كان عليّ أن أبلغ في رحلتي "إلى الله" الذكر الصوفيّ حتّى أتمكّن من بدء رحلتي "فيه". لقد بحثتُ عنه في اللغة طويلاً، وانشغلت بـ"القول" فيه ومعه حتّى اكتشف طبيعة علاقتي الإيقاعيّة به، وانتمائي الرحميّ إلى رحابته. لقد كان هذا الاسم في لغتي اسم علم، أخاطبه بكلّ الأشكال والمعاني والنبرات، وأتأرجح في حديثي عنه بين الغضب والحبّ، بين اليأس والرجاء. وقد أعادني "الذكر" إلى كلمة "الله" بوصفها مدعاةً للتأمّل الروحيّ والجمالي.
هنا، ندخل إلى لفظ الجلالة من بصمته الصوتيّة، نتبعه في الحلق ونصل معه إلى الوجد، فلنأخذ دقيقتين نكرّر فيهما كلمة "الله" بوعي؛ نخرج الألف واضحة وحادثة مثل الخلق من العدم، ونمُدّ اللامات مدًاً، ونسكّن الهاء شاعرين بسكونها. ولنسمح لأصواتنا أن تعلو أو أن تنخفض. كلّ ما يهمّ في هذا التدريب، هو أن نتأمّل صوتنا ينطق بهذه الكلمة بمخارج حروف واضحة.
أزعم ها هنا أنّه ليس بالإمكان فهم "البيان" القرآنيّ في عمقه من دون طرق باب الذكر الصوفيّ. فالتعامل مع اللغة بوصفها المدخل الأوسع والأشمل إلى "المعنى" لا يمكن أن يظلّ في مستوى "القول"، إنّما عليه أن يطرق باب "الحال" ليتّضح لنا أنّ الكلمات هي قوالب ندخل إليها، ونتقولبُ وفقاً لإيقاعها، حتّى نخرج من القالب إلى الوحدة الصوفيّة مع الله والكون والآخر. "الكلمة" ليست معاني قاموسيّة، بل رموز لا تنفصل عن "نطقها". فماذا يعني أن يكون الإنسان الكامل في الأدبيّات الصوفيّة هو الإنسان الّذي تطهّر وصَفا حتّى بلغ اتّحاده مع الوعي القرآني؟ قد يكون من الجميل أن ننظر إلى هذه الفكرة على أنّها مسيرة من القراءة المتكرّرة حتّى بلوغ الوحدة مع "الكلمة".
حال الوحدة مع الله في الذكر الصوفيّ هو حال وحدة مع كلمته، بحيث تتداخل الكلمة وصوت الذاكر إلى الحدّ الذي معه لا يعود الذاكر يميّز نفسه من ذاته الكبرى. فكأنّ الصوت في هذه الحالة هو الكأس الّذي يسكب فيه اسم الجلالة، وحين يدخل الذاكر إلى حاله ينطبق قول الشاعر:
رَقَّ الزُّجاجُ وَرَقَّتِ الخَمرُ/ فَتَشابَها وَتَشاكَلَ الأَمرُ
فَكَأَنَّما خَمرٌ وَلا قَدَحٌ/ وَكَأَنَّما قَدَحٌ وَلا خَمرُ
إنّنا بتكرار لفظ الجلالة (الله)، لا نحرّك حبالنا الصوتيّة فحسب، بل نبني في الجسد عمارة تحوي حالة "السّكر". وكأنّنا نبني معبداً ونجهّزه طاقياً لاستقبال "الصلاة". وعينا بجوهر الكلمة هو إعادتنا إلى قداسة الصمت، وقداسة الصوت الّذي يهيكل الفراغ ويوجّهه.
لم ينظر الصوفيّة إلى مخارج الحروف إلّا كمعارج روحيّة يتجلّى من خلالها الموصوف. يكتب الشيخ ابن عربي في الفتوحات المكّيّة: "ثم أوجد سبحانه الحركات والحروف والمخارج تنبيهاً منه سبحانه وتعالى أن الذوات تتميز بالصفات والمقامات، فجعل الحركات نظير الصفات، وجعل الحروف نظير الموصوف، وجعل المخارج نظير المقامات والمعارج، فأعطى لهذا الاسم من الحروف على عموم وجوهه من وصل وقطع؛ أ ل ه وهمزة وألفاً ولاماً وهاء وواواً، فالهمزة أولاً والهاء آخراً ومخرجهما واحد مما يلي القلب، ثم جعل بين الهمزة والهاء حرف اللام ومخرجه اللسان ترجمان القلب، فوقعت النسبة بين اللامينوالهمزة والهاء كما وقعت النسبة بين القلب الذي هو محل الكلام وبين اللسان المترجم عنه".
