14 أيام
محمد عبد الوهاب وأم كلثوم.. ما الذي أضافه "لقاء السحاب" إلى مسيرتيهما؟
الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب في لقاء بالقاهرة خلال ستينيات القرن العشرين - غيتي
جمع "لقاء السحاب" بين مشروعين فنيين استقرّا قبل التعاون بسنوات. من "إنت عمري" إلى تجارب العامية والقصيدة، نقرأ ما أضافه عبد الوهاب إلى غناء أم كلثوم، وكيف أعاد صوتها تشكيل ألحانه.
كانت أم كلثوم وعبد الوهاب في القمة حين اجتمعا في "إنت عمري". فما الذي كان يمكن لكل منهما أن يضيفه إلى الآخر؟
حين غنّت أم كلثوم "إنت عمري" عام 1964، انتقل اسم محمد عبد الوهاب من موقع المنافس الكبير إلى موقع الملحن الذي يكتب لصوتها.
جاء التعاون بعد عقود بنى خلالها كل منهما مشروعه وجمهوره، فكان السؤال أبعد من نجاح أغنية جديدة:
ماذا يحدث حين تلتقي طريقة عبد الوهاب في التلحين بأسلوب أم كلثوم في الأداء؟
جمع اللحن بين طابع عبد الوهاب التجديدي وقوة صوت أم كلثوم التطريبية. ومن المقدمة الموسيقية وحضور الغيتار فيها، إلى المساحة التي منحتها المطربة للكلمة والتكرار، ظهرت شراكة يستطيع فيها كل طرف أن يضيف إلى الآخر، بعدما استقر موقعهما في الغناء العربي.
لقاء بين تجربتين راسختين فتح فصلًا جديدًا في الغناء والتلحين
في هذه الحلقة من سلسلة "رجال في فلك الكوكب"، نقرأ علاقة جاءت في مرحلة النضج الفني للطرفين. وبعد التكوين والتجريب والقصيدة والشعر في الحلقات السابقة، يصبح السؤال هنا عن قدرة مشروعين مكتملَي الملامح على التغيّر حين يعملان معًا.
برز محمد عبد الوهاب منذ العشرينيات مطربًا وملحنًا يسعى إلى تحديث الموسيقى العربية. تأثر بتراث سيد درويش، وانفتح على الموسيقى الغربية، فوسّع اختياراته في الإيقاع والآلات وبناء الأغنية، من دون أن ينفصل عن المقامات وأصول الغناء التي تعلّمها.
وتعرض سيرته في مشروع "حكاية شارع" المصري هذا التكوين المتعدد، من تعلّم العود على يد محمد القصبجي إلى تجربة السينما وتلحين القصائد والغناء لأصوات أخرى. وبفضل هذا المسار، بنى مشروعًا جمع بين الطرب التقليدي والبحث عن أشكال لحنية جديدة.
وعندما بدأ العمل مع أم كلثوم، حمل إليها خبرة طويلة في الكتابة لأصوات مختلفة. وكانت هي تملك بدورها خبرة اختيار النصوص والألحان وإدارة الحفل، بعدما راكمت تجارب مع محمد القصبجي وزكريا أحمد ورياض السنباطي. لذلك جاء التعاون مساحة لاختبار إمكانات جديدة لدى الطرفين.
رغم أن عبد الوهاب وأم كلثوم كانا في قمة المشهد الموسيقي منذ الثلاثينيات، فإن التعاون بينهما لم يحدث مبكرًا. فكل منهما كان يقود مشروعًا فنيًا مستقلًا، وكان الجمهور يرى فيهما قطبين كبيرين في الغناء العربي.
وفي شهادة نقلتها "الأهرام" عن محمد محمد عبد الوهاب، خلال ظهوره في برنامج "معكم منى الشاذلي"، وصف نجل الموسيقار المنافسة بين والده وأم كلثوم بأنها شملت النشاط الغنائي والمؤسسات المهنية. وهي شهادة تضيء جانبًا من سياق التأخر، من دون أن تختزل العلاقة كلها في خصومة شخصية.
يساعد استقلال المشروعين على فهم صعوبة اللقاء: كان التعاون يضع أمام كل منهما طريقة مختلفة في العمل، واسمًا يوازيه حضورًا لدى الجمهور. وعندما تحقق، حمل معه وزن السنوات التي سبقت الأغنية، وهو ما منح تعبير "لقاء السحاب" معناه خارج حدود اللحن نفسه.
يربط مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي، في تقديم إصداره "لقاء السحاب"، بداية الطريق إلى التعاون بحفل عيد الثورة في نادي الضباط يوم 23 يوليو 1963. وبحسب رواية المركز، دعا جمال عبد الناصر أم كلثوم وعبد الوهاب إلى مائدته وطلب منهما العمل معًا.
وتضع شهادة نجل عبد الوهاب هذا الدور في إطار التشجيع والتمنّي، وتعارض تصوير الأغنية بوصفها نتيجة أمر سياسي. لذلك يمكن الحديث عن مساهمة عبد الناصر في الدفع نحو اللقاء، مع إبقاء القرار الفني والعمل على الأغنية في يد أصحابها.
