ساعة واحدة
خاص: طهران تغلق باب التنازلات بقرار من مجتبى خامنئي والمفاوضات مع واشنطن تصل إلى طريق مسدود
الإثنين، 18 مايو 2026

قالت مصادر سياسية ودبلوماسية إيرانية رفيعة إن المفاوضات بين طهران وواشنطن وصلت إلى طريق مسدود، في ظل قرار إيراني واضح بعدم تقديم أي تنازلات استراتيجية، ورفض المطالب الأمريكية، خصوصاً تلك المتعلقة بالبرنامج النووي، وهو ما يعكس انتقال طهران من إدارة التفاوض إلى تثبيت خطوط حمراء جديدة غير قابلة للمساومة.
المصادر التي تحدثت لـ"عربي بوست" كشفت أن هذا التشدد لم يعد مجرد موقف تفاوضي، بل أصبح توجهاً سياسياً عاماً داخل دوائر صنع القرار، مدفوعاً بقراءة إيرانية تعتبر أن الضغوط العسكرية والاقتصادية لم تنجح في فرض شروطها على طهران، بل عززت قناعة القيادة بجدوى الصمود وعدم التراجع.
في هذا السياق، لم تعد المفاوضات تدور حول تفاصيل تقنية أو ترتيبات مرحلية، بل حول معادلة أوسع: إما قبول واشنطن بشروط إيرانية مسبقة تمس ملفات إقليمية وسيادية، أو بقاء المسار التفاوضي مجمداً، في ظل تصعيد سياسي وعسكري متبادل يرفع منسوب المخاطر في المرحلة المقبلة.
قال سياسي إيراني متشدد ومقرب من الدائرة الضيقة لمجتبى خامنئي، لـ"عربي بوست"، إن مجتبى خامنئي عقد خلال الأيام الماضية اجتماعاً مع كبار القادة السياسيين والعسكريين، وأصدر توجيهات واضحة تقضي بعدم إبداء أي مرونة تجاه المطالب الأمريكية، مع التشديد على رفض مناقشة أي ملفات تتعلق بالبرنامج النووي قبل تنفيذ الشروط الإيرانية الـ5.
وبحسب المصادر، فإن هذه الشروط تشمل وقفاً دائماً لإطلاق النار على جميع الجبهات، وخاصة جبهة لبنان، وتعويضات أمريكية عن الخسائر التي تكبدتها إيران خلال الحرب الأخيرة، ورفع الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، إضافة إلى اعتراف رسمي بسيادة إيران على مضيق هرمز، وهو بند يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز البعد الاقتصادي إلى إعادة تثبيت النفوذ الإيراني في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وتشير المعطيات إلى أن هذه الشروط نُقلت بالفعل إلى الوسيط الباكستاني خلال جولات سابقة، لكنها قوبلت برفض أمريكي قاطع، وهو ما دفع طهران إلى تجميد أي نقاش لاحق. ويؤكد المصدر السياسي الإيراني أن مجتبى خامنئي شدد على أن أي مفاوضات يجب أن تبدأ من هذه النقطة، وليس من مطالب أمريكية تتعلق بتقليص التخصيب أو إعادة هيكلة البرنامج النووي.
كما تؤكد المصادر أن وزارة الخارجية الإيرانية تلقت تعليمات صارمة بالالتزام بهذا المسار، خاصة بعد تصاعد الاعتراضات داخل التيار الأصولي على فكرة التفاوض حول الملف النووي في الظروف الحالية، ما يعكس حجم التأثير الذي يمارسه هذا التيار على توجيه القرار السياسي.
في المقابل، كشفت مصادر دبلوماسية إيرانية عن وجود تباين داخل دوائر القرار، حيث لا ترفض القيادة الإيرانية مبدأ المفاوضات بين طهران وواشنطن بشكل مطلق، لكنها ترفض ما تصفه بـ"التفاوض تحت الضغط".
وقال دبلوماسي مقرب من فريق التفاوض الإيراني إن طهران كانت في مرحلة سابقة منفتحة على مناقشة قضايا مبدئية، مثل تعليق جزئي للتخصيب أو التعامل مع مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب، لكن هذا المسار تغيّر بفعل ضغوط داخلية متصاعدة.
المتشددون داخل النظام، وفق المصدر، قادوا حملة ضغط مكثفة بعد تسرب معلومات عن مناقشة الفريق المفاوض مسائل نووية مع الجانب الأمريكي، معتبرين أن مجرد الدخول في هذه النقاشات يمثل تنازلاً استراتيجياً.
هذا الضغط، بحسب مصدر "عربي بوست"، أدى إلى إعادة صياغة الموقف الإيراني بشكل أكثر تشدداً، وأغلق الباب أمام أي مرونة كانت مطروحة سابقاً في المفاوضات بين طهران وواشنطن.
ويؤكد الخبير السياسي عبد الرضا رحماني، المقرب من القيادة الإيرانية، أن ردود الفعل داخل المعسكر المتشدد كانت حادة وغاضبة، وأنها دفعت القادة العسكريين والسياسيين إلى إعادة تقييم كامل لمسار المفاوضات.
وأضاف أن المفاوضات كانت تحظى في الأصل بدعم المرشد الأعلى والحرس الثوري، لكن تصاعد صوت التيار المتشدد فرض رؤية مختلفة ترى أن أي نقاش مع واشنطن في هذه المرحلة يُعد انصياعاً غير مقبول.
