يطل دينزل واشنطن من خلف ستائر المسرح في قاعة "بوب أوديتوريوم" بجامعة فوردهام في سبتمبر/أيلول الماضي، ويقول أمام الطلبة "هذا غريب"، فتتعالى الضحكات. وهو يعرف هذه الخشبة؛ فقد وقف عليها قبل نحو نصف قرن، وتحديدا عام 1977، حين كان طالبا، ليجسد شخصية "عطيل". ثم عاد إليها في الحادية والسبعين، وإلى جواره أنتوني "دوك" كارتر، صديقه وزميل سكنه الجامعي.
يستعيد الصديقان محاولتهما دراسة الطب، ويقول واشنطن مازحا "كنت بخير مع الأحياء، لكن الكيمياء أوقعت بي"، ويروي كارتر كيف حصل على لقب "دوك" بعد محاولة غير موفقة لتشريح ذبابة فاكهة، رغم أنه لم يحصل على شهادة في الطب.
تتوالى الأسئلة عن الدراسة والعمل والعثور على الطريق، ويقول واشنطن "اكتشاف نفسك ليس لحظة"، ويوضح أن معرفة ما سيفعله الإنسان بقية حياته تحتاج إلى وقت، وأن ذلك أمر مقبول. يتحدث عن إيمانه، وعن المعيار الذي ينظر به إلى حصيلة الحياة، ويحدده بالإجابة عن أسئلة مثل: من ساعدت؟ ومن أخذت بيده؟ ويؤكد أن "ما تفعله من أجل الآخرين هو ما يمنح حياتك غاية".
تجلس بين الحضور طالبة شاهدته يؤدي "عطيل" في برودواي في العام السابق، فتلتفت إلى صديقتها وتنخسها قائلة "سنكون مثلهما يوما ما"، وهي تنظر إلى الرجلين اللذين بدأت صداقتهما في الجامعة، ثم أعادتهما إليها سنوات طويلة من العمل والحياة.
يحمل واشنطن إلى هذا اللقاء مسيرة تقترب من خمسين عاما، توّجها بجائزة أوسكار أفضل ممثل مساعد عن "المجد" (Glory)، وأوسكار أفضل ممثل عن "يوم التدريب" (Training Day)، وجائزة "توني" المسرحية، والسعفة الفخرية لمهرجان كان. وبين التكريمات، يحتفظ بخيط يصل نجاحه ببداياته؛ فيدعم تعليم التمثيل، ويعود إلى الطلبة، ويستعيد أسماء من شجعوه قبل أن يصبح اسمه كافيا لملء القاعات.
وُلد دينزل هايز واشنطن الابن في 28 ديسمبر/كانون الأول 1954، في ماونت فيرنون، شمال مدينة نيويورك، ونشأ الأوسط بين ثلاثة أبناء. حمل اسم أبيه، الواعظ في الكنيسة، بينما أدارت أمه لينيس صالونا للتجميل، وبين عمل الوالدين والكنيسة والمدرسة، بدأت تتشكل حياة الطفل.
استعاد واشنطن هذه التفاصيل في مقابلة مع تيري غروس لبرنامج "فريش إير"، واعترف بأنه كان دائم التسلل إلى خارج الكنيسة التي كان والداه يصطحبانه إليها. وفي مقال كتبه عن أثر الإرشاد في نشأته، نسب إلى أبيه تعليمه أهمية الإيمان، وأشار إلى تضحيات أمه من أجل تعليمه.
لعب الفتى كرتَي السلة والقدم، وشارك في مختلف الأنشطة الفنية في نادي "ماونت فيرنون"، الذي كانت جدرانه تزدان برايات الجامعات التي التحق بها الطلبة السابقون. وقد ظلت هذه الصورة عالقة بذهن الفتى، الذي عاش مفارقة مخيفة بين أحلامه وطموحاته ومصائر ثلاثة من أقرب أصدقائه انتهى بهم المطاف في السجن. وصف واشنطن نفسه بأنه كان طفلا مشاغبا يقترب من الخطأ، مع معرفته بالحدود التي لا يريد تجاوزها.
قررت أمه إرساله إلى أكاديمية أوكلاند، بعيدا عن المتاعب المحتملة برفقة أصدقائه في الحي والنادي؛ فقد انفصل الوالدان، ولم تعد مساحة الأمان الأسري متاحة.
