تعود إلى الواجهة عقب سقوط نظام الأسد، طروحات تشكيل الجالية السورية تركيا، حيث يتواجد حوالي مليوني من المغتربين واللاجئين السوريين في تركيا. ورغم الحاجة الملحة لوجود إطار تمثيلي للسوريين في تركيا، فإن عملية تشكيل الجالية قد تتحول إلى مصدر استقطاب جديد ما لم تُبن على أسس توافقية وتمثيلية واسعة.
وفي جوهر النقاش الدائر حول تشكيل الجالية السورية في تركيا، يبرز سؤال مركزي يتعلق بمن يملك شرعية تمثيل السوريين هناك، وما إذا كان هذا التمثيل سيُبنى على التراكم الثوري والخبرة المجتمعية والتنظيمية، أم على النفوذ الاقتصادي والطموح النخبوي الجديد أم كلاهما معًا؟
خلال فترة الثورة، كان هناك محاولات مستمرة لتنظيم الجالية، لكن غياب العلاقة الناظمة الطبيعية بين النظام السياسي الموجود في سورية، والمجتمع السوري عبر التنظيمات القانونية للدولة كما حالة السفارات والقنصليات دفعت اللاجئين لإطلاق مبادرات عامة، بعضها لاقى نجاحًا جزئيًا وبعضها فشل. ولم تقتصر تلك المحاولات على الإطار العام، بل شملت الولايات التركية التي يتواجد بها عدد لاجئين كبير مقارنة بغيرها.
انكفأت القوى الصناعية والتجارية عن ذلك النشاط إلا بحدود معينة، حيث فضلت القوى الرمادية التي كان جزء منها اقتصادية عدم المغامرة الاقتصادية بمشاريعها على حساب مواقف قد تفهم في سياق سياسي، يمكن أن ينعكس بشكل مباشر على مصالحها الاقتصادية والتجارية.
عقب سقوط النظام، عاد الزخم لملف الجالية من جديد، حيث توسع المجتمع الفاعل المجتمعي وذلك بفعل زوال العوائق الأمنية السابقة خلال فترة الثورة. وجزء أساسي من تلك العوائق هي انكفاء شريحة من السوريين عن المشاركة بأي فعل مجتمعي في غمار الثورة، وذلك بسبب الخوف من الاصطفاف السياسي، مع الثورة ضد النظام. حيث اقتصر العمل المجتمعي والسياسي، على طبقة العمال على المستوى الفردي، منظمات اللاجئين أو الفرق التطوعية والاتحادات الشبابية العامة. وفي الغالب شكلت تلك القوى مساحات تمثيل مختلفة لشرائح عديدة، مما جعلها قريبة من المجتمع السوري في تركيا.
وفي الغالب، انكفأت القوى الصناعية والتجارية عن ذلك النشاط إلا بحدود معينة، حيث فضلت القوى الرمادية التي كان جزء منها اقتصادية عدم المغامرة الاقتصادية بمشاريعها على حساب مواقف قد تفهم في سياق سياسي، يمكن أن ينعكس بشكل مباشر على مصالحها الاقتصادية والتجارية. عقب انتصار الثورة، رأت هذه الشريحة أن العودة للفعل السياسي لم يعد ضارًا بالمعنى القديم، مما دفعها لعودة المبادرة، بكون المصالح الاقتصادية لا يمكن فصلها عن الترابط مع المجتمع. بكونها حالة ضرورية لتوسيع شبكة التحالفات والوصول،
وبكون هذا النمط من التفكير يعطي وصولًا سياسيًا مهمًا لمكامن القرار في تركيا بخصوص الجالية السورية هناك.
في الواقع، الحاجة لوجود جالية، أمر ملح في تركيا، بكون الملفات الخاصة باللاجئين عديدة ومتداخلة، ومن الصعب حلها من دون وجود إطار تمثيلي وتنظيمي للاجئين. لقد قد ينطوي على تشكيل جاليات عديدة ومتداخلة ومتصارعة في الشكل التنظيمي إشكاليات عديدة، منها ما قد يؤثر على حياة السوريين في تركيا. فيصبح حينها دور الجالية معطل ومعرقل لمصالح السوريين بدلًا من أن يكون إطارًا مستوعبًا وممثلًا للاجئين ومصالحهم. وهذا يتطلب العمل من قبل منظمات اللاجئين نفسها التي تمتلك إرثا ثوريا، على تنسيق ملف الجالية في تركيا، وذلك بالتعاون مع الإطار الدبلوماسي الممثل لسورية في تركيا. ولعلّ تقديم العامل الثوري، لا يعود لأسباب معيارية -على أهمية المرجعية المعيارية- لكن مرتبط أكثر بعناصر تقنية، بكون السوريين المقيمين في تركيا ممن لديهم نشاط مجتمعي وسياسي خلال الثورة، لديهم قدرة عالية على التواصل مع الحاضنة المجتمعية، وقدرة أعلى على فهم احتياجاتهم العامة، كما أن لدى تلك الفئة علاقة متقدمة مع الحكومة التركية، بفعل التراكم الذي حظيت به خلال فترة الثورة.