نلمح في كلامه هذا توازي حركة الحروف في الحلق مع حركة الوجدان الإنساني. تخرج الهمزة والهاء من أقصى الحلق، وهي المنطقة المحاذية للصدر وتجويف القلب. الهمزة عند ابن عربي هي البداية والقطع، والهاء هي الخاتمة والزفير الممتد. نطق الهمزة يمثل لحظة الانبثاق الصوتي الأول، كأنه محاكاة فيزيائية للحظة الخلق من العدم. أما الهاء، فهي تخلٍّ تام وعودة بالصوت إلى الصمت الباطني الذي بدأ منه. مخارج الحرفين تقع مما يلي القلب، موطن السرّ الساكن.
أمّا عن اللام الواقعة بين الهمزة والهاء فمخرجها اللسان، واللسان هو الأداة الظاهراتية التي تترجم الباطن إلى ظاهر. في اللام المغلظة لاسم الجلالة، يتسع تجويف الفم ويرتفع اللسان ليعطي الصوت جهارة واتساعاً يملأ الفراغ. هذا التوسط للام بين الهمزة والهاء هو الذي يقيم الجسر الروحي بين "القلب" (مساحة المعنى) و"اللسان" (مساحة القول الشاهد). في تكرار اسم "الله"، تزول المسافة بين الداخل والخارج، ويعود مجرى النطق إلى أصالته الأولى، إلى كونه مجرى لحركة المعنى في القلب والجسد على السواء.
تحضر مفاهيم "اليقظة الذهنية" (Mindfullness) بصخب في الممارسات الروحيّة المعاصرة، وهي تعني في جوهرها الوعي الناشئ عن توجيه الانتباه عمداً، في اللحظة الراهنة، وبتجرّد من الأحكام المسبقة، نحو التجربة الحادثة في "الهنا والآن" كأنها تحدث للمرة الأولى. إنّه الانتقال من نمط "الفعل والتشغيل" إلى نمط "الكينونة المحضة". وتعتمد هذه الممارسة على النَفَس كمرساة تثبّتنا في اللحظة. ولعلّ هذه الحالة هي الّتي يُدخلنا إليها وعيُنا لكلمة "الله" منطوقةً.
يبدأ الأمر كتدريبٍ على تثبيت الانتباه في جغرافية الحلق واللسان، يتحوّل مع التكرار الإيقاعي إلى وحدة مع الكلمة: يتعب العقل التحليلي من حمولته فيستسلم بالكامل لترددات النطق. هنا، يتحول الوعي بالصوت إلى استغراقٍ كامل فيه. الذاكر لا يعود يراقب الكلمة من الخارج، بل يصبح هو والصوت كياناً واحداً نابضاً بالمعنى، وهو ما يمثل العبور الفيزيولوجي والنفسي من الوعي العادي المشتت إلى حالة السُّكْر الروحي والتأمل الخالص.
وتجسيداً لكون الحروف مداخل وأبواباً إلى المعنى، يضاف إلى وعينا بالصوت، وعينا بصرياً بالحروف. وتطبيقاً لهذا الاستغراق في وعي الصوت، يتسع الأمر في بعض الممارسات الطُرقية المعاصرة ليشمل وعياً بصرياً بالحروف؛ إذ يوجّه الشيخ ياسين بن أحمد، شيخ الطريقة الشاذليّة العلاويّة القاسميّة، المريد ليوازي نطقه لكلمة الله مع وعيه بصريًاً بهذه الكلمة، وبأن يتخيّلها منيرةً وواسعةً اتّساعَ السماوات والأرض؛ أي أن يتخيّلها بديلاً عن الوجود بأسره.
تتعدى كلمة "الله" فرادتها الصوتية والمعنويّة لتكشف عن فرادة سيميائية وبنيوية في لغة الضاد. يتكون الرمز اللغوي عادةً من وجهين: الدال والمدلول، فإذا قمنا بتفكيك الدال أو حذف جزء من حروفه، ينهار المدلول وتفقد الكلمة معناها تماماً. إلا أن الحذف في اسم الجلالة لا يزيده إلا تجريداً وتركيزاً للإشارة نحو الذات. ينقل التراث الصوفي: "وقيل: إنه ليس من أسماء الله عز وجل اسم يبقى على إسقاط كل حرف منه اسم لله إلا الله فإنه الله، فإذا أسقطت منه الألف يكون (لله) فإذا أسقطت إحدى لاميه يكون (له) فإذا أسقطت اللامين بقي (الهاء) وهو غاية الإشارات".
