ساعة واحدة
فنانة بصرية ورائدة أعمال.. سارة النملة: الفن مرآة اعتزازي بهويتي
الإثنين، 21 سبتمبر 2026

حين نحملُ الوطنَ في أعماقنا، يُصبح كلُّ ما نلمسه انعكاساً ساطعاً لاعتزازنا بهويَّتنا وثقافتنا، وتفرُّد مجتمعنا. هذا ما تُجسِّده ببراعةٍ الفنَّانةُ البصريَّةُ السعوديَّة سارة النملة التي كرَّست أدواتها الإبداعيَّة لسردِ قصصِ الوطنِ وتاريخه العريق مقدِّمةً إياه للعالمِ في قالبٍ معاصرٍ، يُلامس القلوبَ والأذهان، ويترك فيها أثراً لا يُمحى. وبمناسبةِ اليوم الوطني، نُبحر معها في عالمها الملهم، لنقفَ عند أبرزِ المحطَّاتِ التي رسمت مسارها الإبداعي.
بدأت علاقتي بالفنِّ من فضولي تجاه التفاصيلِ الصغيرة، ورغبتي في تحويلِ المشاعرِ والذكرياتِ إلى صورٍ يمكن للآخرين رؤيتها، والشعور بها. كذلك، كان لوالدتي أثرٌ أساسي في هذه البداية، فهي معلِّمةُ تربيةٍ فنيَّةٍ، ومن خلالها تعرَّفتُ في طفولتي على الفنِّ والأعمالِ الحِرفيَّة، ونشأتُ محاطةً بالألوانِ، والخاماتِ، ومساحاتِ التجريب. جعلني ذلك أرى الفنَّ مبكِّراً بوصفه جزءاً طبيعياً من الحياة، وطريقةً للتعبير، وليس مجالاً منفصلاً عنها. درستُ الفنون البصريَّة والطباعةَ الفنيَّة في جامعةِ الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، وهناك تعمَّق فهمي لأثرِ الخامةِ، واللونِ، والملمسِ، والطبقات في بناءِ العملِ الفني. وخلال دراستي، علَّمتُ نفسي التصميمَ الجرافيكي، وبدأتُ العملَ بشكلٍ مستقلٍّ، ثم وسَّعتُ تجربتي من خلال دراسةِ الكتابةِ الإبداعيَّة في جامعةِ كولومبيا، والمونتاج الرقمي في أكاديميَّةِ نيويورك للأفلام. كذلك، انتقلت خبرتي من الممارسةِ الفنيَّةِ إلى العملِ المهني في التصميمِ، والإدارةِ الإبداعيَّة، وشاركتُ في تطويرِ أفكارٍ، وحملاتٍ، ومشروعاتٍ وطنيَّةٍ، وتولَّيتُ أدواراً بوصفي مديرةً إبداعيَّةً، تجمعُ بين بناءِ المفهوم، وقيادةِ التوجُّه البصري، وتحويلِ الفكرةِ إلى تجربةٍ متكاملةٍ.
أؤمنُ بأن التراثَ ليس شيئاً ساكناً ننظرُ إليه من بعيدٍ، وإنما مادةٌ حيَّةٌ، يمكننا إعادةُ قراءتها باستمرارٍ، لذا لا أتعاملُ مع العناصرِ التراثيَّةِ بوصفها زينةً بصريَّةً، بل أبحثُ عن معناها، وعلاقتها بالإنسانِ، والمكانِ، والذاكرة، وما تحمله أرضنا من ثقافةٍ وقصصٍ توارثناها عن أجدادنا، ثم أعيدُ تقديمها من خلال الكولاجِ الرقمي، والتصويرِ، والطباعةِ، والكتابةِ، والتصميم. تمنحني الأدواتُ الحديثةُ مساحةً لتفكيك العناصر، وإعادةِ تركيبها بلغةٍ معاصرةٍ، كما تُتيح لي الوصولَ إلى شرائحَ أوسع، وتعريفها بتنوُّعِ ثقافاتِ السعوديَّة، من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، دون أن تفقدَ هذه الثقافاتُ روحَها وخصوصيَّتها.
