الولايات المتحدة- في مشهد غير مألوف قبل يومين من انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، ظهرت النائبة الديمقراطية هالي ستيفنز، صباح أمس الأحد، إلى جانب المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ مايك روجرز داخل كنيسة في مدينة ديترويت بولاية ميشيغان، قبل أن تعلن تأييدها له ضد مرشح حزبها عبدول السيد، الذي هزمها في الانتخابات التمهيدية قبل 3 أشهر.
ولم يكن إعلان ستيفنز مجرد خلاف شخصي بين متنافسين سابقين، بل جاء في خضم تحركات سياسية وإعلانية واسعة تستهدف عبدول، بعضها تقوده جهات جمهورية، وأخرى شخصيات ومجموعات داعمة لإسرائيل، فضلًا عن خلافات داخل الحزب الديمقراطي بشأن موقف المرشح الأمريكي ذي الأصول المصرية من الحرب على غزة والعلاقات الأمريكية الإسرائيلية.
ويكتسب الانشقاق أهمية خاصة بالنظر إلى أن مقعد ميشيغان الذي يتنافس عليه عبدول وروجرز، ويشغله حاليًا السيناتور الديمقراطي غاري بيترز الذي قرر عدم الترشح مجددًا، بينما يمثل الاحتفاظ بالمقعد جزءًا أساسيًا من مساعي الديمقراطيين لاستعادة الأغلبية بمجلس الشيوخ.
في تسجيل مصور نشرته على منصة إكس، قالت ستيفنز إن مرشح الديمقراطيين أوضح أنها لم تعد مرحبًا بها في حملته، وأضافت "إنه محق، ولهذا أعلن اليوم تأييدي لروجرز لعضوية مجلس الشيوخ".
وأكدت أنها لا تزال ديمقراطية فخورة بانتمائها إلى الحزب، لكنها لن تمنح صوتها لعبدول، منتقدة ارتباطه بصانع المحتوى السياسي حسن بيكر المعروف بنقده اللاذع للسياسات الإسرائيلية.
وجاء إعلانها بعد ظهورها مع روجرز وزوجته في كنيسة بيرفكتينغ (Perfecting Church) ذات الأغلبية الأفريقية الأمريكية في ديترويت، حيث تحدثت عن أهمية الاستثمار في الشركات المملوكة للسود، وقالت إن روجرز سيتبنى هذه السياسة.
وكان مقررًا أن تشارك ستيفنز اليوم نفسه في فعالية انتخابية مع عبدول والنائب الديمقراطي البارز جيم كليبرن، بهدف إظهار وحدة الحزب وحشد الناخبين السود.
لكن النائبة الديمقراطية ديبي دينغل، التي ساعدت في تنظيم اللقاء ضمن حملة عبدول، قالت إنها هي من طلبت من ستيفنز عدم الحضور بعدما تحول الخلاف إلى مصدر تشتيت للحملة الانتخابية.
ويثير تسلسل الأحداث تساؤلات بشأن الدوافع المباشرة لقرار ستيفنز. فقبل 4 أيام فقط، أكدت في مقابلة مع شبكة "سي إن إن" أنها ستصوت لعبدول، رغم إعلان خطيبها المحامي جيسون توركيش تأييده لروجرز. ثم رحبت، مساء السبت، بإعلان عبدول رفضه مضمون إعلان سياسي مثير للجدل بشأن إسرائيل، قبل أن تنتقل صباح أمس إلى تأييد منافسه الجمهوري.
وأدى التحول إلى استقالة مدير مكتبها منذ سنوات، وسط تقارير عن اعتزام موظفين آخرين الاستقالة. كما اتهمها رئيس الحزب الديمقراطي في ميشيغان كيرتس هيرتل بالتخلي عن المبادئ التي تدعي الدفاع عنها.
لفهم هذا الانقسام، تجب العودة إلى الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في أغسطس/آب الماضي، التي شهدت تنافسًا حادًا بين ستيفنز وعبدول، وانتهت بفوز الأخير بفارق ضئيل.
