى المناوئة للتيار الميّال للتصالح مع الغرب، داخل النخبة الإيرانية حينها، وكان ترمب يريد إظهار هذه المؤسسة، بما يكتنفها من شبهات فساد، بوصفها السبب في بؤس الإيرانيين، عبر رفع الضغط الاقتصادي من خلال العقوبات، إلى أقصاه.
فالأمر لم يكن يتعلّق فقط بطموحات إيران النووية والصاروخية، ومخاطرها على الأمن الإقليمي والدولي، بل كان يتعلق أيضاً، بموقع إيران من مشاريع الصين الصاعدة بقوة، وأبرزها، "طريق الحرير" الخاص بها، والذي تشكّل إيران أحد مساراته، التي لا غنى عنها، ناهيك عن قيمة نفطها وغازها، في ميزان الحسابات الصينية.
اعتمد الرئيس الأميركي السابق، ريتشارد نيكسون، ما بات يُعرف بنظرية "الرجل المجنون"، وهي استراتيجية نفسية عالية المخاطر في التفاوض، حيث تفترض أنّ "المفاوِض الذي يُظهر تقلباً حاداً واستعداداً لاتخاذ إجراءات قد تكون مدمرة للذات وللآخرين يمكنه أن يخيف الخصوم ويدفعهم إلى تقديم تنازلات كانوا سيرفضونها في الظروف العادية"
يومها، كان هناك تصنيف شائع لخلفاء خامنئي المحتملين، وفق اصطفافاتهم الدولية المرتقبة، وكان مجتبى خامنئي، المدرج بينهم، هو الأقرب لعقلية والده، والتي كانت تقوم على الموازنة بين الكفتين الصينية والأوروبية، في العلاقات الخارجية لإيران، وذلك على حساب الولايات المتحدة الأميركية، التي كانت تفقد، منذ ذلك الحين، رويداً رويداً، تأثيرها الحاسم في نظام دولي يتسم بالتعددية القطبية، وكان عَكسُ هذا الاتجاه في النظام الدولي، الهدف الاستراتيجي الأبرز لصنّاع القرار في واشنطن، منذ عقد ونصف.
تلك المقدمة الطويلة، ضرورية، لنفهم معنى اختيار مجتبى خامنئي -مؤخراً- مرشداً لإيران، خلفاً لأبيه، ومعنى تفرّد "الحرس الثوري" الإيراني بإدارة المشهد، خلال الحرب الجارية اليوم، لكن قبل البناء على هذا "المعنى"، لنرجع إلى لحظة تاريخية أخرى سابقة.
ففي عام 1968، وتحت وطأة الفشل في حرب فيتنام، اعتمد الرئيس الأميركي السابق، ريتشارد نيكسون، ما بات يُعرف بنظرية "الرجل المجنون"، وهي استراتيجية نفسية عالية المخاطر في التفاوض، حيث تفترض أنّ "المفاوِض الذي يُظهر تقلباً حاداً واستعداداً لاتخاذ إجراءات قد تكون مدمرة للذات وللآخرين يمكنه أن يخيف الخصوم ويدفعهم إلى تقديم تنازلات كانوا سيرفضونها في الظروف العادية"، وذلك وفق تعريف نُشر في ورقة بحثية لمركز الجزيرة للدراسات، في أيلول 2025، تحت عنوان: (عقلانية اللاعقلانية.. نظرية "الرجل المجنون" في المفاوضات الدولية)، وهي النظرية التي حاول ترمب تطبيقها في أكثر من ملف في السياسة الخارجية الأميركية، بصورة خاصة في ولايته الثانية.
ويمكن القول: إنّ تصفية الصف الأول من قيادات إيران، في ضربة 28 شباط الفائت، بما فيهم المرشد الإيراني، كانت إحدى تطبيقات هذه النظرية، التي راهن ترمب فيها، على جلب الإيرانيين -صاغرين- إلى طاولة المفاوضات، كما راهن نيكسون قبل أكثر من خمسة عقود، مع قادة فيتنام الشمالية، يوم لوّح باستخدام السلاح النووي، وبتجاوز كل الخطوط الحمراء في الحرب العسكرية الشاملة.
قبل ذلك التاريخ بأكثر من عقدين، انخرطت واشنطن في دعمٍ مكلف لفرنسا، كي تتمكن الأخيرة من الصمود في حرب الهند الصينية الأولى، التي كانت فيتنام الشمالية، أبرز ساحاتها، وكان الهدف، الحد من التمدّد الشيوعي والنفوذ الصيني وصعود الاتحاد السوفيتي، لكن فرنسا هُزمت في حربها تلك، عام 1954، وخسرت امبراطوريتها الاستعمارية في عموم منطقة الهند الصينية، وانعكست هذه الخسارة بتصاعد حركات التحرر في مختلف المستعمرات الفرنسية، مما مثّل نقطة التحول في أفول الامبراطورية الفرنسية.
إلا أن واشنطن لم تذعن يومها لحصيلة هذا الدعم المكلف، وانخرطت بصورة غير مباشرة، ومن ثم بصورة مباشرة، منذ العام 1963، دفاعاً عن حليفها المتمثل بحكومة سايغون في فيتنام الجنوبية، في مواجهة المد الشيوعي، وصولاً إلى لحظة البدء باستخدام نظرية "الرجل المجنون"، عام 1968، عبر استخدام المزيد من القوة بغية تحقيق "السلام"، وفق المفهوم الأميركي، في ذلك الحين.
تقترب الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، من "المنعطف الفيتنامي"، فبعد أن فشلت مناورة "الرجل المجنون" في دفع النظام الإيراني، تحت وقع الصدمة، إلى الانهيار أو الإذعان الكامل، باتت المخارج محدودة للغاية أمام إدارة ترمب..
وبعد سبع سنوات من ذلك التاريخ، كانت لحظة الإقرار بواحدة من أقسى الهزائم العسكرية في تاريخ الولايات المتحدة المعاصر، والتي لم تنحصر تداعياتها على السياسة الخارجية الأميركية، لعقود لاحقة فقط، بل تركت آثاراً سياسية واجتماعية في الداخل الأميركي أيضاً، وكان السبب في ذلك، أن الاتحاد السوفييتي، ومن ورائه الصين، الداعمان لفيتنام الشمالية، لم يهابا "الرجل المجنون" القابع في واشنطن، وراهنا على غرق الأميركيين في المستنقع الفيتنامي، وهو ما حدث بالفعل.
Loading ads...
واليوم، تقترب الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، من "المنعطف الفيتنامي"، فبعد أن فشلت مناورة "الرجل المجنون" في دفع النظام الإيراني، تحت وقع الصدمة، إلى الانهيار أو الإذعان الكامل، باتت المخارج محدودة للغاية أمام إدارة ترمب، وهي تتراوح بين مخرج تفاوضي لا يحقق الهدف العميق من الحرب (إخراج إيران من العباءة الصينية)، وهو ما سيجعلها ذات كلفة سلبية على الإدارة الجمهورية في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الخريف القادم، وبين الهروب إلى الأمام عبر النزول للبرّ الإيراني، والذهاب قدماً في "فيتنام" جديدة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




