القضاء على أسواق الخردة والأشياء المستعملة بدمشق، ليس أمراً سهلاً. فما إن تمت إزالة سوق "كشكول" الشهير على المتحلق الجنوبي، حتى تحول المكان إلى سوق لعصافير الزينة، حيث طائر الحسون والكنار والكروان، جزء من صفقة البيع المنتظرة، التي تأمل فيها تلك الطيور، أن تنتقل إلى وضع أفضل، مثلما هو حال مربيها الذين يأتون بها إلى هنا حتى يحققوا ولو مبلغاً زهيداً من الربح!.
"السوريون يأخذون اللقمة من تمّ السبع"، يقول أحد الباعة، وهو يخبرنا عن قلة الفرص والبطالة، التي دفعته لأن يفتتح مشروعاً لتربية الطيور الصغيرة، مراهناً على بيع الفراخ في كل موسم.
ولأن لتربية الطيور تكاليفها غير القليلة، فإن على البائع أن يلبي احتياجاتها حتى تبدو في أبهى حال، بحيث يمشي سوقها بأفضل سعر، عند أول عرض، يضيف البائع: "عدا عن الطعام والمحافظة على الدفء، فإن طيور الزينة الصغيرة، حساسة جداً، ويمكن أن تصاب بالأمراض النفسية مثل البشر تماماً، كما يمكن أن تضرب عن الطعام ويصيبها المرض فتموت".
يخصص مربو الطيور، غرفة في المنزل لتربيتها، ومن كان لديه مزرعة صغيرة، يحقق فرص نجاح أكبر للمشروع، لكن تأمين الدفء للعصافير في هذه الفترة التي تتعرض لها البلاد لموجة صقيع قطبية، يعد أبرز الصعوبات.. يضيف بائع الطيور: "إنني أحرم نفسي وأبنائي، مقابل توفير المتطلبات لهذه الطيور، فهي مصدر رزقنا، ولولا العصافير لكنا متنا من الجوع في هذه المرحلة".
ونسأله، إن كان هناك إقبال كاف على الشراء، خاصة أن الوضع الاقتصادي في سوريا صعب، وتأمين متطلبات تلك الكائنات ليس بالأمر السهل؟ فيجيب: "لا يشتري الطيور إلا عاشقها. وأنا شخصياً لم ألتق بمربٍ مستهتر بحقوق الطيور المادية والنفسية، أصحاب هذه المهنة يملكون شغفاً خاصاً، ولا يمكن أن يقارنوا بأصحاب بسطات الجرابات والألبسة المستعملة، إنهم يعشقون العصافير ويحدثونها كأنها من أفراد العائلة!".
نشأة سوق الطيور بدمشق
يتقاطر الناس من مناطق الريف، حاملين أقفاصهم على دراجاتهم النارية أو الهوائية، منذ ساعات الصباح من كل يوم جمعة، حيث نشأ هذا السوق حديثاً، من دون اتفاق مسبق بين البائعين، لكن تبعاً للعادة والتكرار، صار المكان مخصصاً لبيع طيور الزينة، بعدما كانت المنطقة تعجّ بالخردة والأشياء المستعملة.
ولأن الراغب يتبع حاجته، فإن الأسعار في بداية النهار تكون مرتفعة، ثم تبدأ بالهبوط رويداً، كلما اقترب الوقت من صلاة الجمعة، لتصبح في أدنى مستوى لها مع اقتراب العصر وحلول المساء.. "لقد بعت طائر الكروان بنصف السعر، لأنني لا أريد العودة للبيت خالي الوفاض"، يقول أحد الباعة، وهو يقسم أن سعر هذا الطائر لا يقل عن 300 ألف ليرة سورية، لكنه اضطر لتصريفه بـ150 ألفاً فقط!.
أما الطيور المنتظرة مصيرها ضمن تلك الأقفاص الصغيرة، فلها قصة أخرى، لكن لن تستطيع البوح بها، سوى بالامتناع عن التغريد، يقول البائع: "الطيور إذا تعبت نفسياً، انطوت على نفسها وتوقفت عن الغناء، وحسب تجربتي، فهي تعلم أنها ستباع لمالك آخر وتسكن مكاناً آخر، وهذا بحد ذاته يعتبر كارثياً بالنسبة للطير". وللمفارقة، فإن تلك العصافير، لا تعرف العيش خارج الأقفاص، فإن غادرته ضلّت ولم تحسن تأمين غذائها ومبيتها. يضيف البائع: "العصافير الصغيرة المخصصة للزينة، تختلف عن طيور الحمام، التي تعود لمكانها الأصلي إذا تم نقلها أو بيعها لمالك آخر، لكن هذه الكائنات الصغيرة لا تعرف سوى وجه صاحبها وقضبان الأقفاص، لهذا ستعاني نفسياً عند الانتقال بعد البيع".
بحسبةٍ بسيطة، نعثر على كثير من التقاطعات بين هذه العصافير وحال السوريين اليوم، فالرهان على عصفور صغير لا يتجاوز حجمه عدة سنتيمترات، في تأمين مصروف الأسرة، يبدو جنونياً، مثلما هو وضع الأب الذي ينحت الصخر، من أجل الحصول على لقمة عيش أبنائه اليومية.
فكرة تحويل سوق "كشكول" الخاص بالخردة والأدوات المستعملة، إلى سوق للعصافير، تبدو شاعرية جداً، رغم المآسي المختبئة في أقفاصها.. فالقفص هو الثروة ورأس المال بالنسبة لحامله، لكن اكتفاء العصافير بالتحديق وعدم التغريد في السوق، يدل على شعور كبير بالفقد.. الطرفان لديهما ما يكفي من المعاناة، وكل طرف يرى في الآخر، خشبة خلاص!.
Loading ads...
يقول بائع الطيور: "هذا الكروان صغير، وقادر على تلقي التدريب ونطق بعض الكلمات مع الوقت، إنه من فصيلة الببغاء، لكنه طائر جبان يخاف كثيراً حتى من الضوء الساطع، لهذا يجب إبقاء النور خافتاً من حوله!". هكذا، يقول بائع الطيور، شعراً، من حيث لا يدري.. فنغادر السوق، مارين بين الأقفاص المتناثرة، وعيون الطيور تلاحقنا تريد أن تقول شيئاً.. كأنّ خذلاناً كبيراً ينمو داخل تلك الأقفاص!.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