وفي النهاية، احتاج هذا التشجيع إلى نص ولحن وقبول متبادل حتى يتحول إلى أغنية. وجاءت "إنت عمري"، بكلمات أحمد شفيق كامل، لتمنح الفكرة المنتظرة صورتها المسموعة.
قدّمت أم كلثوم "إنت عمري" للمرة الأولى في 6 فبراير 1964. ومن شواهد هذا التاريخ نوتة موسيقية معاصرة نشرتها "الأهرام"، دوّنها عدنان أبو الشامات في حلب، وورد فيها أن الأغنية أذيعت في حفل أم كلثوم في ذلك اليوم.
التقت كلمات أحمد شفيق كامل ولحن محمد عبد الوهاب بصوت أم كلثوم في بداية الشراكة عام 1964
كان حضور الغيتار في المقدمة من العلامات المسموعة في هذه التجربة. وتتناول ملاحظات برنامج لأوركسترا قطر الفلهارمونية استخدام عبد الوهاب للآلة في "إنت عمري" ثم "إنت الحب"، بوصفه لونًا لم يكن مألوفًا لجمهور أم كلثوم في حفلاتها.
ويمكن قراءة إضافته في طريقة حضور الموسيقى إلى جانب الصوت: مقدمة لها شخصيتها، وتنوع في ألوان الآلات، ومساحة واسعة للأداء الغنائي. كانت أم كلثوم تحمل اللحن إلى طريقتها في تطويل العبارة وتلوينها والتفاعل مع المستمعين، فيكتسب العمل حياة تتجدد مع الحفل.
وتتيح التسجيلات تمييز وجهين لهذه التجربة. فإصدار "لقاء السحاب" لدى مركز توثيق التراث يضم تسجيل الاستوديو الأول، مقسّمًا لأغراض التحليل، إلى جانب تسجيل حي للحفل الأول. وهما تسجيلان مختلفان للأغنية نفسها؛ أما تاريخ الحفل فلا يثبت، بمفرده، تاريخ إنجاز نسخة الاستوديو.
يحفظ إصدار "لقاء السحاب" تسجيل الاستوديو الأول وتسجيلًا حيًا للحفل الأول، ويتيح التمييز بينهما
بعد نجاح "إنت عمري"، استمر التعاون بين عبد الوهاب وأم كلثوم في أعمال وسّعت الشراكة خارج خصوصية اللقاء الأول.
وفي "إنت الحب" عام 1965، التقت ألحان عبد الوهاب بكلمات أحمد رامي، الشاعر الذي رافق أم كلثوم طويلًا وأسهم في صياغة لغتها العاطفية. وفي العام نفسه قدّمت "أمل حياتي" بكلمات أحمد شفيق كامل، لتتسع الشراكة بعد نجاح اللقاء الأول.
واتسعت الكتابة بالعامية مع "فكروني" عام 1966، للشاعر عبد الوهاب محمد، ثم "دارت الأيام" عام 1970 لمأمون الشناوي. وفي موازاة ذلك، حملت الشراكة صوت أم كلثوم إلى قصيدتي "هذه ليلتي" لجورج جرداق عام 1968، و"أغدًا ألقاك" للهادي آدم عام 1971.
وتكشف "هذه ليلتي" خصوصًا أن أم كلثوم ظلت طرفًا في إعداد العمل. ففي رواية فارس يواكيم التي يستعيدها محمود الزيباوي في "النهار"، طلبت تغيير مطلع القصيدة، فاستجاب جرداق. وتبيّن الرواية مشاركة المطربة في الصيغة التي وصلت إلى الجمهور، إلى جانب الشاعر والملحن.
أم كلثوم على مسرح أولمبيا في باريس، 14 نوفمبر 1967 - غيتي
مع عبد الوهاب، اتسعت خيارات أم كلثوم في اللون الآلي والصياغة اللحنية، وازدادت تجربتها تنوعًا خلال الستينيات. فقد أضافت ألحانه إلى رصيدها الغنائي، وواصلت في الوقت نفسه شراكتها مع السنباطي، الذي غنّت له "الأطلال" عام 1966. وأعطت كلًّا من هذين الأسلوبين طابعها في الأداء، بما فيه من إعادة وتنويع وتفاعل مع الجمهور.
وفي المقابل، منحته أم كلثوم مجالًا لاختبار ألحانه في تقاليد حفلها الطويل، حيث يعاد تشكيل الجملة بالأداء والتكرار واستجابة الجمهور. ويمكن فهم أثرها في هذه الأعمال من الطريقة التي ارتبطت بها الألحان بصوتها، حتى صار استحضار الموسيقى يستدعي أداءها أيضًا.
Loading ads...
لهذا بقي التعاون بينهما، رغم محدودية عدد الأعمال مقارنة بشراكتها الطويلة مع السنباطي، واحدًا من أكثر فصول مسيرتهما حضورًا. أضاف عبد الوهاب إلى خياراتها الموسيقية، ومنحت ألحانه امتدادًا في عالمها الغنائي. هنا تتحدد خصوصية "لقاء السحاب": شراكة أظهرت أن الوصول إلى القمة لا يغلق باب التجريب.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

دروب لبنان... رحلات على إيقاع الطبيعة والتاريخ
منذ ثانية واحدة
0

«دورة باريس»: ديوكوفيتش يودع من الدور الثاني
منذ ثانية واحدة
0



