عام واحد
مولدوفا بعد انتخابات سبتمبر: تفويضٌ أوروبي وسط ألغام الطاقة والدعاية والجيوب الانفصالية
الجمعة، 17 أكتوبر 2025
في شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، وعلى الطريق الممتدّ من محطة القطارات إلى مطار كيشيناو الدولي، كان "فاديم" يقود سيّارة الأجرة بهدوءٍ حذر، وقد جاءني بسرعة. رجل خمسينيّ يميل في أحاديثه إلى خطابٍ أقرب للموالين لروسيا: يشكو من الغلاء، يتحفّظ تجاه الحرب في أوكرانيا، ويلمح من دون تصريحٍ مباشر، إلى شيءٍ من اللوم على كييف لأن القتال "تمدّد إلى الجميع"، وقد عرف أني وصلت مسافرًا من كييف. لكنّ ابنته، كما يقول، تعيش في رومانيا (التي يهاجر إليها أغلب المولدافيين بحثًا عن فرص أفضل)، وتخالفه الرأي والموقف، إذ تؤمن أن مستقبل مولدوفا في الاتحاد الأوروبي وتدعم الأوكرانيين علنًا.
بين أبٍ يخشى "أن تُساق" البلاد إلى حرب، وبنتٍ ترى أوروبا مظلة أمانٍ وفرصٍ، انكشف لي، وأنا في المقعد الخلفي، ذلك الانقسام الهادئ الذي يمرّ عبر بيوت مولدوفا وشوارعها وشاشات هواتفها: بلد صغير يتوزّعه الخوف والرجاء، الحياد والدعوة إلى الاندماج، الذاكرة السوفياتية ووعد بروكسل.
هذه الحكاية المختصرة ليست تفصيلًا إنسانيًا عابرًا؛ إنها خلاصة مشهدٍ سياسيّ واجتماعيّ يُعيد رسم وجهة مولدوفا بعد انتخاباتٍ منحت التيار الأوروبي تفويضًا واضحًا، فيما تبقى البلاد محاطةً بألغام الطاقة والدعاية و"الجيوب" الانفصالية.
فقد أفرزت انتخابات 28 سبتمبر/ أيلول 2025 البرلمانية في مولدوفا فوزًا واضحًا لحزب "العمل والتضامن" الموالي لأوروبا، بما يتيح له تشكيل حكومةٍ منفردة ومواصلة طريق الإصلاح والانضمام الأوروبي.
بيد أنّ هذا التفويض لم يأتِ فقط عقابًا للمعسكرات الشعبوية المقرّبة من موسكو، بل أيضًا كردٍّ على شعورٍ جمعي بالخطر منذ اندلاع حرب أوكرانيا.
القراءة في نتائج الاقتراع تُظهر ثلاثة محرّكات رئيسية:
أولًا، التصويت على "الوجهة" كان أهم من التصويت على تفاصيل البرامج، فهناك معركة قيمٍ وهوية قبل أن تكون منافسة أرقام بين الأحزاب المتنافسة.
ثانيًا، الدور الفاعل الذي لعبه الشتات المولدوفي في أوروبا الغربية، والذي صوّت بكثافة للخط الأوروبي، في مقابل الصعوبات التي واجهها المقيمون في روسيا للوصول إلى مراكز الاقتراع، وهو العامل نفسه تقريبًا الذي ساهم في إعادة انتخاب الرئيسة مايا ساندو في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
ثالثًا، أثر الخوف من "التهديد الروسي" الذي غذّته الحرب في الجوار الأوكراني والدعاية العابرة للحدود، ما دفع شريحةً وسطى نحو خيار الاستقرار المؤسسي الأوروبي.
هذه العناصر، إلى جانب الترحيب الأوروبي العلني، فسّرت التفويض السخي لصالح حزب "العمل والتضامن" بواقع نحو 55 مقعدًا من أصل 101.
لم تكن الحملة الانتخابية مجرد مناظرات في مولدوفا؛ فملف التدخلات الروسية ظلّ حاضرًا بقوة من خلال تمويلات توصف بأنها "غير مشروعة"، ومنصّات تتهم بالتلاعب المعلوماتي ومحاولات "إشعال احتجاجات" في مناطق متعددة من البلاد.