وفي جامعة فوردهام، كان مستقبله هو السؤال الأصعب؛ إذ تنقّل بين تخصصات مختلفة، بدءا بالطب. وعاد إلى صالون أمه في محاولة للتعرف على نفسه، فسمع من إحدى زبوناتها عبارة غامضة، قالتها وهي تنظر إليه "إنه سيسافر حول العالم ويخاطب الملايين".
لم يكن يعرف يومها كيف يعود إلى الجامعة، فضلا عن أن يتخيل جمهورا ينتظر كلماته. وبعد أشهر، منحته مشاركته في عرض صغير بمخيم صيفي أول إشارة إلى الطريق الذي لم يجده في قاعات الدراسة أو ملاعبها.
عمل واشنطن في صيف عام 1975 مشرفا بمخيم تابع لولاية كونيتيكت. وخلال عرض للمواهب، اقترب منه أحد زملائه وسأله عما إذا كان قد فكّر في التمثيل، وشجعه على تجربته. وعندما عاد إلى فوردهام في الخريف، غيّر تخصصه مرة أخرى، واستقر هذه المرة على المسرح.
وتخرج واشنطن عام 1977، وشارك في العام نفسه في الفيلم التلفزيوني "ويلما" (Wilma). ثم واصل العمل على مسارح نيويورك، والتحق بفرقة "نيغرو إنسامبل كومباني"، التي أتاحت له الاقتراب من شخصيات وتجارب لأمريكيين سود تتجاوز الصور المحدودة التي كانت تقدمها الشاشة.
وجسّد مالكوم إكس على المسرح في "حين تعود الدجاجات إلى المبيت" (When the Chickens Come Home to Roost) عام 1981، قبل أن يؤدي الشخصية سينمائيا بسنوات.
وجاءت خطوة أخرى مع "مسرحية جندي" (A Soldier’s Play)، حيث أدى دور الجندي بيترسون، ولفت أداؤه أنظار منتجي المسلسل الطبي "سانت إلسوير" (St. Elsewhere)، فاختير عام 1982 لدور الطبيب فيليب تشاندلر، الذي استمر في تقديمه ستة مواسم. وبعد سنوات من البحث بين الدراسة والرياضة والمسرح، أصبح له عمل منتظم يصل به إلى جمهور واسع، وبدأت معه مرحلة اختبار اختياراته أمام الكاميرا.
جاء الاعتراف الكبير بواشنطن مع فيلم "صرخة الحرية" (Cry Freedom) عام 1987، حين جسّد ستيف بيكو، المناضل من جنوب أفريقيا المناهض للفصل العنصري. وحصل عن أدائه على أول ترشيح له للأوسكار في فئة أفضل ممثل مساعد.
وبعد عامين، جسّد دور الجندي تريب في فيلم "المجد" (Glory)، الذي يتناول قصة جنود سود يقاتلون في الحرب الأهلية الأمريكية، بينما يواجهون التمييز داخل الجيش الذي انضموا إليه. ومنحه الدور أوسكار أفضل ممثل مساعد في حفل عام 1990.
منحت الشخصيتان حضوره معنى يتجاوز الصعود المهني؛ فقد جسّد في الأولى مناضلا يواجه نظاما يجعل لون الإنسان أساسا لحرمانه من حقوقه، وفي الثانية رجلا يطالب الآخرين بالاعتراف بكرامته، رغم أنهم يُفترض أن يقاتلوا إلى جانبه. لكن المساحة التي أخذ يحتلها لم تحصره في صورة الرجل صاحب القضية العادلة، كما تكشف اختياراته.
الاستعداد لمالكوم إكس
عاد واشنطن إلى شخصية مالكوم إكس مع سبايك لي في الفيلم الذي حمل اسمه عام 1992 بعد تجربته المسرحية السابقة في تجسيده، وقد استعد للدور عاما كاملا، ومنحه الفيلم ترشيحه الأول لأوسكار أفضل ممثل رئيسي، وتكمن صعوبة الدور في متابعة رجل تتغير أفكاره وعلاقته بنفسه وبالعالم، بدلا من تثبيته داخل صورة الزعيم الذي يعرفه الجمهور.
