7 أشهر
صوّر في طنجة المغربية... "الغريب" خلال استعمار الجزائر في قاعات السينما الفرنسية
الأربعاء، 5 نوفمبر 2025

بعد المخرج الإيطالي لوتشينو فيسكونتي، الذي اقتبس للمرة الأولى في فيلم له رواية "الغريب" لألبير كامو في 1967 بمشاركة الممثلين العالميين مارشيلو ماستورياني وآنا كارينا، قرر المخرج الفرنسي فرانسوا أوزون هو الآخر تحويل عمل كامو إلى فيلم فرنسي يعرض بالقاعات السينمائية منذ 27 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حيث لاقى استقبالا كبيرا من قبل عشاق السينما الفرنسية. المخرج الفرنسي تجرأ على خوض مغامرة سينمائية صعبة. إذ حاول أن يمنح الحياة لنص أدبي نال رواجا كبيرا في العالم، بالرغم من أنه يقوم على الصمت واللامبالاة والعبث. ما جعل فرانسوا أوزون يختار تصوير هذا الفيلم بالأبيض والأسود رغبة منه في إعادة رسم أجواء الجزائر في ثلاثينيات القرن الماضي، بشمسها القاسية وأضوائها المبهِرة وفضائها الثقيل. ولاستحضار الأجواء والديكور الذي تتميز بها العاصمة الجزائرية، اختار المخرج الفرنسي تصوير الفيلم في مدينة طنجة المغربية، التي تشبه إلى حد ما الجزائر العاصمة بأزقتها المتعرجة وواجهتها المطلة على المتوسط وأنوارها المبهرة. اقرأ أيضا"بعيدا عن الرجال": فيلم عن الثورة الجزائرية مقتبس من كتاب ألبير كامو ورغم تصوير الفيلم في المغرب، إلا أن المخرج حاول الحفاظ على أدق تفاصيل البيئة الاستعمارية التي كانت تعيشها الجزائر، وبالخصوص بطل الكتاب والفيلم، المدعو "ميرسو"، الذي جسده الممثل الفرنسي بنجامين فوازان، الذي عمد إلى تقديم أداء تمثيلي بسيط وجامد وفق قصة "ميرسو"، وخال من أي محاولة لاستدرار التعاطف.
نظرة عامة تبين مرفأ الجزائر العاصمة والواجهة البحرية لهذه المدينة. © لودوفيكا ماران أ ف ب
بين العبث واللامبالاة: فيلم "الغريب" يحافظ على جوهر الرواية أما الممثلة ريبيكا ماردر، التي لعبت دور عشيقة "ميرسو" وسكرتيرته السابقة، فلقد جسدت شخصية "ماري" بنعومة ودفء، ويقدّم بيار لوتان دور الجار "ريمون" الذي يجرّ ميرسو إلى هاوية القتل. استحضر الفيلم أحداث الرواية الأصلية بدقة: يعيش ميرسو، الموظف الشاب في الجزائر حياة هادئة وعادية. حضر جنازة والدته بدون أن تظهر عليه أية علامة حزن. بعد أيام قليلة من هذا الحادث، بدأ علاقة عابرة مع ماري، ثم تورّط مع جاره ريمون في خلاف يؤدي إلى مواجهة على شاطئ تيبازة قرب الجزائر العاصمة. هناك، وفي وضح النهار وتحت شمس حارقة، أطلق ميرسو النار على رجل عربي في لحظة ما بلا مبرر. اعتقل وتمت محاكمته لكن المحكمة لم تدنه فقط على جريمته، بل أيضا على لامبالاته وصمته. ما جعل المخرج فرانسوا أوزون يحول مشاهد المحاكمة إلى لحظة مواجهة بين الفرد والمجتمع، حيث تم الحكم على ميرسو لأنه لم يتصرّف كما يريد الآخرون، من جهة، فضلا عن أنه رفض تبرير وجوده من جهة أخرى. ولم يعمل أوزون على نقل الرواية حرفيا، بل على إعادة ترجمتها حسيا ليجعل من حرارة الشمس ووهج الضوء امتدادا للقلق