شهر واحد
"الفراغ القانوني" يحرم ملايين السوريين من الهوية وحقوق الملكية
الأحد، 28 يونيو 2026
خلف واجهة الهدوء النسبي لجبهات القتال في سوريا، تتفاقم بصمت واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والاجتماعية التي خلفتها سنوات النزاع الطويلة؛ أزمة "التيه القانوني".
ففي بلد شتتت الحرب سكانه بين نزوح داخلي ولجوء خارجي، وتحت وطأة انقسام المؤسسات الإدارية وتدمير البنى التحتية، تحول غياب ورقة رسمية واحدة سواء كانت بطاقة شخصية، أو شهادة ميلاد، أو وثيقة ملكية عقار إلى جدار مصمت يحرم ملايين العائلات من إثبات وجودها المدني، ويجعل من بيوتها مقار مؤقتة مهددة بالإخلاء في أي لحظة.
هذا الواقع المأساوي وثقه تقرير ميداني حقوقي حديث وصادر عن المجلس النرويجي للاجئين (NRC)، والذي استند إلى تقييم شامل ومعمق دمج بين 1,200 استبيان أسري، و28 نقاشاً ضمن مجموعات تركيز، و36 مقابلة مع خبراء قانونيين ومخبرين رئيسيين. وشمل التقييم 9 محافظات رئيسية تعكس سياقات متنوعة للنزوح والعودة والمجتمعات المضيفة وهي: حلب، إدلب، الحسكة، الرقة، درعا، دمشق، ريف دمشق، حماة، وحمص.
وجاءت نتائج التقرير بمثابة إنذار مبكر من "انفجار مجتمعي وسكاني"، حيث كشفت الأرقام أن النزوح المطول، وتدمير السجلات المدنية والعقارية، والاضطرابات الإدارية المتكررة، نجحت في تحويل ملايين السوريين إلى "أشباح" قانونية محرومة من أبسط مقومات المواطنة داخل وطنهم، مما يعيق أي فرص حقيقية للتعافي أو الاستقرار المستدام.
إن 61% من الأسر السورية التي تسكن في منازل تملكها أو تستأجرها، تفتقر تماماً إلى أي وثائق أو سندات ملكية رسمية (مثل سندات الطابو الأخضر أو عقود الإيجار المصدقة قانونياً)..
وفقاً للبيانات الميدانية الصادمة التي أوردها التقرير، فإن الفجوة القانونية لم تعد مجرد تفصيل بيروقراطي عابر، بل باتت عائقاً حاسماً يعزل السوريين عن حقوقهم الأساسية كالحصول على الرعاية الصحية، والتعليم، وحرية الحركة عبر نقاط التفتيش، وتأمين سبل العيش الكريم. وأظهرت الإحصاءات أن 62% من الأسر السورية التي شملها الاستطلاع تعاني من نقص حاد في وثائق الهوية القانونية لفرد واحد على الأقل من أفرادها، مما يعني عملياً أن ملايين الأشخاص يعيشون بلا إثبات شخصية رسمي، في حين تراجعت نسبة العائلات الموثقة بالكامل لتصل إلى 38% فقط.
تتضاعف هذه المأساة نتيجة تشظي السيطرة العسكرية والإدارية في سوريا؛ فالوثائق الصادرة عن جهات الأمر الواقع في شمال غربي أو شمال شرقي البلاد لا تحظى باعتراف في مناطق سيطرة الحكومة السورية، والعكس صحيح، مما يضع المواطن في شرك "انعدام الجنسية الفعلي" داخل حدوده الوطنية. وتبرز الكارثة بشكل أعمق لدى الأطفال المولودين خلال سنوات النزاع الذين يفتقرون لشهادات ميلاد رسمية مسجلة في المديرية العامة للأحوال المدنية بدمشق، ما يهدد بنشوء جيل كامل "مكتوم القيد" يحرم من التقديم للامتحانات الرسمية أو السفر.
هذا التيه القانوني يلاحق أيضاً العائدين؛ حيث يواجه 80% من السوريين الذين عادوا إلى مناطقهم مؤخراً فجوات قانونية حادة في سجلاتهم المدنية، مما يحول الاستقرار المفترض للعودة إلى كابوس قانوني وإداري مستمر. ويصف فيديريكو جاكيتي، المدير القطري للمجلس النرويجي للاجئين في سوريا، هذا المشهد بقوله: "خلال زيارتي الأخيرة لشمال حلب، التقيت عددا لا يحصى من الأسر التي لا تملك أي سجل رسمي يثبت وجودها على قيد الحياة، لأن الآباء والأجداد لم يحصلوا أصلاً على وثائق قط. من دون إثبات الهوية أو الملكية، لا يستطيع الناس إثبات من هم، أو من هم أطفالهم، أو ما الذي يملكونه، ما يجعل دخول المدارس أو المستشفيات أمراً بالغ الصعوبة. هذه ليست مشكلات إدارية عابرة، بل هي حرمان مباشر من الحقوق الإنسانية الأساسية".
