هذا النورس الفاتح جناحيه فوقي تماماً، يمضي مع العبّارة كأنه يرافقنا، أنا طلبت منه أن يأتي ورفاقه ليكونوا معنا في مشوارنا البحري.
سبع سنوات على آخر مرة في إسطنبول، عابراً إلى كاديكوي في شاطئها الآسيوي، من أوروبا. سبع سنوات على هذا السحر الذي لفّني حين عشت في هذه المدينة الغريبة. الآن نعود إليها لنحتفل بعقد قران صديقَي سارة وأيمن، ومن اللحظة الأولى لنزولي في المطار أحلم بعبور جسر البوسفور معكِ.
ولا تُخيّب إسطنبول أملي. تنثر علينا أحلى ما في كفّها الطيب من سماء وهواء ونوارس تمشي معنا طول الطريق، وأقول لك إنها أتت للقائي لأنها اشتاقت إليّ بعد طول فراق. تضحكين، ربما، أو تتجاهليني كعادتك كي أسكت، ولا أسكت. من أين آتي بكل هذا الكلام وأنا معك لا أعلم. وكيف تتحملين ثرثرتي المتواصلة، وإعادتي إلى الجملة ذاتها بعدما أقولها ثم أسألك: "سمعتيني شو قلت؟" وأكرّرها، وأضحك لنفسي وأهنئها على هذا التعليق المرح اللمّاح، لا أعلم. لكني أسليك، وهذا يكفيني.
بتّ أميل إلى الخفة منذ زمن بعيد. أقول ألّا شيء غيرك أنت والصبيّان تستحقون قلقي، وما دمتم بخير، فأنا خفيف. وأنت الآن بخير، لذا أهرّج كي أسليك.
من دون أن ترمش عيني كنت لأحمله عنك. أحدثه في نومك، أتحايل عليه، أتوسّل. أتركها. أُخطئ طريقه هذا اللعين. أنت أغلى مني. ومن حظي أننا ترافقنا ما إن التقينا. وإن نمتُ في أي ليلة ولم أقم من نومي، سأكون قد ذهبت سعيداً، لأنني كنت محظوظاً بك. ولن تغادري قبلي. يكفيني أنك لن تفعلي.
حين علمنا به، باتت قصتك المفضلة أن تقولي إنك، بدلاً من أن أسندك، كان عليك أن تسنديني. ليس عدلاً أنني حين أميل عليك أجد كتفك، وحين تحاولين أن تميلي علي تجديني وقد سبقتك إلى كتفك. لكنك هكذا عودتيني. أن تعطيني القوة في لحظة ضعفي وتعطيني القوة في لحظة ضعفك. مشكلتك.
هل أفسدني دلالك؟ أجل. مذ أخذت من يدي كاسيت الشيخ إمام بابتسامة، وتعاملت معه بوصفه هدية، بدأت رحلتك مع إفسادي. ومذ آخر مرة سقطتُ فيها ذاك السقوط المدوي ولملمت حطامي وأعدت لصقي قطعة قطعة، بموهبة إلهة إغريقية وصبرها، وأنا أقول يكفيني من حياتي أني التقيتك ورافقتك.
لا تتهكمي على انزلاقي الشاعري في آخر الفقرة الفائتة. حين لمحت في عينيك إعجاباً قلت لا بد أنها تحب ما أكتب في شباب السفير. واعترفتِ لاحقاً أنك لم تكوني قد قرأت أو سمعت باسمي. فعدت وكتبت لك في السفير، التي كنا نعاملها ككنبة اعترافاتنا ورسائلنا من غادة السمان إلى غسان كنفاني. سمعتيني شو قلت؟ رسائلنا من غادة إلى غسان… مهضومة؟
ستهزين كتفيك وتسألين السماء ماذا فعلت لأكون أنا، دون المليارات، حظك ونصيبك. وأقول لك مهما فعلت لن تهربي مني. ونكرّر تعليقاتنا في حلقات حفظناها، كأننا نمثّل مراراً المشهد نفسه، ومع ذلك أتسلَّى، وأسليك، وهذا ما أحبه.
وهو موسم نوستالجيا، في ثمانينيات الذكاء الاصطناعي، وفي إسطنبول وبيروت، وفي هذا النص الذي سأنشره في رصيف22 كتحية لشباب السفير من آخر معاقل المدونات في الشرق، وفي أغنية كايروكي التي علقت جملة واحدة منها ثلاثة أيام بلياليها في إسطنبول:
"ماشي بشويش جداً تا تا
تاتا تااااتا تاااتا".
أنت كنت من أوائل ضحايا الألبوم. لماذا، بالمناسبة، لا تحبين صوتي حين أغني لك، وأنا كثيراً ما أغني لك. أمي كنت أسألها مين صوته أحلى يا إمي، أنا أو عبد الحليم، تقول لي إنتا. أقول لها ومين أحلى، أنا أو حسين فهمي؟ تقول لي إنتا طبعاً.
أنت، في المقابل، تتغزلين بالمرحوم في كل أحواله، أبيض وأسود متلوياً كأفعى وهو ينوح في قارئة الفنجان، أو ملوناً كالسمكة نيمو قافزاً بين شماسي أبيه الذي فوق الشجرة، تلميذ ثانوية في الأربعين من عمره. ماذا؟ هل أرتدي مايوه عبد الحليم المخطط كي تقبلين بي مطربك المفضل؟ سأفعل، وعلى الملأ، ولا تلومي على إحراجك لنفسك إلا نفسك. يكفيني أن تقولي لي بين حين وآخر، أنني حين أطلع بكوبليه "رميت الورد طفيت الشمع"، أكون قد مسحت أسطورة حليم، ولن أرتدي المايوه المقلم، ولن أحرجك.
لكنك لن تعترفي بموهبتي. "يسلملي المغروم"، بصرخ في صديقي أيمن ضاحكاً، وقد كنت، ربما، أغني لك. أيمن يقدّر الفنان الذي في داخلي. أنت لا. لكن أيمن محق. أنا مغروم. قبل أن يأتينا ما أتاك كنت مغروماً، وبقيت. لا شيء تغيّر. لا دخل للثقل الذي سقط بغتة في قلبك وقلبي. والآن، وقد غادرنا ثقلك، أنا مجرد رجل مغروم ثرثار خفيف غير مهتم إلا بإضحاكك. يكفيني.
لن أختم رسالتي هذه. سأتركها عائمة في زجاجة تمضي في البوسفور، تذهب وتعود بين أوروبا وآسيا. ونحن، معها، جالسين ننظر في السماء. نبقى هنا إلى الأبد، فوق كف إسطنبول الطيبة، فوق مياه القارتين وتحت شمسهما وهوائهما، والنوارس معنا.
وإن قبلت أو لا، سأغني لك "قاضي البلاج" كلها، وستحمل النوارس الشماسي.
Loading ads...
وأنا والنوارس، سنرقص تلك الرقصات الغرائبية الخالدة، ونغني لك، وسنرتدي مايوهات ألوانها خلّابة، أحمر وأصفر وأخضر، مايوهات مخططة ضيقة حد الاختناق. وسنرقص، وحين تسألني النوارس بتحبها؟ سأجيب: حب عبادة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






