كلما اشتدّت أزمة، ظهر قيس سعيّد في مكان ما في تونس. يزور، يعاين، يستمع، يسأل، يأمر، ثم تغادر الكاميرات المكان معه، بينما تبقى الأزمة حيث كانت: في بيت المواطن، في السوق، في الصيدلية، وفي شبكة الماء والكهرباء.
هكذا بدا صيف 2026: رئيس يتحرّك بكثافة في الميدان، ومواطن يتحرّك بصعوبة بين الأزمات.
منذ انطلاقة فصل الصيف، بدا قيس سعيّد وكأنه يتحرك في تونس موازية، تونس التي تُرى من السيارة الرئاسية دون دخول منازل المواطنين.
في 19 أيار/ مايو 2026، كان في نابل، يتنقّل بين ميناء الأمراء والمنقّع والرتيبة ثم قربص، ويعاين إخلالات الملك العمومي.
وفي 16 حزيران/ يونيو 2026، ظهر في القيروان يتفقد أشغال فسقية الأغالبة.
وفي 18 تموز/ يوليو 2026، انتقل إلى مركب المياه في غدير القلة التابع للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه ومعتمدية قلعة الأندلس، في وقت كان فيه الماء والكهرباء يتحولان إلى أزمتين يوميتين بالنسبة إلى التونسيين.
وفي 10 آب/ أغسطس الجاري، كانت وجهته قابس، حيث عاين الوضع البيئي و"استمع إلى المواطنين" في مشهد يتكرر كلما ضاق عليه الخناق.
وفي 17 آب/ أغسطس الجاري، كان في مقرّ المجلس الأعلى للتربية والتعليم، في منطقة لافيات، قبل أن يلتقي عدداً من المارة ليشدّ على أيديهم ويقول فيهم بعضاً من كلام لا يفهمه غيره،
وفي 22 آب/ أغسطس الجاري، زار بشكل "غير معلن" إحدى وحدات إنتاج المياه المعدنية في منطقة قصر لمسة، التابعة لمعتمدية الوسلاتية من ولاية القيروان، في جولة جديدة تضاف إلى سلسلة تحركاته الميدانية التي لا طائل منها.
وفي الليلة ذاتها، توجّه إلى ولاية المهدية في زيارة أخرى "غير معلنة"، في مراكمة جديدة لهذه التجارب الميدانية التي لا يبدو أنها تتجاوز الطابع الاستعراضي.
وبينما كان الرئيس يتنقل بين ولايات البلاد، في صولات وجولات عدة، كانت الساعات الأولى من ذلك اليوم تحمل إلى معتمدية بن قردان في الجنوب التونسي فاجعةً جديدةً، حيث تحولت سواحلها وسواحل جرجيس إلى مسرح لانقلاب مركب للهجرة غير النظامية، كان قد أبحر باتجاه إيطاليا وعلى متنه أكثر من خمسة عشر شابّاً، غالبيتهم من بن قردان.
شباب كانوا يواجهون البحر بأجساد عارية من كل سند، بحثاً عن حياة لم تستطع الدولة أن تجعلها ممكنةً على أرضهم. وفيما كان الرئيس يواصل جولاته بين الولايات، يمرّ من ولاية إلى أخرى، كانت الفاجعة تمرّ على بن قردان كالعاصفة، ولا يبدو أنّ شيئاً منها بلغ طريقه إلى السيارة الرئاسية.
تبدو خريطة تنقلات قيس سعيّد ومعايناته، في كل مرة، كأنّها تجري في عالم منفصل عن العالم الذي يعيشه المواطن خارج إطار الصورة: رئيس ينتقل من أزمة إلى أخرى، فيما المواطن عالق داخل أزماته. رئيس يرى ويعاين ويستمع، فيما المواطن ينتظر الماء والكهرباء والدواء وغيرهم. كأنّ بين الاثنين جداراً شفافاً: الرئيس يرى ما وراءه، لكنه لا يعيش داخله، والمواطن يرى الرئيس، لكنه لا يرى أثراً ملموساً لما يقوله ويفعله.
الصيف في تونس لم يعد مجرد فصل ترتفع فيه درجات الحرارة، بل غدا امتحاناً يومياً لقدرة الدولة على حماية مواطنيها وتأمين أبسط شروط الحياة.
وفي صيف 2026، كان الامتحان أكثر قسوةً: انقطاعات للكهرباء والماء، اضطرابات في التزويد، وحرارة خانقة، فيما وجد المواطن نفسه وحيداً في مواجهة أزمة تتسع رقعتها يوماً بعد يوم.