وكانت ستيفنز من أبرز الشخصيات الديمقراطية المدافعة عن إسرائيل، وحظيت بدعم مالي ضخم من لجنة "المشروع الديمقراطي الموحد" المرتبطة بلجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "آيباك".
وبحسب بيانات الإنفاق الانتخابي المبلغ عنها للجنة الانتخابات الفدرالية، بلغ إنفاق تلك اللجنة نحو 30.7 مليون دولار خلال الانتخابات التمهيدية في ميشيغان، بين دعم ستيفنز ومواجهة عبدول.
في المقابل، جعل عبدول انتقاد الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل جزءًا رئيسيا من حملته، واتهم جماعات الضغط والممولين الكبار بمحاولة التأثير في اختيار المرشحين الديمقراطيين.
ورغم إعلان ستيفنز دعمها لعبدول بعد خسارتها، فإنهما لم يظهرا معًا علنًا منذ لقاء للمصالحة بعد الانتخابات التمهيدية.
وتجدد الخلاف منذ أيام بسبب إعلان رقمي نشرته لجنة سياسية مستقلة تدعى "ريبيليون باك" يصور زوجين يتسوقان ويشيران إلى أن الأموال الأمريكية المستخدمة بالحرب على الفلسطينيين كان يمكن توجيهها لتخفيف تكاليف المعيشة.
واتهمت ستيفنز الإعلان بمعاداة السامية وتحميل إسرائيل مسؤولية المشكلات الاقتصادية الأمريكية، وطالبت عبدول بإدانته، وسحب إعلان آخر نشرته حملته يضم مقطعًا للإعلامي المحافظ تاكر كارلسون ينتقد فيه روجرز.
لكن التحقيق الذي نشره موقع "بوليتي فاكت" في 30 أكتوبر/تشرين الأول كشف أن الإعلان المثير للجدل لم تنتجه حملة عبدول، وإنما لجنة مستقلة أسسها الإعلامي جنك أوغور، وأن إنفاقها على نشره رقميًا بلغ ألف دولار فقط.
كما خلص التحقيق إلى أن تصوير ستيفنز لمواقف عبدول باعتبارها تحميلًا لإسرائيل المسؤولية عن مجمل الأزمة الاقتصادية لا يقدم الصورة الكاملة، إذ انتقد المرشح أيضًا النظام الضريبي الأمريكي والإنفاق العسكري الواسع.
وأكد عبدول أنه لا يتفق مع مضمون الإعلان، متهمًا ستيفنز بمحاولة إعادة خوض معركة الانتخابات التمهيدية بدل التركيز على هزيمة الجمهوريين.
ولم تكن ستيفنز أول شخصية ديمقراطية تعلن دعم روجرز. ففي 27 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن ديفيد كرامر، رئيس حملتها السابقة وأحد أبرز جامعي التبرعات الديمقراطيين في ميشيغان، أنه سيصوت للمرشح الجمهوري.
وكان كرامر قد تولى كذلك رئاسة جمع التبرعات لحملة السيناتورة الديمقراطية اليهودية إليسا سلوتكين، وهو ما يمنح موقفه دلالة داخل شبكات التمويل التقليدية للحزب.
وقال كرامر لموقع "جويش إنسايدر" إنه لا يتفق مع روجرز في قضايا كثيرة، لكنه يعتبر تصريحات عبدول بشأن إسرائيل واتهامه لها بارتكاب إبادة جماعية في غزة سببًا كافيًا لعدم التصويت له.
وفي اليوم التالي، أعلن جيسون توركيش، خطيب ستيفنز، القرار نفسه خلال فعالية للتحالف الجمهوري اليهودي لدعم روجرز. وتحدث عن مخاوفه من تأثير خطاب عبدول على سلامة اليهود الأمريكيين، واتهمه بعدم الاستجابة لمطالب إدانة معاداة السامية.
كما شارك كرامر مع لون جونسون، الرئيس السابق للحزب الديمقراطي في ميشيغان، في كتابة مقال يدافع عن خيار ترك خانة انتخابات مجلس الشيوخ فارغة بدل التصويت لعبدول.