إن هذا التدرج في التلاشي يمثل تراجعاً للبنية المادية للفظ الجلالة، واتّساع للفراغ الزمنيّ والبصريّ تدريجيّاً، يقابله صعود لعمق المعنى اللامتناهي: الله؛ اللفظ التام والجامع لكل صفات الكمال والجمال. عند إسقاط الألف الأولى، يبقى المعنى دالاً على الملكية الإلهية المطلقة؛ وعند إسقاط اللام الأولى، يتقلص اللفظ البصري لكن الإشارة تظل متجهة بالكامل إلى نفس الذات؛ أمّا عند سقوط اللامين، لا يتبقى سوى "الهاء" المضمومة (هُ)، وهي "غاية الإشارات" وصوت الهوية المطلقة وضمير الغيب الغائب الشاهد.
ترتسم الحروف كعوالم دلالية كاملة تتوزع فيها مستويات الوجود الإنساني والكوني. وينقل التراث العرفاني وصفاً لهذا العمران البنيوي عن الإمام جعفر الصادق أنه قال في كلمة 'الله": "إنه اسم تامّ لأنّه أربعة أحرف: الألف وهي عمود التوحيد، واللام الأول لوح القلم، واللام الثانية لوح النبوة، والهاء النهاية في الإشارة، والله هو الاسم المتفرد لا يضاف إلى شيء، بل تضاف الأشياء إليه".
هكذا تأخذ الكلمة طابعاً كونياً متكاملاً؛ فالألف هي "عمود التوحيد" المستقيم الّذي يربط الأرض بالسماء بصرياً، الحرف الصامت الذي تنبثق منه بقية الحروف، دالاًّ إلى التعالي والوحدانية المطلقة. وتأتي اللام الأولى كلوح للقلم الإلهيّ والعقل الأول، واللام الثانية كلوح للنبوة والجسر التاريخي والوحي، وصولاً إلى الهاء التي تمثل "النهاية في الإشارة" ومحط الرحال التي تنتهي عنده كل محاولات التعبير البشري لتسلم القياد للصمت والذوبان.
هذا بالإضافة إلى تعبير الحروف في كلمة الله عن مراحل الفناء الصوفيّ، أي مراحل انكشاف المعنى في قلب المريد: "وقيل في قوله الله: الألف إشارة إلى الوحدانية، واللام إشارة إلى محو الإشارة، واللام الثانية إشارة إلى محو المحو في كشف الهاء".
إن الرحلة الروحية هنا تسير بالتوازي مع قراءة الكلمة وتلفظها؛ تبدأ بالألف التي تثبت الوحدانية كحقيقة أولى، ثم تعبر باللام الأولى التي تقوم بـ"محو الإشارة" المادية للتخلص من التشبيه والحسية، لتأتي اللام الثانية فتقوم بـ"محو المحو" (وهي المرتبة التي يفنى فيها الذاكر عن فنائه فلا يشعر بوجوده أو بعبادته بل يستغرق بالكامل في المذكور) لتوصل أخيراً إلى "كشف الهاء"، وهي مرتبة البقاء بالله والصمت والشهود المطلق.
لقد ميّز تاريخ الصوفيّة ما بين الذكر باللسان والذكر بالقلب، ولعلّ ذكر القلب مرحلة تلي دوزنة فوضى النفس عن طريق إعادتها بالذكر اللسانيّ إلى إيقاعها الأزليّ، انطلاقاً من كون الصوفية تنظر إلى كلّ الموجودات على أنّها في حالة تسبيح مذ وُجدت. الذكر باللسان هو بوابة المريد إلى حالة الانخطاف التامّ عن هذا العالم والعودة إلى الحضرة الروحيّة الّتي فُطر عليها. إنّ مبتغى كلّ إنسان تملَّكَه "النسيان" هو أن يبلغ من القلب صفاءه التامّ، ليبلغ نوعاً من "الذكر يتجول عنده القلب فيسكت اللسان. ومبلغ هذا الذكر لا يعلمه إلا الله"، بحسب تعبير الخرّاز.
Loading ads...
أختم مقالي هذا بالشخصيّ أيضاً؛ حينما أتأمّل في حركة كلمة الله في حلقي أثناء الذكر، أعجز عن معرفة وجهة الهاء في اسم الجلالة. فمع العلم أنّه يشبه زفيراً يتّجه صوب العالم، إلّا أنّني أشعر في قرارة نفسي أنّه زفير إلى الداخل. هذا ليس عبثاً، فنحنُ في العمق، لسنا سوى حواة هذا العالم، وحين نصير في "الوحدة"، لا نعود إلى ثنائيّة الداخل والخارج، بل تغدو الوجهتان في حالة بدائيّة من الدوران، وتغدو أسماء الله وصفاته واحدةً، فالقهّار المتكبّر المميت الذي يتجلّى في الهمزة واللام المفخّمة، يندمج في الرحمان اللطيف المحيي برقّة مثل النفَس الساكن الّذي نشعر به في الهاء (هُ). اسم الجلالة (الله)، هو التعبير التامّ عن الوحدة الرحبة الّتي تحوي كلّ الأضداد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






