3 أشهر
خارطة الجوع في سوريا: تحسّن هش بالأمن الغذائي وسط فقر يطال 90% من السكان
الخميس، 15 يناير 2026

أظهرت نتائج المرحلة التاسعة من مسح الأمن الغذائي الأسري في سوريا لعام 2025 صورة مركبة لواقع المعيشة في البلاد، تجمع بين تحسن نسبي مقارنة بالعام السابق، وهشاشة عميقة ما تزال تطبع حياة غالبية الأسر السورية، ولا سيما في المناطق الريفية والمخيمات وبين الفئات الأشد ضعفًا.
المسح الذي أجرته هيئة التخطيط والإحصاء بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي، يعكس بوضوح أن التحسن المسجل لا يزال محدود الأثر، وغير قادر حتى الآن على إحداث تحول حقيقي في الأمن الغذائي على المستوى الوطني.
أرقام وطنية تكشف عمق الأزمة
وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية عن رئيس الهيئة أنس سليم، بلغت نسبة الأسر الآمنة غذائيًا على مستوى سوريا، باستثناء المخيمات، 18.4بالمئة فقط، وهي نسبة وإن كانت أعلى من العام الماضي، إلا أنها تعني عمليًا أن أكثر من أربعة أخماس الأسر ما تزال تعاني من انعدام أو هشاشة في الأمن الغذائي.
الصورة تبدو أكثر قتامة داخل المخيمات، حيث لا تتجاوز نسبة الأسر الآمنة غذائيًا 4.2 بالمئة، في مؤشر صارخ على عمق الأزمة الإنسانية التي يعيشها النازحون.
وتكشف بيانات المسح عن تفاوتات اجتماعية وجغرافية لافتة، إذ سجلت المناطق الحضرية نسبة أسر آمنة غذائيًا بلغت 19 بالمئة، مقابل 16.4بالمئة في الريف، ما يعكس استمرار الفجوة بين المدينتين والريف من حيث فرص الدخل والوصول إلى الغذاء والخدمات.
كما تظهر الفجوة بوضوح على أساس النوع الاجتماعي، حيث لم تتجاوز نسبة الأمن الغذائي لدى الأسر التي تعولها نساء 12بالمئة، مقارنة بـ18.5بالمئة لدى الأسر التي يعيلها رجال، وهو ما يعكس هشاشة مضاعفة تواجهها النساء في ظل سوق عمل محدود وشبكات حماية اجتماعية ضعيفة.
البيانات ذاتها تشير إلى أن الأسر التي تضم أفرادًا من ذوي الاحتياجات الخاصة تُعد من بين الأكثر تضررًا، إذ بلغت نسبة الأمن الغذائي لديها 10.5بالمئة فقط، مقابل 18.6بالمئة للأسر التي لا تضم أفرادًا من هذه الفئة.
كما سجلت الأسر النازحة داخليًا نسبة 11.8بالمئة، مقارنة بـ18.9بالمئة لدى الأسر المقيمة بشكل دائم، ما يؤكد أن النزوح ما يزال عاملًا حاسمًا في تفاقم انعدام الأمن الغذائي.
تفاوت حاد بين المحافظات
على مستوى التوزع الجغرافي، تصدرت محافظة طرطوس قائمة المحافظات الأكثر أمنًا غذائيًا بنسبة 29.9 بالمئة، تلتها ريف دمشق بـ27.6 بالمئة، ثم دمشق بـ21.9 بالمئة.
في المقابل، تذيّلت محافظات الرقة والحسكة والسويداء القائمة بنسب متدنية للغاية تراوحت بين 4.2 بالمئة و5.4 بالمئة، وهو ما يعكس بوضوح تأثير عوامل متراكبة، من الجفاف وتراجع الإنتاج الزراعي، إلى الاضطرابات الأمنية وضعف شبكات الدعم الغذائي والاقتصادي.
وتشير نتائج المسح أيضًا إلى تفاوت واضح بحسب مصدر الدخل، إذ كانت الأسر التي تعتمد على التجارة في وضع أفضل نسبيًا، بينما جاءت الأسر المعتمدة على العمالة اليدوية غير الماهرة في مقدمة الفئات الأكثر هشاشة، بنسبة لم تتجاوز 10.5بالمئة، ويعكس هذا التفاوت هشاشة سوق العمل السوري، وارتباط الأمن الغذائي ارتباطًا مباشرًا بنوعية العمل واستقراره.
تحسّن رقمي لا يبدد المخاوف
على الرغم من تسجيل تحسن مقارنة بعام 2024، حين بلغت نسبة الأسر الآمنة غذائيًا 11.1بالمئة فقط، إلا أن هذه القفزة النسبية لا تبدو كافية لتبديد المخاوف بشأن استدامة التحسن، خاصة في ظل استمرار العوامل البنيوية للأزمة، من تضخم مرتفع، وتراجع القدرة الشرائية، وضعف الإنتاج المحلي.
وتشدد بيانات المسح على أن الفئات الأضعف، مثل النساء والنازحين وسكان المخيمات وذوي الاحتياجات الخاصة، ما تزال تدفع الثمن الأكبر، ما يستدعي انتقال السياسات العامة من منطق الاستجابة الطارئة إلى برامج تنموية طويلة الأمد تعيد بناء شبكات الأمان الاجتماعي وتدعم سبل العيش المستدامة.
وتتسق هذه النتائج مع تحذيرات سابقة لبرنامج الأغذية العالمي، الذي أكد أن نحو نصف سكان سوريا يواجهون انعدام الأمن الغذائي نتيجة النزاع والانهيار الاقتصادي وتصاعد العنف، محذرًا من أن هذه التحديات مرشحة للاستمرار.
كما يعزز تقرير حديث لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي هذه الصورة القاتمة، إذ يشير إلى أن ربع السوريين عاطلون عن العمل، وأن ثلاثة أرباع السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانية، فيما يعيش نحو 90 بالمئة تحت خط الفقر.
Loading ads...
ومع اقتراب سوريا من دخول عام 2026، يتضح أن الأمن الغذائي لا يزال أحد أعقد التحديات الاقتصادية والاجتماعية في بلد أنهكته سنوات الحرب، ويكافح لتأمين الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم، في ظل معادلة ضاغطة تربط بين الفقر، والبطالة، وضعف الإنتاج، واستمرار الاعتماد على المساعدات.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