اكتسب دينزل واشنطن خبرة جديدة عن قدراته، تكمن في القدرة على تقديم التناقض والاندفاع والمراجعة، وهي عناصر ظلت حاضرة في شخصياته، مهما اختلف موقعها الأخلاقي، ولكنه ظل حريصا على الفصل بين قدرته على تجسيد رجل وامتلاك شجاعته أو تجربته.
وقدم في "فيلادلفيا" (Philadelphia) عام 1993 دور محام يحمل أحكاما مسبقة تجاه الآخرين، واتجه بعدها إلى شخصيات يصعب اختزالها في البطولة الأخلاقية، وصولا إلى ألونزو هاريس، ضابط مكافحة المخدرات الفاسد في "يوم التدريب" (Training Day، 2001).
ومنحه الثقة وسرعة البديهة والقدرة على فرض الحضور، فجعل الصفات التي قد تبعث الاطمئنان في شخصية أخرى أدوات للتلاعب والترهيب. وحصل عن الدور على أوسكار أفضل ممثل في 24 مارس/آذار 2002، ليصبح أول ممثل أسود يفوز بجائزتي أوسكار في التمثيل. وجاء فوزه في الليلة نفسها التي تلقى فيها سيدني بواتييه أوسكارا فخريا، وفازت هالي بيري بجائزة أفضل ممثلة. وجمع فوزاه صورتين متباعدتين: الأولى لجندي يقاوم الإهانة، والثانية لضابط يمارسها مستندا إلى سلطته. وبينهما تتضح قدرات ممثل يستطيع أن يمنح رجلا كرامته، وأن يكشف في رجل آخر كيف تتحول الجاذبية والثقة إلى غطاء للفساد.
ولم يتعامل مع هذا الاعتراف بوصفه نهاية التعلم؛ فقد قال لطلبة فوردهام إنه يعود إلى المسرح حين يريد أن يطور أداءه. وكان قد فاز عام 2010 بجائزة "توني" عن "أسوار" (Fences). وبعد سنوات من العمل أمام الكاميرا، بقيت الخشبة مكانا يعود إليه لاختبار أدواته، كما عاد إلى الجامعة التي تعلم فيها استخدامها.
لم يكن الاعتراف بموهبته كافيا ليمنحه الرضا طوال الوقت، فقد عاش سنوات يشعر بالمرارة والغضب، وأقر بأن شرب الخمر أصبح نمطا مؤذيا في حياته، وقال إنه توقف عند الستين، وتكشف هذه المصارحة عن صراع ظل قائما خلف النجاح، احتاج فيه إلى مراجعة عاداته وتغييرها.
كان واشنطن قد وصف نفسه طفلا يحاول التسلل من الكنيسة التي يصطحبه إليها أبوه، ثم صار مع تقدمه في العمر يتحدث علنا عن الإيمان بوصفه المرجع الذي يعود إليه، ويجمع المساران بين علاقة فرضها نظام البيت أولا، وعلاقة اختار أن يمنحها موقعا أساسيا في حياته. واتخذ هذا الارتباط صورة معلنة يوم 21 ديسمبر/كانون الأول 2024، حين تعمد في كنيسة بنيويورك، قبل أيام من بلوغه السبعين، وتلقى ترخيصا تدريبيا للخدمة الدينية، وقال خلال المراسم "استغرق الأمر وقتا، لكنني هنا".
ولم تكن الخطوة إعلانا عن ترك التمثيل، بل كانت تحولا شخصيا أضافه إلى حياته المهنية المستمرة، واستعاد في الكنيسة حكاية المرأة التي التقاها في صالون أمه.
ظلت الواقعة جزءا من روايته عن نفسه، يعود إليها ليربط بين الحيرة الأولى وما تحقق بعد ذلك، وهي تكشف عن المعنى الذي يمنحه لتجربته أكثر مما تفسر أسباب نجاحه.
Loading ads...
عاد دينزل واشنطن إلى الجامعة ليجمع أطراف الرحلة بين رجل في الحادية والسبعين يجلس إلى جوار صديق شبابه، وأمامه طلبة لم يحسموا وجهتهم بعد، وبين شاب حائر وقلق لا يستطيع تصور ما يمكن أن يكون عليه بعد أيام. يحمل واشنطن جائزتي أوسكار وخبرة نصف قرن، لكنه يتحدث عن الوقت الذي يحتاج إليه الإنسان ليعرف نفسه.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