الأكثر فداحةً أنّ انقطاع الكهرباء لم يعد مجرد عطل تقني أو إزعاج عابر. فقد ارتبطت الانقطاعات خلال هذا الصيف بوقائع دامية، بينها وفاة مواطنين، في ظل أسئلة جدّية حول مسؤولية الدولة وقدرتها على تأمين خدمة أساسية وحماية المواطنين من تبعات انهيارها أو اضطرابها.
ومع ذلك، بدا أنّ الدولة تتعامل مع هذه الوقائع بمنطق إدارة الأعطاب بعد وقوعها، لا بمنطق الوقاية منها ومنع تحوّلها إلى مآسٍ.
وفي الوقت الذي كان فيه المواطن يدفع ثمن هذه الأزمات من صحته وأمنه وحياته اليومية، كان قيس سعيّد يواصل جولاته الميدانية: يتنقّل ليوبّخ مسؤولاً هنا، ويعاتب آخر هناك، ويطالب بالمحاسبة ويأمر بالتدخل.
المفارقة أنّ الرئيس لا يبدو غائباً عن المشهد، وإنما يحضر فيه أكثر من أي وقت مضى. لكنه حضور يشبه الغياب في وطأته، فالمواطن لا يحتاج إلى مسؤول يوبّخ مسؤولاً آخر أمام الكاميرا، ولا إلى زيارة فجائية تنتهي بانتهاء البروتوكول الرئاسي، ولا إلى تعليمات جديدة تضاف إلى عشرات التعليمات السابقة. ما يحتاجه هو أن تتدخل الدولة لتحول دون ما استشرى في البلاد اليوم من ضائقات، وأن تحاسب قبل أن تتكرر، وأن تحلّ الأزمة بدل الاكتفاء بالتربيت عليها.
وهكذا يجد المواطن التونسي نفسه عالقاً داخل أزمة خانقة تتكاثف معالمها يوماً بعد يوم، بينما تبدو السلطة وكأنها تدير الأزمة بالخطاب والصورة والزيارات.
قيس سعيّد يجول، يأمر وينهي، لكن المواطن التونسي وللأسف لا يستطيع أن يعيش على الجولات ولا على العتاب.
فما جدوى أن يصل الرئيس إلى المواطن إذا لم تصل الدولة إلى حاجاته؟ وما جدوى أن يرى الرئيس الأزمة بعينيه إذا ظلّ مواطن يعايشها، ويدفع ثمنها من أمنه وصحته وحياته؟
كان صيف 2026 اختباراً للحكم. وكان قيس سعيّد حاضراً في الميدان خلال هذا الاختبار.
لكن المضني في الأمر أنّ الرئيس الذي أراد أن تُدار الدولة من خلال جولاته الميدانية، وأن تُحلّ الأزمات بالنزول إلى الشارع ومعاينة الاختلالات ومساءلة المسؤولين، باتت جولاته نفسها عاجزةً عن إنتاج ما يحتاجه المواطن: حلول لا بهرجات وخطابات فضفاضة، ونتائج لا تعليمات هلامية.
فماذا بقي بعد كل زيارة قام بها سعيّد؟ ماذا يبقى للمواطن بعد أن يغادر الرئيس المكان، وتطفأ الكاميرات، وتُطوى صفحة الزيارة في بيانات الرئاسة؟ هل تغيّر شيء في حياته؟
لعلّ أكثر ما يلخص حكم قيس سعيّد اليوم هي مفارقة "الرئيس الحاضر الغائب"؛ حاضر بجسده، غائب بأثر قراراته. حاضر في الشوارع والجهات والمنشآت، يظهر فجأةً، يعاين ويستمع، يسأل عن تفاصيل الأزمات، يوبّخ هذا المسؤول ويلوم ذاك، ويوجّه التعليمات أمام عدسات الكاميرات.
لكنه، في المقابل، يبدو مفقوداً حيث ينبغي أن يكون حاضراً فعلاً: في النتائج، في قدرة الدولة على الاستباق، وفي تحويل القرار إلى تغيير ملموس في حياة الناس.
فأيّ معنى لحضور الرئيس في الأزقة والشوارع؟ وأيّ قيمة لجولة رئاسية إذا انتهت بانتهاء الصورة، بينما تستمر الأزمة في اليوم التالي؟
لقد أصبح حضور قيس سعيّد الميداني لافتاً إلى درجة أنه يكاد يطغى على السؤال الأهم: ماذا فعل هذا الحضور؟
فالرئيس الذي اختار أن يجعل من النزول إلى الميدان إحدى أهم أدوات حكمه، يبدو كأنّه يحاول أن يدير دولةً كاملةً بجولاته: ينتقل إلى موقع الخلل، يكتشف ما يُفترض أن تكون أجهزة الدولة قد اكتشفته قبله، ثم يطالب المسؤولين بالتدخّل والمحاسبة.
