دُعي الرئيس السوري أحمد الشرع، وفق ما نقلته وكالة "رويترز" عن مصادر مطّلعة، إلى حضور قمة مجموعة السبع المقرّرة في إيفيان-لي-بان الفرنسية بين 15 و17 حزيران المقبل، بصفة ضيف يمثّل سوريا. ولا تكتسب الدعوة أهميتها فقط من كونها أول حضور لرئيس سوري في قمة المجموعة منذ تأسيسها عام 1975، بل من توقيتها أيضاً. فسوريا الخارجة من حرب طويلة وعزلة اقتصادية لم تعد تُقدَّم أمام العواصم الغربية بوصفها ملفاً إنسانياً أو أمنياً فحسب، بل دولة يمكن أن يكون لموقعها دور في إعادة ترتيب الاقتصاد الإقليمي وسلاسل الإمداد والطاقة. إضافةً إلى ذلك، برز في الفترة الأخيرة، مع تعمّق الأزمة الاقتصادية السورية، سؤالٌ جوهري حول إمكانية أن تكون سوريا قد أُسقطت من حسابات الدول، في ظل تغيّر الأولويات وتعدّد الحروب والأزمات في المنطقة والعالم.
لن تكون مشاركة الشرع هي المشاركة السورية الأولى في مسار مجموعة السبع، لكنها ستكون الأرفع مستوى. فقد سبق الدعوة حضورُ وزير الاقتصاد والمالية السوري محمد يسر برنية اجتماعات وزراء مالية ومحافظي المصارف المركزية لدول المجموعة في باريس يومي 18 و19 أيار الحالي. في لقاء الوزراء تركز النقاش على التعافي الاقتصادي المستدام لسوريا وإعادة إدماجها في النظام المالي العالمي. بهذا المعنى، جاءت دعوة الشرع امتداداً سياسياً لمسار بدأ اقتصادياً ومالياً: اختبار قدرة دمشق على الانتقال من تخفيف العزلة إلى بناء شراكات فعلية.
برز في الفترة الأخيرة، مع تعمّق الأزمة الاقتصادية السورية، سؤالٌ جوهري حول إمكانية أن تكون سوريا قد أُسقطت من حسابات الدول، في ظل تغيّر الأولويات وتعدّد الحروب والأزمات في المنطقة والعالم.
مجموعة السبع ليست مؤسسة تمنح الاعتراف القانوني للدول أو الحكومات، لكنها تضمّ الدول الأكثر تأثيراً في حركة التمويل والاستثمار والعقوبات والمؤسسات المالية الدولية. لذلك، فإن جلوس الشرع إلى جانب قادتها يحمل رسالة تتجاوز الصورة البروتوكولية. فالسلطة السورية الجديدة تريد إقناع الغرب بأن استقرار سوريا ليس مطلباً سورياً فقط، بل مصلحة دولية، وأن الاستثمار فيها لا يقتصر على تمويل إعادة إعمار بلد مدمّر، بل يشمل توظيف موقعه الجغرافي بين الخليج والعراق وتركيا والبحر المتوسط.
من هنا يمكن فهم الملفات المرجّح أن تحملها دمشق إلى القمة. أولها إعادة ربط المصارف السورية بالنظام المالي الدولي وتبديد المخاوف التي لا تزال تعرقل المستثمرين حتى بعد تخفيف معظم العقوبات المرتبطة بعهد الأسد. ثانيها جذب التمويل الخاص لإعادة الإعمار وتأهيل البنى التحتية. أما الملف الثالث، والأكثر دلالة سياسياً، فهو تقديم سوريا بوصفها عقدة محتملة لسلاسل الإمداد وممرات الطاقة، خصوصاً في ظل اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وانكشاف حاجة أوروبا والمنطقة إلى مسارات بديلة وأكثر تنوعاً.
لا تبدو أوروبا بعيدة عن هذا التصور. فالاتحاد الأوروبي يتجه إلى استئناف التواصل السياسي المنظّم مع دمشق، ودعم التجارة والاستثمار، مع إبراز إمكان إدماج سوريا في مشروعات الربط الإقليمية، ومنها الممر الاقتصادي الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي. أي إن المقاربة الأوروبية الجديدة لا تفصل بين استقرار سوريا وبين البحث عن خرائط بديلة للنقل والطاقة والربط الرقمي في شرق المتوسط.