الداخلي الذي كان يسكن البطل في بلد كان يرضخ تحت وطأة الاستعمار الفرنسي. كما حوّل لون الأبيض والأسود إلى رمز للتناقض بين الخارج الواضح والداخل الغامض، بين العالم المادي والفراغ الروحي. قصة ذات بعد فلسفي وقد تم عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان البندقية السينمائي هذا العام واستُقبل بتصفيق طويل ونقاش واسع. فيما أثنى النقاد على إخلاص أوزون لروح الكاتب ألبير كامو، الذي وُلد في مدينة ذرعان، بشرق الجزائر في 1913 وتوفي في حادث سير بمنطقة "ليون"، على بعد 150 كيلومترا من باريس في العام 1960. في باريس، استقبلت قاعات السينما أعدادا لا بأس بها من المشاهدين، بعضهم لديه أو لدى عائلاتهم علاقات تاريخية قديمة مع الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية، على غرار لورانس دمياني، التي تعمل في متحف "بوبور" بباريس، وعاشت والدتها في الجزائر في الخمسينيات من القرن الماضي. اقرأ أيضامن هو ألبير كامو وما موقفه من الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي؟ وقالت تعليقا على الفيلم: "كان بإمكان المخرج أن يتعمق أكثر في البعد الاستعماري للقصة. فعندما نشاهد الفيلم، لا ندرك جيدا أن الجزائر كانت فرنسية، وأن هناك حربا بين البلدين، وأكثر من مليون فرنسي يعيشون على هذه الأرض". وأضافت: "القصة لها بعد فلسفي وحياتي أكثر من البعد التاريخي والوجداني".
صورة لمدينة طنجة حيث تم تصوير فيلم "الغريب" © أ ف ب/ أرشيف
Loading ads...
أما جوليت سانجو، التي كانت تعمل كصحفية في يومية فرنسية قبل أن تترك المهنة، فاعتبرت أن اختيار المخرج الحياد البصري (أي التصوير بالأبيض والأسود) أعطى للعمل مصداقية وقوة أكبر. وقالت لفرانس24: "اختيار اللونين يعكس الوضع الصعب الذي كانت تعيشه الجزائر آنذاك ومعاناة الجزائريين"، مشيرة إلى أن "قتل ميرسو لرجل عربي (أي جزائري) بدون سبب جسد هذه المعاناة". وأنهت: "لقد نجح المخرج أوزون في تحويل نص أدبي كلاسيكي إلى تجربة حسية وفكرية تُخاطب المشاهد المعاصر وتدعوه للتأمل حول معنى وهدف الحياة". المحاكمة والفلسفة: مواجهة الفرد والمجتمع على الشاشة ولم يقدم "الغريب" قصة مثيرة أو صاخبة بقدر ما هو رحلة في صمت الإنسان ووحدته. فالفيلم وضع المشاهد أمام بطل لا يبكي أمه رغم رحيلها ولا يكره من يقتل. بطل واجه العالم ببرودة تثير القلق والأسئلة. فيما حافظ أوزون على جوهر كامو وطرح سؤاله الأزلي: ماذا يفعل الإنسان عندما يواجه عبث الوجود؟ وبهذه الرؤية، قدّم المخرج الفرنسي فيلما عميقا وجميلا في بساطته. جعل من الضوء والشمس والموت عناصر فلسفية تروي قصة الغريب الذي لا ينتمي إلى أحد، ولا حتى إلى نفسه. لكنه في نفس الوقت لم يشرح لماذا اختار الكاتب ألبير كامو "والدته عوضا عن العدالة" عندما طرح عليه السؤال، خاصة وأن الشعب الجزائري كان بحاجة في ذلك الوقت إلى من ينصفه ويساعده على التحرر من القيود الاستعمارية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




