2 أيام
في قلب قلعة دمشق: حكاية أب وابنه يحرسان الذاكرة السورية عبر صناعة الفخار
الجمعة، 1 مايو 2026
في ركن هادئ من قلعة دمشق التاريخية، وتحت أقواس المعرض الذي حمل عنوان: (دمشق: وردة وتراث)، جلس ولد بجانب أبيه وأمامهما عجلة الفخار الدائرة، وبين أيديهما كتلة من الصلصال بدأت تتشكل رويداً رويداً.
وهذا الصبي اسمه علي سيف الدين ويبلغ من العمر سبع سنين وهو ابن نبيل سيف الدين الذي يعتبر شيخ الكار في هذه المهنة التقليدية بسوريا. لم يكتشف علي عالم الصلصال حديثاً، بل إنه نشأ ولديه فضول بهذا المجال وبمرور الوقت أضحى فضوله عشقاً، ومن ثم مهارة ماتزال تتطور يوماً بعد يوم.
يؤكد والده نبيل أن الحرفة ليست مجرد معارف يتعلمها المرء، بل لابد له من أن يتشبع روحها، معتبراً الفخار لغة ثقافية موروثة يجب نقلها للجميع، فهي ليست حكراً على الحرفي الذي يمتهنها.
نقلت عائلة سيف الدين هذه المهنة لمن يرغب بتعلمها خوفاً عليها من الاندثار، كما سافرت أعمالهم خارج حدود سوريا، فظهرت في معارض بالكويت والإمارات، حاملة معها مزيجاً من التراب السوري وبصمة تدل على التاريخ الفني العريق بسوريا.
وعلى الرغم من صغر سن علي فإنه قال: "راقبت أبي لفترات طويلة، ثم حاولت بنفسي، وارتكبت أخطاء، لكني تعلمت"، إذ في غضون عامين، تطور أداؤه فأصبح يصنع السلطانيات والأطباق والمزهريات حسب الطلب.
لم يكن علي وحده الذي تطور، بل المهنة بحد ذاتها تطورت، إذ كانت تعتمد في السابق على التجهيز اليدوي للمواد الأولية، غير أن الورشات العصرية باتت اليوم تستعين بأدوات كهربائية وخلاطات ميكانيكية لتحسين كفاءتها والتقليل من المخلفات، ولكن جوهر الحرفة لم يطرأ عليه أي تغيير، إذ بقيت عناصرها الأساسية تتلخص في التراب والماء والنار.
لا يزال الطين يُستخرج من مصادره الطبيعية، من التربة المأخوذة من الأرض أو أطراف الجبال، ويُخلط برمل بركاني يُعرف محلياً باسم (فرخ)، ثم يُعجن بالماء ويُترك ليرتاح في الظلام لمدة يومين قبل إدخاله إلى الفرن، ثم تخضع كل قطعة لعمليتي حرق: الأولى عند نحو 700 درجة مئوية، والثانية بعد التزجيج والزخرفة عند حوالي 1100 درجة مئوية.
عادت مهنة صناعة الفخار إلى الواجهة، بعد أن نصحت منظمة الصحة العالمية الناس مؤخراً بالعودة إلى استخدام الأواني الفخارية لتحضير الطعام، نظراً لخلوها من المواد المسرطنة الموجودة في الأواني العصرية، كما أن الحرب في سوريا دفعت كثيرين للاعتماد على الفخار لتبريد الأطعمة والمشروبات في ظل انقطاع الكهرباء لساعات طويلة.
وهذا ما دفع نبيل سيف الدين لمطالبة المؤسسات بدعم أكبر لهذه المهنة، عبر تنظيم معارض دورية، ومنصات تسويقية، وجهات حاضنة لهذه المهنة للحد من الضرائب المفروضة على الحرفيين وحماية الحرفة من الاندثار، ويتابع: "الحرفيون السوريون قادرون على المنافسة إقليمياً ودولياً، فمنتجنا موثوق في الخارج على الرغم من كل ما مررنا به، ولكنا بحاجة لمن يقف معنا".
تعتبر حرفة صناعة الفخار من أقدم المهن السورية، فقد كشفت التنقيبات الأثرية في تل المريبط بالرقة عن وجود تماثيل فخارية صغيرة الحجم يرجع تاريخها إلى ثمانية آلاف عام، وقد تطورت تلك الحرفة مع الحضارات التي تعاقبت على سوريا، فوصلت إلى مكانة رفيعة أيام الحقبة الإسلامية خلال الحكم الأيوبي.
واليوم، تعمل وزارة الثقافة إلى جانب منظمات المجتمع المدني على إحياء هذا التراث وحمايته، اعترافاً منها بأن ما ينتجه أمثال نبيل وعلي ليس مجرد فخار، بل ذاكرة بحد ذاتها، تدور ببطء كأنها الزمن بين أيدي أولئك الذين يرفضون لها أن تندثر.
Loading ads...
يذكر أن مديرية الحرف والمهن التراثية في وزارة السياحة نظمت بالتعاون مع وزارة الثقافة معرض “دمشق وردة وتراث” داخل قلعة دمشق التاريخية، والذي افتتح أبوابه في السابع والعشرين من الشهر الجاري وسيستمر حتى السابع من أيار، ويتضمن مجموعة من الأنشطة والعروض الحرفية التي تبرز تنوع التراث السوري.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

ظاهرة فلكية نادرة.. اكتمال قمرين في شهر أيار الجاري
منذ ثانية واحدة
0