ولا يعني ذلك، بالضرورة إبعاد الشرائح الجديدة التي عادت من جديد للفعل المجتمعي، بل أن استيعابها داخل عملية تشكيل الجالية، أمر ملح لما ينطوي عليه من أهمية تمثيلية واسعة، لكن من الضرورة ألا تكون بيئة الجالية الجديدة نفسها مشكلة من قوى لا تحظى بتراكم سابق. ولعلّ هذا المعيار لا يمكن وضعه بالمعنى المؤسساتي، لكن يمكن آخذه بالحسبان كدافع أساسي لتحرك منظمات اللاجئين والقوى المدنية السورية في تركيا، بعدم مغادرة المساحات المدنية. لأن مغادرة تلك المساحات سيعيد تشكيل المشهد المدني للسوريين في تركيا. وهذا بالمجمل قد يؤثر على حياة اللاجئين أنفسهم. ويمكن أن يؤدي لاستقطاب مؤسسي كبير، قد يشمل تشكيل عدة جاليات بخلفيات سياسية متباينة. وهذا بالمجمل سيعيد تشكل واقع الصراعات بخصوص ملف اللاجئين في تركيا، والذي من الأساس عاش خلال فترة الثورة استقطابًا عديدًا.
إن نجاح أي تجربة لتشكيل الجالية السورية في تركيا سيبقى مرهونًا بقدرتها على التحول من إطار تنافسي إلى مساحة تنسيقية جامعة، تقدر الجهود السابقة المجتمعية خلال الثورة، وتستوعب التعدد السوري وتحافظ في الوقت ذاته على المصالح المشتركة للسوريين داخل تركيا
Loading ads...
لكن الاستقطاب الجديد يعتبر أكثر خطورة لأنه يحمل هويات سياسية مختلفة. فالاستقطاب القديم خلال الثورة، في المجمل كان يحمل خلافات تنظيمية وفكرية طبيعية. لكن الاستقطاب الجديد قد يحمل أبعادًا متعلقة بالهوية الوطنية نفسها. بين من شارك بالثورة ومن انحاز لها بعد انتصارها. مما قد يؤدي لصراعات طويلة. ولذا، أي تشكيل للجالية السورية في تركيا، يجب أن يخضع لدراسة عميقة، ويشمل الجميع، ومن المهم لحظ أهمية عدم الاستعجال في العملية البنائية، ولا سيما عبر "السباق الشرائحي" بين شريحة منظمات اللاجئين في تركيا خلال الثورة، وبين رواد الأعمال عقب الثورة. وهذا يدفع لضرورة التفكير الجدي للانتقال من "السباق" إلى "التنسيق والتعاون". إن نجاح أي تجربة لتشكيل الجالية السورية في تركيا سيبقى مرهونًا بقدرتها على التحول من إطار تنافسي إلى مساحة تنسيقية جامعة، تقدر الجهود السابقة المجتمعية خلال الثورة، وتستوعب التعدد السوري وتحافظ في الوقت ذاته على المصالح المشتركة للسوريين داخل تركيا، وجزء من ذلك تبني قواعد إجرائية بالتنسيق مع سفارات وقنصليات سورية في تركيا واحترام القوانين التركية. بكون أن ترك الملف لتفضيلات مدنية عامة عبر المبادرة المستعجلة غير المدروسة لخطف "التمثيل الشرعي" سيعيد خلق استقطاب جديد. كما من الضروري إبعاد الشخصيات التي كان لديها تاريخ مشبوه وداعم لنظام الأسد مهما بلغت مساهمتها الاقتصادية الجديدة، كجزء من مسار العدالة الانتقالية في سورية، فملف العدالة ليس مرتبط بالداخل السوري فحسب وإنما كذلك بخارج سورية. ودور السوريين الأساسي لا سيما الذين وقفوا مع الثورة، الحرص والحذر من اختراق شخصيات قد دعمت الأسد لأجسامهم التمثيلية، كشرط أساسي ومركزي لنجاح مشروع التمثيل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
زلزال بقوة 5.2 درجات يضرب وسط تركيا
منذ ساعة واحدة
0
حدود انفجار الضمير الأوروبي
منذ ساعة واحدة
0
الشرع في قمة السبع
منذ ساعة واحدة
0