السلطات المولدوفية والمنظمات الأوروبية الشريكة وثّقت، على مدى العامين الماضيين، موجات "تضليل" مرتبطة بفاعلين وشبكات تدور في فلك حزب "شور" المحظور، وهو حركة سياسية شعبوية موالية لروسيا أعادت تسمية نفسها إلى "حزب شور" عام 2016 نسبة إلى قائدها رجل الأعمال إيلان شور الفار من العدالة.
ومع ذلك، أظهرت الانتخابات أن قدرة هذه الشبكات على هندسة الرأي العام تراجعت أمام شبكات مضادة من الإعلام المستقل والمجتمع المدني والدعم الأوروبي لبناء ما يوصف بـ"المناعة الرقمية".
الرسالة الأهم هنا، وفق كثيرين في مولدوفا، هي أن أدوات التأثير القديمة لم تعد كافية عندما تتوافر مقومات حوكمة قابلة للقياس ووعدٌ إصلاحيّ ملموس.
غاغاوزيا هي إقليم ذو حكمٍ ذاتي في جنوب مولدوفا، عاصمته كومرات. السكان غاغاوز، قومٌ ذوو لسانٍ تركي يعتنق أغلبهم المسيحية الأرثوذكسية، وتُعد الروسية لغة التداول الأوسع، فيما ينصّ قانون الحكم الذاتي على ثلاث لغات رسمية في الإقليم: الغاغاوزية، والرومانية (المولدوفية)، والروسية.
نظّم هذا الإقليم عام 2014 استفتاءً محليًا مثيرًا للجدل (غير مُلزم ورفضته كيشيناو) صوّت فيه أكثر من 98% لصالح الاندماج في الاتحاد الجمركي الذي تقوده روسيا، ولصالح رفض التقارب مع الاتحاد الأوروبي، وأيّد بنسبة مشابهة "حق تقرير المصير إذا تغيّر وضع مولدوفا". وقد عزّز ذلك سردية "الانتماء الشرقي" داخل الإقليم ورسّخ فجوةً نفسية مع العاصمة المولدوفية.
ظلّت منطقة غاغاوزيا ذات الميول الموالية لروسيا عنوانًا لاختبار الدولة المولدوفية. ففي 5 أغسطس/ آب 2025، حُكم على حاكمة الإقليم يفغينيا غوتسول بالسجن سبع سنوات على خلفية تمويل روسي غير مشروع مرتبط بحزب "شور" خلال 2019–2022، وهو حكمٌ وصفته ومؤيدوها بأنه "مسيس"، وهو الموقف ذاته الذي عبّرت عنه موسكو أيضًا، فيما اعتبرته كيشيناو فصلًا من فصول مكافحة التمويل السياسي غير القانوني.
بغضّ النظر عن المسار القضائي، تُظهر القضية حجم الهشاشة الاجتماعية التي تعيشها مولدوفا، ويبقى التحدي أمام الحكومة الجديدة هو احتواء الإقليم بالحوار والتنمية والشفافية القضائية، لا بالقوة الرمزية فقط.
هذا الشريط الضيق الواقع شرق نهر دنيستر، والمعروف بـ"ترانسنيستريا" وعاصمته تيراسبول، خرج فعليًا عن سلطة كيشيناو منذ حرب 1992 بدعم من بقايا الجيش الرابع عشر السوفياتي. ومنذ ذلك الوقت، بقي وجود عسكري روسي قوامه مزيج من قوات "حفظ سلام" ووحدة عمليات روسية، مع منع تدويرٍ منتظم لهذه القوات بعد 2022 بسبب الحرب في أوكرانيا.
صيغة التسوية المعترف بها دوليًا هي الحفاظ على سيادة مولدوفا مع "وضعٍ خاص" للإقليم، وهي فلسفة مسار التفاوض المعروف بـ"5+2"، لكنه عمليًا مجمّد منذ سنوات.
تظلّ ترانسنيستريا الانفصالية "خاصرة رخوة" لمولدوفا، إذ تتكرر روايات دعائية عن هجماتٍ أوكرانيةٍ وشيكة على مخازن الذخيرة في "كوباسنا" أو إطلاق نارٍ من الحدود، ثم تُفنَّد تباعًا من منصّات مولدوفية وأوروبية متخصصة في كشف التضليل.