نقترح عليك قراءة اللقاء الخاص مع الفنانة نجلاء السليم
البيئةُ السعوديَّة ليست حاضرةً في أعمالي فحسب، بل وتكاد تكون أيضاً الأساسَ الذي تنطلقُ منه معظمُ أعمالي، لأننا حين نُبدِع، نتحدَّثُ بصورةٍ، أو بأخرى عن ذاتنا، وذاتي متجذِّرةٌ، ومتداخلةٌ في هذه الأرض. أستحضرُ في أعمالي ألوانَ الرملِ والصخور، ودرجاتِ التمرِ والتين، وخضرةَ النخيل، والظلالَ التي تصنعها العمارةُ المحليَّة، إلى جانبِ الزخارفِ، والأبوابِ، والمجالسِ، والملامسِ التي نُصادفها في حياتنا اليوميَّة. هذه العناصرُ ليست تفاصيلَ جماليَّةً فقط، بل وتحملُ أيضاً ذاكرةَ المكان، وعلاقته بالإنسان.
أحاولُ أن أقدِّمَ المرأةَ السعوديَّة بوصفها صاحبةَ صوتٍ، وحكايةٍ، وذاكرةٍ لا بوصفها رمزاً مختصراً، أو صورةً نمطيَّةً. أستلهمُ كثيراً من النساءِ المحيطاتِ بي، من كلماتِ الجدَّات، وتجاربِ الأمَّهات، وصولاً إلى طموحاتِ الشابَّاتِ اللاتي يصنعن مساراتهن اليوم بثقةٍ ووعي. أؤمنُ بأن حضورَ المرأةِ السعوديَّة اليوم لا يقتصرُ فقط على المشاركة، بل ويمتدُّ أيضاً إلى تأسيسِ المشروعات، وقيادةِ الفرق، وبناءِ العلامات، وصناعةِ الأفكارِ التي تُمثِّل مجتمعها، وتصل إلى العالم. وأطمحُ إلى أن تمنح أعمالي النساءَ مساحةً لرؤيةِ تجاربهن ممثَّلةً بصرياً، وأن تُدرك الأجيالُ النسائيَّةُ الجديدة أن أصواتهن، وذكرياتهن، وتجاربهن اليوميَّة جديرةٌ بأن تُروى وتُحفَظ، ويمكن أن تتحوَّلَ إلى فنٍّ، أو مشروعٍ، أو أثرٍ مستدامٍ.
يمكنك أيضًا التعرف على الفنانة التشكيلية السعودية فاطمة عبدالهادي
من أقربِ الأعمالِ إلى روحي عملُ «جدَّتي تقول»، وهو مشروعٌ مستلهمٌ من أقوالِ جدَّتي نورة وحِكمها، حفظها الله. أردتُ من خلاله أن أوثِّق صوتها، والكلماتِ التي نشأنا عليها، وأن أمنحَ هذه العباراتِ حياةً جديدةً من خلال الفن. نُفِّذ العملُ بتقنيَّةِ الطباعةِ بالشاشة الحريريَّة في خمسِ طبقاتٍ لونيَّةٍ، وكانت كلُّ طبقةٍ بالنسبةِ إلي تحملُ جزءاً من الذاكرةِ، ودفءِ العلاقةِ بيني وبينها. يجمعُ هذا العملُ أشياءَ كثيرةً أحبُّها: الكلمةُ، والطباعةُ اليدويَّة، واللونُ، والحكايةُ العائليَّة، والذاكرةُ الثقافيَّة.
