ساعة واحدة
سمير سعيفان في "شهادة للتاريخ": الفساد في سوريا لم يكن قدرا محتوما
الثلاثاء، 16 يونيو 2026

قدّم الباحث والخبير الاقتصادي سمير سعيفان، في الجزء الثاني من شهادته ضمن برنامج "شهادة للتاريخ"، قراءة مطوّلة لمسار الفساد في سوريا منذ وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، مروراً بعهدي حافظ الأسد وبشار الأسد المخلوع، وصولاً إلى المرحلة الراهنة، محذراً من إعادة إنتاج الظروف التي سمحت بترسخ الفساد لعقود طويلة.
وخلال الحوار الذي أجراه الإعلامي والروائي إبراهيم الجبين عبر شاشة تلفزيون سوريا، اعتبر سعيفان أن الفساد في سوريا لم يكن ظاهرة ثابتة أو ملازمة للمجتمع السوري، بل تطور تدريجياً مع اتساع سيطرة الدولة على الاقتصاد، وتراجع استقلال المؤسسات الرقابية والقضائية، وغياب الحريات السياسية والإعلامية.
استعرض سعيفان مرحلة ما بعد انقلاب الثامن من آذار 1963، موضحاً أن الدولة اتجهت حينذاك إلى التأميم الواسع للمصانع والشركات والبنوك والأراضي الزراعية، إلا أن الفساد لم يكن قد تحول بعد إلى ظاهرة واسعة كما حدث في مراحل لاحقة.
وأرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل، من بينها استمرار تأثير القيم الاجتماعية الرافضة للفساد، ووجود قدر من فاعلية القضاء، فضلاً عن محدودية الموارد والمشاريع الحكومية في تلك المرحلة. وأشار إلى أن المجتمع السوري كان ما يزال ينظر إلى الفاسد نظرة سلبية، وأن ثقافة الوظيفة العامة بقيت، إلى حد كبير، مرتبطة باحترام القانون والخدمة العامة.
وعند حديثه عن صعود حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، رأى سعيفان أن الأسد قدّم نفسه بوصفه بديلاً أكثر براغماتية من التيار اليساري الراديكالي الذي مثّله صلاح جديد، ما دفع قطاعات من التجار وأصحاب رؤوس الأموال إلى النظر إليه باعتباره ضامناً لمصالحهم الاقتصادية.
وأوضح أن العلاقة التي نشأت لاحقاً بين السلطة والقطاع الخاص لم تكن قائمة على المنافسة الحرة أو بناء اقتصاد سوق حقيقي، بل على صيغة أبقت رجال الأعمال مرتبطين بمؤسسات الدولة وأجهزتها، بما يضمن استمرار نفوذ السلطة وتحكمها بمفاصل الاقتصاد.
بحسب سعيفان، شكّلت مرحلة ما بعد حرب تشرين 1973 نقطة تحول رئيسية في مسار الفساد في سوريا، إذ تدفقت المساعدات المالية العربية وارتفع الإنفاق الحكومي بصورة كبيرة، ما أدى إلى توسع المشاريع العامة والمشتريات الحكومية.
وأوضح أن هذه المرحلة فتحت أبواباً واسعة أمام الفساد، خصوصاً في عقود الدولة والمناقصات والاستيراد والإنشاءات والجمارك والضرائب. كما ساهمت سيطرة الدولة شبه الكاملة على النشاط الاقتصادي في خلق شبكة مصالح بين المسؤولين والقطاع الخاص.
واستند سعيفان إلى تجربته الشخصية في المؤسسة العامة للإسكان العسكري، حيث عمل لسنوات في مواقع إدارية ومالية، مشيراً إلى أن العمولات والرشاوى في بعض العقود والمشتريات كانت تصل إلى مستويات مرتفعة في عدد من المشاريع الحكومية.
يرى سعيفان أن توسع الفساد لم يكن ممكناً لولا تراجع دور أجهزة الرقابة واستقلاليتها، إضافة إلى غياب الإعلام الحر والأحزاب السياسية القادرة على كشف التجاوزات ومحاسبة المسؤولين.
وأشار إلى أن حافظ الأسد حاول، في أواخر السبعينيات، إطلاق حملة لمكافحة الفساد عبر لجان للكسب غير المشروع واعتقال عدد من المسؤولين ورجال الأعمال، إلا أن الحملة توقفت لاحقاً ولم تؤد إلى تغيير جذري في بنية الفساد المتنامية.