الرهان لدى صنّاع تلك السرديات ليس إشعال حربٍ مباشرة بقدر ما هو رفع منسوب التوتر وتكبيد كيشيناو وأوكرانيا أثمانًا أمنية وسياسية، وإبقاء ملف "الانزلاق" حاضرًا في النقاش العام. لذا تمضي الحكومة في استراتيجية تعتمد على اليقظة الاستخبارية، والاتصالات الأمنية، وتحييد الملف إعلاميًا قدر الإمكان.
خرجت مولدوفا من "أسر الطاقة" الروسي بخطواتٍ متراكمة من خلال ربط الكهرباء مع أوروبا منذ 2022، ربطٌ مباشر ومتدرّج مع رومانيا سيبلغ ذروته مع خط فولكانِشتي-كيشيناو (400 ك.ف) نهاية 2025، إلى جانب تمويلاتٍ أوروبية ودولية بينها 250 مليون يورو من المفوضية الأوروبية في 2025 و400 مليون يورو من البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير لتأمين السيولة وامتصاص الصدمات.
وفي ملف الغاز، غيّر خط ياش-أونغيني-كيشيناو والممرّ العكسي عبر البلقان قواعد اللعبة، لتصبح شركة "إنيرجوكوم" المولدوفية مشتريًا نشطًا من أسواق الاتحاد الأوروبي للغاز الطبيعي المسال، بدل الارتباط الأحادي بشركة "غازبروم" الروسية.
عمليًا، كل متر من الكابلات الجديدة وكل عقد توريدٍ بديل يعني تضييق هامش الابتزاز الروسي وتقليص قابلية الشارع للغضب الموسمي بفعل الأسعار، وتحويل قطاع الطاقة من ورقة ابتزاز إلى جسرٍ سياسيّ واقتصاديّ نحو بروكسل.
تفويض حزب "العمل والتضامن" في مولدوفا يعزّز جدول الأعمال الأوروبي في هذا البلد من خلال إصلاح القضاء ومكافحة الفساد، تحديث الإدارة، وتعميق التوافقات المجتمعية. لكن الرغبة في تسريع الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030 تصطدم بواقعٍ معقّد داخل مولدوفا، بناءً على الملفات التي ذُكرت آنفًا (غاغاوزيا، ترانسنيستريا، والأعباء الاقتصادية)، وداخل الاتحاد الأوروبي نفسه حيث تظهر أحيانًا ممانعات سياسية في بعض العواصم.
ومع ذلك، يمكن القول إن بروكسل تتعامل مع توسيع الاتحاد باعتباره خيارًا جيوسياسيًا لا إداريًا فحسب، وذلك في ظل حربٍ مفتوحة على تخومه، وهو ما يمنح مولدوفا "دوافع خلفية" إذا اقترنت الإصلاحات بنتائج اجتماعية ملموسة. لذلك رحّبت عواصم أوروبية بنتائج كيشيناو بوصفها "تحصينًا إضافيًا" للخاصرة الشرقية للاتحاد، ولبيئة أمنية أحوج ما تكون إلى الاستقرار.
Loading ads...
يمكن القول إن التفويض الانتخابي الذي حصل عليه حزب الرئيسة مايا ساندو والدعم الأوروبي له يفتحان نافذة نادرة لبلدٍ أنهكته الأزمات، لكن الطريق ليس مفروشًا بالورود، فهناك جيوبٌ داخلية هشّة، وحرب سردياتٍ مستمرة، وحدودٌ ملتهبة على مرمى حجر. إذا نجحت مولدوفا في تحويل أمن الطاقة إلى قصة نجاح اجتماعية، وحيادها الدستوري إلى "حيادٍ مُحصَّن"، فإنها لن تحسم وجهتها الأوروبية فقط، بل ستبرهن أن الديمقراطيات الصغيرة قادرة على النجاة عندما تتوافر لها مؤسسات صلبة وحلفاء لا يكتفون بالتصفيق من بعيد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

أسعار النفط تنخفض لتصل إلى 110 دولار للبرميل
منذ 9 دقائق
0