لم تتوقف شظايا الأزمة عند إثبات الشخصية، بل ضربت العصب الرئيسي لاستقرار المجتمع وهو ملف "السكن والأرض والملكية" (HLP). فالدمار الهائل الذي طال المصالح العقارية وضياع السجلات الورقية جراء القصف أو الحرائق، إلى جانب القوانين العقارية المثيرة للجدل التي صدرت خلال سنوات الحرب، أدى إلى هشاشة مرعبة في حيازة العقارات، مما يفتح الباب على مصراعيه للاستيلاء غير القانوني وتصاعد النزاعات المدنية.
وطبقاً للأرقام الموثقة، فإن 61% من الأسر السورية التي تسكن في منازل تملكها أو تستأجرها، تفتقر تماماً إلى أي وثائق أو سندات ملكية رسمية (مثل سندات الطابو الأخضر أو عقود الإيجار المصدقة قانونياً)، رغم أن 70% من المبحوثين أكدوا بالدلائل العرفية أنهم الملاك أو المستأجرون الشرعيون لتلك العقارات. هذا الفراغ المستنداتي جعل العائلات، خاصة النازحة منها، فريسة سهلة للطرد؛ حيث أكدت 21% من الأسر أنها تواجه حالياً خطراً مباشراً بالإخلاء القسري من أماكن سكنها الحالية.
واللافت والخطير في آن معا، أن 69% من هؤلاء المهددين بالإخلاء أفادوا بأنهم لم يتلقوا أي إشعار قانوني أو إنذار رسمي مسبق، مما يعكس غياب أي شبكة حماية قانونية أو قضائية تحمي القاطنين من التشرد مجدداً. ويترافق ذلك مع عجز مالي مدقع؛ إذ إن كلفة استخراج "بدل ضائع" لسند الملكية، أو تثبيت البيوع العقارية في المحاكم تنطوي على رسوم مالية باهظة ورشاوى بيروقراطية تفوق بمئات الأضعاف القدرة الشرائية للمواطن السوري الذي يرزح تحت خط الفقر.
إن 87% من النساء اللواتي فقد أزواجهن يجدن أنفسهن عاجزات تماماً عن الوصول إلى ممتلكات الزوج، أو التصرف بحساباته البنكية، أو المطالبة بحقوقه القانونية والميراث لتأمين لقمة العيش لأطفالهن..
أفرد التقرير مساحة دقيقة وحساسة لمعاناة النساء السوريات، اللواتي وجدن أنفسهن الحلقة الأضعف في هذه الحلقة المفرغة، حيث تدفع المرأة السورية الثمن الأضخم نتيجة تقاطع البيروقراطية المعقدة مع القوانين التمييزية والعادات المجتمعية الراسخة التي تم تعزيزها خلال الحرب إثر غياب المعيل الرجل.
وتشير البيانات إلى أن 70% من النساء السوريات يفتقرن تماماً إلى وثائق ملكية رسمية مسجلة بأسمائهن، بالمقارنة مع ما يزيد قليلاً عن 50% لدى الرجال، مما يجعلهن عرضة لخسارة منازلهن، أو طردهن من قبل الأقارب، أو الاستيلاء على عقاراتهن دون رادع قانوني. أما المأساة الأعمق فتتجلى في ملف عائلات المفقودين والمعتقلين؛ إذ إن 87% من النساء اللواتي فقد أزواجهن يجدن أنفسهن عاجزات تماماً عن الوصول إلى ممتلكات الزوج، أو التصرف بحساباته البنكية، أو المطالبة بحقوقه القانونية والميراث لتأمين لقمة العيش لأطفالهن، حيث تظل التركات والممتلكات "مجمدة قانونياً" إلى أجل غير مسمى لعدم القدرة على استخراج شهادة وفاة رسمية للزوج المفقود.
وفي محاولاتهن المستميتة لتصحيح هذا الوضع القانوني المعقد، تظهر الأرقام بطء العدالة وشروطها التعجيزية (مثل اشتراط الحصول على موافقات أمنية مسبقة لبعض المعاملات في مناطق معينة)؛ حيث نجحت 24% فقط من النساء الساعيات للحصول على إعلان قانوني بالوفاة أو الغياب لأزواجهن في انتزاع هذا القرار، بينما لا تزال 66% من القضايا عالقة لشهور وسنوات في دهاليز المحاكم والمعاملات الرسمية دون حسم.
Loading ads...
وأمام هذا الاستنزاف الحقوقي، يختتم المجلس النرويجي للاجئين الذي تمكن عبر برنامج المساعدات القانونية من دعم 31 ألف شخص داخل سوريا شكلت النساء 60% منهم تقريره بمطالبة المانحين الدوليين والحكومة والجهات المسيطرة بضرورة تبسيط إجراءات الأحوال المدنية، وإلغاء الموافقات الأمنية المفروضة على المعاملات العقارية، وتوفير الدعم المالي لبرامج "الوصول إلى العدالة"، تلافياً لسقوط جيل سوري كامل في غيابات النسيان والفقر المدقع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