في الواقع، لا تبدأ دمشق هذا الخطاب من الصفر. ففي تموز 2025 وقّعت مع شركة «موانئ دبي العالمية» اتفاقية امتياز لمدة ثلاثين عاماً لتطوير ميناء طرطوس، باستثمار قدره 800 مليون دولار، بهدف رفع قدرته وتحويله إلى مركز تجاري إقليمي يصل جنوب أوروبا بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وفي نيسان الماضي، وقّعت سوريا وتركيا والأردن مذكرة تعاون في قطاع النقل لإحياء ممر شمال–جنوب وتعزيز الربط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر. ما يجري هنا ليس مجرد إعادة تشغيل مرفأ أو طريق، بل محاولة لإعادة تعريف سوريا كبلد عبور بعد أن عُرفت طويلاً كساحة حرب.
الصورة نفسها تظهر في قطاع الطاقة. ففي آب 2025 بدأ تدفق الغاز الأذربيجاني إلى سوريا عبر الأراضي التركية، بكمية أولية أعلنت دمشق أنها تبلغ نحو 3.4 ملايين متر مكعب يومياً، بما يتيح زيادة إنتاج الكهرباء بمقدار 750 ميغاواط. ثم عاد المسار العراقي إلى الواجهة خلال الأسابيع الماضية، مع نقل الفيول العراقي براً عبر سوريا نحو بانياس للتصدير البحري، بعدما تضررت طرق التصدير الخليجية من اضطرابات هرمز. إضافة، أبرمت شركة تسويق النفط العراقية عقوداً لتمرير نحو 650 ألف طن متري شهرياً عبر سوريا من نيسان إلى حزيران.
هذه المشاريع لا تعني أن سوريا أصبحت بالفعل مركزاً إقليمياً للطاقة والنقل. فالطريق ما يزال طويلاً، ويتطلب أمناً مستداماً، ومؤسسات موثوقة، وتأهيلاً هائلاً للبنى التحتية، وضمانات قانونية ومالية تمنع عودة العزلة أو تردد المستثمرين. كما أن المنافسة بين الممرات الإقليمية تجعل الموقع الجغرافي فرصة لا تتحول تلقائياً إلى نفوذ.
هذه المشاريع لا تعني أن سوريا أصبحت بالفعل مركزاً إقليمياً للطاقة والنقل. فالطريق ما يزال طويلاً، ويتطلب أمناً مستداماً، ومؤسسات موثوقة، وتأهيلاً هائلاً للبنى التحتية، وضمانات قانونية ومالية تمنع عودة العزلة أو تردد المستثمرين.
غير أن دعوة الشرع إلى قمة السبع تكشف أن السؤال حول سوريا بدأ يتغير: من يدفع كلفة إعادة إعمارها؟ إلى ماذا يمكن أن تضيفه سوريا لخريطة التجارة والطاقة الجديدة؟ بالنسبة إلى دمشق، هذه لحظة يمكن أن تنقلها من دولة تبحث عن المساعدة إلى دولة تعرض وظيفة استراتيجية. أما نجاحها، فلن يُقاس بعدد الصور مع قادة الغرب، بل بقدرتها على تحويل طرقها ومرافئها وشبكات طاقتها إلى مصالح مشتركة تضمن استقرارها وتعيدها إلى قلب الإقليم. يبقى العائق الأكبر أمام المشروع هو التخريب الاسرائيلي الذي لن يرحب بإعادة تعريف مكانة سوريا الإقليمية.
Loading ads...
إلى أن ينجلي الغبار الإقليمي، يقع على عاتق سوريا مسؤولية تأهيل بيئتها الداخلية، من خلال بناء مؤسسات فاعلة، ومكافحة الفساد، وتسريع إقرار التشريعات واستكمال الأطر القانونية اللازمة لاستقطاب أي استثمارات مقبلة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
زلزال بقوة 5.2 درجات يضرب وسط تركيا
منذ ساعة واحدة
0
حدود انفجار الضمير الأوروبي
منذ ساعة واحدة
0
الشرع في قمة السبع
منذ ساعة واحدة
0

