ساعة واحدة
هل تكفي 100 دولار للمعيشة؟.. تصريحات حاكم مصرف سوريا المركزي تفتح باب التساؤلات
الإثنين، 16 فبراير 2026
أثار تصريح حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، الذي أدلى به خلال مقابلة تلفزيونية على قناة “المشهد”، جدلًا واسعًا في أوساط الرأي العام.
إذ أعلن الحصرية أن مبلغًا قيمته 100 دولار شهريًا قد يكفي لتأمين الحد الأدنى من متطلبات المعيشة للأسرة السورية، معتبرًا أن استمرار مجانية التعليم وبعض الخدمات الصحية يخفف من أعباء المعيشة.
ذكر حاكم المصرف المركزي أن الحكومة تعمل على تثبيت الاستقرار النقدي ومكافحة الفساد بهدف رفع المستوى المعيشي، مستشهدًا بمؤشر “حراك اقتصادي” تمثل في استيراد سيارات بقيمة تجاوزت خمسة مليارات دولار خلال العام الماضي، كدليل على وجود فرص استثمارية جديدة في ظل تحسن تدريجي في بيئة الأعمال.
مع ذلك، قوبلت هذه التصريحات بردود فعل ساخرة وغاضبة عبر منصات التواصل الاجتماعي، فاعتبر نشطاء سوريون التعليق بعيدًا عن الواقع اليومي، مشيرين إلى أن 100 دولار بالكاد تغطي فاتورة الكهرباء لأسرة كاملة.
وعلّق البعض بأن “الموظف الذي يتقاضى نحو 100 دولار شهريًا يعمل فحسب لدفع فاتورة الكهرباء، دون أن يبقى شيء لباقي الحاجات الأساسية.
فيما عبر أحد المتفاعلين عن استيائه قائلًا: “نفس أسلوب وكلام المسؤولين السابقين.. ما تغير شي. طريقة استفزاز المواطن نفسها، شكله الكرسي بيعمي البصيرة وما عاد يشوفوا الواقع اللي عايشه الشعب”.
وسخرت مواطنة قائلة إن هذا المبلغ “ُدفع مرة واحدة لتسديد الكهرباء فحسب، فماذا تبقى للطعام والشراب؟”، فيما لفت آخرون إلى أن 100 دولار بالكاد تشتري كمية قليلة من الخبز المدعوم.
فجوة معيشية عميقة
بحسب مؤسسة الخبز السورية، ارتفع سعر ربطة الخبز المدعوم من نحو 400 ليرة سورية قبل سنوات إلى حوالي 4000 ليرة اليوم، ما يجعل الدخل الضئيل لا يغطي سوى جزء بسيط من احتياجات الغذاء.
تشير المعطيات الاقتصادية إلى فجوة كبرى بين تصريحات المسؤولين والواقع المعيشي للسوريين، فعلى سبيل المثال، وصل الحد الأدنى لتكاليف معيشة أسرة سورية مؤلفة من خمسة أفراد إلى نحو 7.26 مليون ليرة بنهاية 2025، أي ما يعادل حوالي 200 دولار في السوق الموازية، بينما قد يتجاوز المتوسط الفعلي لهذه النفقات 11.6 مليون ليرة.
ووفق الإحصاءات، قد يصل إيجار منزل متواضع في دمشق إلى نحو خمسة ملايين ليرة شهريًا، أي ما يفوق قيمة 100 دولار بكثير إذا أضيفت فواتير الخدمات الأخرى، كما أن 100 دولار (ما يوازي نحو مليون ليرة) لم تعد تغطي إلا فاتورة كهرباء أسرة كاملة بالكاد.
هذا بالإضافة إلى سلة الغذاء الأساسية التي تقدر تكلفتها الشهرية بحوالي 4.35 ملايين ليرة لعائلة متوسطة، لتلخص هذه الأرقام مدى ضعف القدرة الشرائية للمواطن السوري مقارنة بما طرحه الحصرية، إذ إن حوالي 40 بالمئة من النفقات الأسرية تذهب للغذاء وحده، والمبلغ المذكور لا يقترب إلا من تغطية جزء يسير منه.
تحذيرات اقتصادية
من جهته قدّم الخبير الاقتصادي عامر شهدا قراءة مغايرة لتصريحات الحصرية، حيث أكد أن رفع الرواتب بنسبة كبيرة خطوة سياسية أولى، لكنها لا تكفي لتصليح القدرة الشرائية أو لوقف التضخم.
وأشار في تحليل له عبر منصة “فيسبوك” إلى أن زيادة الأجور وحدها قد تؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار إذا لم تُصحب بإصلاحات في السياسة النقدية والإنتاج، مؤكدًا أن اعتماد الاقتصاد على الاستيراد وانخفاض قيمة الليرة هما من العوامل الجوهرية التي تجعل المشهد الاقتصادي هشًاـ
وأفاد بأن منظومة الدعم التي شملت التعليم العام والكهرباء وغيرها وفرت في السابق درجة من الاستقرار النسبي في تكاليف المعيشة، فمثلًا، ظل سعر الخبز المدعوم منخفضًا مما ساعد العائلات محدودة الدخل في تغطية جزء من غذائها الشهري، لكن هذا الدعم يتراجع تدريجيًا في ظل تدهور الاحتياطات المالية للدولة وارتفاع تكاليف الإنتاج.
إصلاح يتطلب رؤية جماعية
أما اليوم، فإن توصيف انهيار الليرة بنسبة تقارب 99 بالمئة، يظل وفقًا للخبير الاقتصادي توصيفًا مبالغًا فيه، خاصة عند الأخذ بعين الاعتبار وجود احتياطات ذهبية تقدّر بنحو 26 طنًا، أقرّ المصرف المركزي نفسه بأنها ساهمت في تغطية جزء كبير من الإصدارات النقدية الجديدة.
هذا الواقع يشير إلى أن جزءًا من عناصر الاستقرار النقدي المتبقية لا يزال يرتهن بإرث مالي ومؤسساتي تراكم في فترات سابقة، شمل بنى تحتية إنتاجية وخدمية كمنشآت توليد الكهرباء والمؤسسات التعليمية وشبكات الطرق والمطارات والمنشآت الصناعية، التي وإن كانت تحتاج إلى إعادة تأهيل، إلا أنها لا تزال تشكل ركائز يمكن البناء عليها.
الخبير الاقتصادي عامر شهدا
ويخلص شهدا إلى أن إحداث تحول اقتصادي عميق لا يمكن أن يتحقق عبر رؤية أحادية أو تصريحات منفردة، مهما كانت نواياها حسنة، بل يتطلب تشكيل إطار مؤسساتي جامع على غرار مجلس وطني للإصلاح الاقتصادي يضم خبرات متعددة من مختلف الاختصاصات، على أن تكون مهمته صياغة سياسات متكاملة تستند إلى تقييم موضوعي للإمكانات المتاحة واستعادة الثقة بالذاكرة الاقتصادية الوطنية.
Loading ads...
وأكد أن استمرار تجاهل معاناة المواطن اليومية، والانشغال بمؤشرات استيرادية لا تعكس واقع الحال، لن يؤدي إلا إلى تعميق الهوة بين المواطن والدولة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى خطاب اقتصادي واضح يعترف بحجم التحديات ويقدم حلولًا عملية قابلة للتنفيذ، بعيدًا عن الوعود غير الملموسة أو التصريحات التي تزيد المواطن إحباطًا ويأسًا من قدرة أي جهة على فهم معاناته والعمل على تخفيفها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