يعيشُ المشهدُ الثقافي في السعوديَّة مرحلةً استثنائيَّةً، وهناك مساحةٌ متناميةٌ للفنَّانين والمصمِّمين لبناءِ مشروعاتهم، وتطويرِ علاقتهم بالجمهور. أرى أن دورنا لا يقتصرُ فقط على إنتاجِ أعمالٍ جميلةٍ، بل ويمتدُّ أيضاً إلى خلقِ فرصٍ للتعلُّمِ، والتجريبِ، والتعاون، والإسهامِ في بناءِ اقتصادٍ إبداعي مستدامٍ. ريادةُ الأعمالِ الإبداعيَّة تُحوِّل الفكرةَ الفنيَّة من تجربةٍ فرديَّةٍ إلى أثرٍ يمكن أن يصلَ إلى المجتمع، وينمو، ويستمر، محلياً، أطمحُ إلى تعزيزِ حضورِ الفنِّ في الحياةِ اليوميَّة، وتشجيعِ الأفرادِ على اكتشافِ قدراتهم الإبداعيَّة. أمَّا عالمياً، فأطمحُ إلى تقديمِ الثقافةِ السعوديَّة بصوتٍ صادقٍ ومعاصرٍ، وإظهارِ تنوُّعها وثرائها من خلال حكاياتٍ، تنطلقُ من بيئتنا، لكنَّها تحملُ مشاعرَ إنسانيَّةً، يستطيعُ أي شخصٍ التواصلَ معها.
يمكنك أيضًا التعرف على المذيعة السعودية هاجر عبدالله
يُثير اليوم الوطني في داخلي شعوراً عميقاً بالفخرِ، والامتنانِ، والانتماء. هو ليس مجرَّد احتفاءٍ بتاريخِ الوطن، إنه لحظةٌ، نتأمَّلُ فيها مسيرةَ السعوديَّة، وما حقَّقته، ونستشعرُ مسؤوليَّتنا تُجاه ما نصنعه لمستقبلها. وبصفتي فنَّانةً ومديرةً إبداعيَّةً، أرى أن الانتماءَ لا يُعبَّر عنه بالشعارات، بل يظهرُ في الطريقةِ التي نحفظُ بها ذاكرةَ المكان، وفي اعتزازنا بتفاصيلِ ثقافتنا، وتقديمها إلى الأجيالِ القادمة والعالم. هذا الشعورُ انعكسَ على أعمالٍ فنيَّةٍ، وحملاتٍ وطنيَّةٍ عدة شاركتُ فيها خلال مسيرتي، وحرصتُ فيها على تقديمِ الهويَّةِ السعوديَّة بصورةٍ صادقةٍ ومعاصرةٍ. ومن الأعمالِ التي أعتزُّ بها في تجسيدِ انتمائي الوطني عملُ «صُنِعَ في السعوديَّة»، وهو كولاجٌ رقمي، يُوثِّق الملامحَ البصريَّةَ للبيئةِ النجديَّة، ويُعيد تقديمها بلغةٍ معاصرةٍ. ويحملُ عنوان «صُنِعَ في السعوديَّة» بالنسبةِ إلي معنى، يتجاوزُ مكانَ الصنع، فهو تعبيرٌ عن ذاتٍ تشكَّلت من هذه الأرض، وعن فنَّانةٍ تحملُ أثرها في رؤيتها وأعمالها ومشروعاتها. وهو أيضاً امتدادٌ لما أحاولُ تقديمه من خلال فنِّي، وعملي بوصفي مديرةً إبداعيَّةً، وعبر منتجاتِ «شخبط»، وتجاربِ «استديو نمال»، بأن تكون الثقافةُ السعوديَّةُ حاضرةً في تفاصيلِ حياتنا، وقادرةً على الوصولِ إلى العالمِ بلغةٍ واثقةٍ ومعاصرةٍ. أنا في كلِّ عملٍ وطني أبحثُ عن التوازنِ بين الاعتزازِ بالماضي، والإيمانِ بالمستقبل، فهويَّتنا ليست شيئاً جامداً، بل هي هويَّةٌ حيَّةٌ، تنمو معنا. كلّما عدتُ إلى تفاصيلِ أرضنا، وحكاياتِ أهلها، شعرتُ بأن الفنَّ، هو مرآةُ اعتزازي بهويَّتي، وطريقتي الخاصَّةُ في التعبيرِ عن محبَّتي لهذا الوطن.
Loading ads...
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