وتكشف هذه المواقف عن اتجاه داخل بعض أوساط الديمقراطيين المؤيدين لإسرائيل إلى معاقبة مرشح حزبهم انتخابيًا، حتى لو كان البديل مرشحًا يدعمه الرئيس ترمب.
لكن الانقسام ليس شاملًا بين الديمقراطيين اليهود. فقد أعلنت السيناتورة سلوتكين تأييدها لعبدول وشاركت في حملته، رغم اختلافهما بشأن إسرائيل.
إلى جانب الانشقاقات السياسية، تكشف البيانات الفدرالية عن حملة إعلانية واسعة ضد عبدول.
فحسب بيانات لجنة الانتخابات الفدرالية حتى 31 أكتوبر/تشرين الأول، بلغ الإنفاق المستقل المعلن لمهاجمة عبدول في الانتخابات العامة نحو 133.7 مليون دولار، مقابل نحو 54.4 مليونا لمهاجمة روجرز.
ومن بين الجهات النشطة ضد عبدول صندوق قيادة مجلس الشيوخ الجمهوري، ومجموعات محافظة أخرى، إلى جانب صندوق آر جيه سي فيكتوري المرتبط بالتحالف الجمهوري اليهودي الذي سجل إنفاقًا بنحو 1.4 مليون دولار ضد عبدول.
وتبرز حملة أخرى تستهدف الناخبين السود بصورة خاصة. ففي 19 أكتوبر/تشرين الأول، بدأت لجنة "تمكين الأمريكيين السود" بث إعلانات تتهم عبدول بأنه غير محترم ومتجاهل وغير صادق مع المجتمع الأفريقي الأمريكي.
وذكرت صحيفة واشنطن بوست أن لجنة سياسية مؤيدة لترمب بدأت أيضًا بث إعلانات قيمتها 1.4 مليون دولار، يظهر فيها ناخبون سود يقولون إنهم ديمقراطيون منذ سنوات لكنهم سيصوتون لروجرز.
وتشير هذه التحركات إلى أن المعركة لا تقتصر على إقناع الناخبين الجمهوريين، وإنما تستهدف تقليص هوامش تفوق الديمقراطيين في ديترويت، سواء بتحويل بعض الأصوات إلى روجرز أو دفع ناخبين إلى الامتناع عن التصويت في سباق مجلس الشيوخ.
واتخذت الهجمات على عبدول بعدًا آخر يتعلق بهويته الدينية وأصوله المصرية. فقد ردد روجرز اتهامات بأن منافسه مرتبط بجماعة الإخوان المسلمين، مستندًا خصوصًا إلى رسالة وقعها عبدول مع أمريكيين مصريين عام 2012 لدعم الرئيس المصري المنتخب آنذاك محمد مرسي.
لكن روجرز لم يقدم أدلة تثبت انتماء عبدول إلى الجماعة أو تعهده بدعمها، بينما نفى المرشح الديمقراطي هذه الاتهامات مرارًا.
وتصاعد الخطاب خلال تجمع انتخابي لترمب في ميشيغان، عندما وصف عبدول بأنه "جهادي" وربطه بهجمات 11 سبتمبر/أيلول (2001) بل قال إنه سيكون السيناتور الوحيد الذي يحتاج إلى المرور عبر جهاز كشف المعادن لدخول مجلس الشيوخ.
ورد عبدول على تصريحات ترمب بأنه مستعد للمرور عبر جهاز كشف المعادن في حال وافق ترمب على الخضوع لاختبار جهاز كشف الكذب.
ورغم هذه الهجمات، أظهر استطلاع أجرته مؤسسة ميتشل تقدم عبدول بنسبة 51% مقابل 44 % لروجرز. كما بلغ متوسط تقدمه في استطلاعات ريل كلير بولينغ 3.5 نقاط مئوية.
Loading ads...
وقد يكون تأثير تأييد ستيفنز لروجرز محدودًا بالنظر إلى تقدم عبدول في الاستطلاعات، لكنه يحمل خطورة سياسية في ولاية فاز بها ترمب بفارق ضئيل عام 2024، وتستطيع فيها تحولات صغيرة في المشاركة الانتخابية تغيير النتيجة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