في هذا السياق، يبرز موقف الحرس الثوري الإيراني كأحد أهم العوامل التي تدفع نحو التشدد. إذ ترى قيادته أن الحرب الأخيرة شكّلت نقطة تحول استراتيجية، وأن نتائجها يجب أن تُترجم إلى موقف تفاوضي أكثر صلابة، لا إلى تنازلات إضافية.
وتطالب إدارة دونالد ترامب إيران بتعليق تخصيب اليورانيوم لفترة تتجاوز 20 عاماً، والتخلص من كامل مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60%، إضافة إلى إخضاع منشآتها النووية لتفتيش مزدوج من الوكالة الدولية للطاقة الذرية والولايات المتحدة، فضلاً عن إنهاء الحصار الإيراني لمضيق هرمز. غير أن طهران ترى أن هذه المطالب غير قابلة للنقاش في المرحلة الحالية.
ويقول عبد الرضا رحماني إن هذه المطالب ربما كانت مطروحة قبل الحرب، لكن الواقع تغير جذرياً بعدها، حيث يرى قادة النظام أن إيران خرجت من المواجهة أكثر تماسكاً، وأن أهداف الحرب المعلنة لم تتحقق. ويضيف أن قادة الحرس الثوري يعتبرون أن التجربة الأخيرة أثبتت أن الصمود أكثر جدوى من التنازل، وأن لا مبرر لتقديم أي تنازلات الآن.
كما يشير مصدر مقرب من الحرس الثوري إلى أن الخطوط الحمراء الإيرانية لم تعد تقتصر على البرنامج النووي، بل توسعت لتشمل ملفات سيادية مثل مضيق هرمز، في مؤشر على تصعيد سقف المطالب الإيرانية في المفاوضات بين طهران وواشنطن.
في المقابل، تحاول الإدارة الأمريكية تصوير إيران كطرف خرج من الحرب في موقع ضعف، وتراهن على أن استمرار الضغط الاقتصادي والعسكري سيدفعها إلى العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر مرونة. إلا أن القراءة داخل طهران تبدو معاكسة تماماً.
بحسب مصادر سياسية إيرانية، تعززت الأصوات الرافضة للتفاوض بعد الحرب، حيث يرى هذا التيار أن صمود إيران في مواجهة الضغوط دون تقديم تنازلات يشكل دليلاً عملياً على فعالية استراتيجية "المقاومة". ويضيف مصدر مقرب من دوائر صنع القرار أن هذا المنطق يدفع باتجاه مزيد من التشدد، لا العكس.
ويقول المصدر إن القيادة الإيرانية تعتقد أن واشنطن، وليس طهران، هي الطرف الذي يحتاج إلى اتفاق في هذه المرحلة، خصوصاً في ظل الضغوط السياسية التي تواجهها إدارة ترامب. ويضيف أن إيران لن تقدم "طوق نجاة سياسي" للإدارة الأمريكية دون مقابل كبير.
كما يشدد المصدر على أن مجتبى خامنئي لا يزال متمسكاً بالشروط الـ5، معتبراً أن هامش المرونة المتاح حالياً محدود للغاية، وأن الأولوية تبقى لفرض هذه الشروط في المفاوضات بين طهران وواشنطن قبل أي نقاش آخر.
بعد عودته من بكين، صرح دونالد ترامب بأنه ينتظر من إيران تقديم مقترح جديد للعودة إلى المفاوضات، بالتزامن مع تهديدات بشن هجمات عسكرية قوية، وسط تقارير عن اجتماعات مرتقبة لفريقه الأمني لمناقشة استئناف الضربات.
غير أن طهران تقرأ هذه التهديدات من زاوية مختلفة. إذ ترى مصادر إيرانية أن هذه التصريحات تعكس فشل الإدارة الأمريكية في تحقيق أهدافها من الحرب، ومحاولة لتعويض ذلك عبر التصعيد اللفظي والعسكري.
ويقول مصدر سياسي إيراني إن واشنطن تحاول تحويل الضغط العسكري والاقتصادي إلى مكاسب استراتيجية، لكنها لم تنجح في ذلك، مضيفاً أن هذه التهديدات لن تدفع إيران إلى التراجع أو القبول بالشروط الأمريكية.
كما يؤكد أن على الولايات المتحدة إعادة النظر في تقديراتها بشأن إمكانية "استسلام" إيران، خاصة في ظل ما تعتبره طهران نجاحاً في الصمود خلال المواجهة الأخيرة.
وفي ما يتعلق بإمكانية استئناف الهجمات الأمريكية – الإسرائيلية، يرى عبد الرضا رحماني أن أي تصعيد عسكري جديد سيؤدي إلى أضرار إضافية لإيران، لكنه لن يغير موقفها الاستراتيجي.
ويختتم بالقول إن هناك فرقاً واضحاً بين "الضرر العملياتي" و"الاستسلام الاستراتيجي"، مؤكداً أن طهران قد تتحمل الخسائر، لكنها لن تقبل بتقديم تنازلات تمس جوهر برنامجها النووي أو موقعها الإقليمي.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المفاوضات بين طهران وواشنطن دخلت مرحلة صراع إرادات مفتوح، حيث يتمسك كل طرف بشروطه القصوى، في ظل غياب أي أرضية مشتركة يمكن البناء عليها.
Loading ads...
وبين ضغوط أمريكية متصاعدة، وتشدد إيراني مدفوع بعوامل داخلية وخارجية، تتقلص فرص التوصل إلى اتفاق في المدى القريب في المفاوضات بين طهران وواشنطن، فيما يبقى التصعيد، السياسي أو العسكري، احتمالاً قائماً بقوة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