توقف الحوار عند مرحلة التسعينيات، التي شهدت انفتاحاً اقتصادياً جزئياً بعد مشاركة سوريا في التحالف الدولي ضد العراق عام 1991، حيث أتيح للقطاع الخاص هامش أكبر من الحركة الاقتصادية والاستثمارية.
إلا أن سعيفان اعتبر أن هذا الانفتاح لم يؤد إلى اقتصاد تنافسي حقيقي، بل ساهم في تعميق العلاقة بين المسؤولين ورجال الأعمال، بحيث أصبحت الوظيفة العامة في حالات كثيرة مدخلاً للحصول على الريع والمكاسب الاقتصادية، في حين بقي الاقتصاد يعمل ضمن شبكة مصالح مرتبطة بالسلطة السياسية.
وفي معرض حديثه عن قطاع النفط، وصف سعيفان هذا الملف بأنه كان من أكثر القطاعات احتكاراً وأقلها شفافية، موضحاً أن العلاقات الخاصة والوكالات الحصرية والعقود المرتبطة بالشركات الأجنبية مكّنت شخصيات محددة مرتبطة بمراكز النفوذ من تحقيق مكاسب كبيرة من قطاع النفط والخدمات المرتبطة به.
كما أشار إلى أن جزءاً مهماً من عقود الخدمات النفطية والمشاريع المرتبطة بالشركات الأجنبية كان يمر عبر شركات محلية تتمتع بدعم ونفوذ سياسي، ما جعل القطاع أحد أبرز نماذج تداخل السلطة بالاقتصاد.
بحسب سعيفان، فإن الفارق الأساسي بين مرحلتي حافظ الأسد وبشار الأسد يتمثل في انتقال مراكز الثروة تدريجياً إلى أبناء المسؤولين والعائلات المرتبطة بالسلطة.
وقال إن رجال الأعمال الذين ظهروا خلال التسعينيات تحولوا بعد عام 2000 إلى كيانات اقتصادية أكبر، وأصبحت قطاعات حيوية مثل الاتصالات والأسواق الحرة والوكالات التجارية الكبرى تتركز في أيدي مجموعات محددة مرتبطة مباشرة بالنظام، معتبراً أن هذه المرحلة شهدت أشكالاً أكثر اتساعاً من الفساد، لم تعد تقتصر على الرشوة والعمولات، بل امتدت إلى احتكار الأسواق والقطاعات الاقتصادية المربحة وإقصاء المنافسين.
وتناول سعيفان تأثير السياسات الاقتصادية على القطاع الزراعي، موضحاً أن الدولة دعمت الزراعة لعقود من خلال شراء المحاصيل بأسعار تشجيعية وتقديم الدعم للمزارعين، ما ساهم في تحقيق نمو ملحوظ في الإنتاج الزراعي.
لكن تراجع قدرات الدولة المالية، وضعف الإدارة الاقتصادية، والاعتماد المتزايد على الريع، أدت إلى تقليص الدعم الزراعي تدريجياً، الأمر الذي انعكس سلباً على الإنتاج الزراعي وأوضاع المزارعين.
وفي ملف المياه، أشار إلى أن الجفاف وشح الأمطار ومشروعات السدود التركية لعبت دوراً مهماً، إلا أن الفساد المرتبط بحفر الآبار العشوائية وغير القانونية ساهم أيضاً في استنزاف المياه الجوفية وتجفيف عدد من الينابيع والأنهار في مناطق مختلفة من سوريا.
في ختام شهادته، شدد سعيفان على أن مكافحة الفساد لا تبدأ بالعقوبات وحدها، بل ببناء منظومة متكاملة تشمل الثقافة المجتمعية، والقضاء المستقل، والرقابة الفعالة، وحرية الصحافة، والحياة السياسية التعددية.
وأكد أن الفساد يصبح حتمياً عندما تجتمع السلطة المطلقة مع غياب المحاسبة، محذراً من أن أي مرحلة انتقالية لا ترافقها مؤسسات رقابية وقضائية قوية قد تفتح الباب مجدداً أمام إعادة إنتاج أنماط الفساد القديمة.
وختم سعيفان بالتأكيد أن مستقبل سوريا لا يُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو المشاريع الاقتصادية القادمة، بل بقدرتها على بناء دولة قانون ومؤسسات تضمن الشفافية والمساءلة، وتحمي المجتمع من عودة الفساد بأشكال جديدة.
يُعرض برنامج شهادة للتاريخ الذي يقدّمه الإعلامي والروائي إبراهيم الجبين عبر شاشة تلفزيون سوريا وفق المواعيد التالية:
Loading ads...
كما تتوافر حلقات البرنامج عبر القناة الرسمية لتلفزيون سوريا على يوتيوب.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