لكن الدولة لا يمكن أن تُدار بمنطق "الرئيس يكتشف، والرئيس يأمر"، إلى ما لا نهاية، لأنّ قوة الحكم لا تقاس بمدى قدرة الرئيس على اكتشاف الأزمات بنفسه، وإنما بمدى قدرة المؤسسات التي يرأسها أو يشرف عليها على منعها، وإدارتها، وحلّها دون انتظار جولة رئاسية.
لا يبدو أنّ الجولات الرئاسية، على كثرتها وتواترها، استطاعت أن تغيّر جوهر الواقع. الرئيس يأتي ثم يغادر، فيما يبقى المواطن في المكان نفسه، محاصراً بفيلق من المشكلات والأزمات. وكأنّ إدارة الدولة تحولت إلى سلسلة من الجولات الفجائية و"غير المعلنة"، يصبح فيها الوصول إلى مكان المشكلة وكأنه إنجاز بحدّ ذاته، بينما يظلّ حلّ المشكلة مؤجّلاً إلى إشعار آخر.
والأشدّ مرارةً أنّ حياة المواطن التونسي باتت تقترب من مشهد سرمدي خارج عن حدود الزمن، بلا بداية واضحة أو نهاية تلوح في الأفق: دولة لها رئيس لا يكاد يمرّ أسبوع دون أن يظهر في جهة أو منشأة أو شارع، ومواطن لا يكاد يمر يوم دون أن يصطدم بواقعه المرير. رئيس يتنقل بين الأزمات، ومواطن يعيش داخلها. رئيس يوبّخ المسؤولين على تقصيرهم، فيما يستمر التقصير الذي يُوبَّخون عليه. رئيس يطالب بالمحاسبة، فيما تتكرر الاختلالات نفسها.
فما جدوى الجولات إذا كانت الدولة لا تتغير؟ وما جدوى العتاب إذا كان المواطن لا يرى أثراً بعده؟
والأغرب أنّ قيس سعيّد، الذي بنى خطابه السياسي على القطع مع منظومة الحكم السابقة وعلى استعادة الدولة لهيبتها وفاعليتها، يبدو اليوم أسيراً لمعادلة تناقض هذا الخطاب: كلما كثرت جولاته، بدت الدولة أكثر عجزاً عن العمل من دونه.
وإذا كان لا بدّ من وصول الرئيس بنفسه إلى كل منشأة حتى يتحرّك المسؤولون، وإلى كل منطقة حتى تُرى معاناة أهلها، وإلى كل أزمة حتى تصدر التعليمات بشأنها، فما الذي تفعله مؤسسات الدولة طوال الوقت؟
الأسوأ، أنّ المواطن نفسه أصبح جزءاً من هذا المشهد العبثي؛ ينتظر أن يصل الرئيس إلى منطقته حتى تُسمع شكواه، ثم ينتظر أن تتحول تعليمات الرئيس إلى فعل، ثم ينتظر مرةً أخرى ليرى إن كان شيء قد تغيّر. وكأنّ حقه في الخدمة العمومية أصبح مرتبطاً بمرور الموكب الرئاسي من أمام بيته.
هنا تحديداً يتحول الرئيس من "حاضر في الميدان" إلى «حاضر في المشهد وغائب عن الجدوى".
فالماء الذي ينقطع لا يعيده خطاب، والكهرباء التي تتعطل لا تصلحها جولة، والدواء المفقود لا يظهر بأمر شفوي، والمواطن الذي أنهكته الأزمات لا يحتاج إلى أن يستمع إليه الرئيس للمرة العاشرة، بقدر حاجته إلى أن يرى الدولة تستجيب له للمرة الأولى.
الحضور الحقيقي للرئيس لا يقاس بعدد الزيارات التي يقوم بها، وإنما بما تتركه قراراته بعد مغادرته المكان.
وإذا كان الرئيس حاضراً في كل مكان تقريباً، بينما تظلّ الأزمات حاضرةً في كل بيت، فإنّ المشكلة لم تعد في غياب الرئيس عن الميدان، بل في غياب أثر السلطة عن حياة المواطنين.
Loading ads...
قيس سعيّد حاضر في الصورة أكثر من أي وقت مضى، لكن السؤال الذي يزداد إلحاحاً هو: أين هو حين يبدأ الاختبار الحقيقي للسلطة، أي حين يحين وقت تحويل الحضور إلى قرار، والقرار إلى فعل، والفعل إلى تغيير؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






