في زمنٍ صار فيه الكلام العام أسرع من الذاكرة، يأتي برنامج "شهادة للتاريخ" على تلفزيون سوريا كمحاولة واعية لإبطاء الزمن قليلاً، لا من أجل الحنين، بل من أجل الفهم. يقدّمه الروائي والباحث و الإعلامي إبراهيم الجبين بوصفه مشروعاً حوارياً يذهب أبعد من صيغة اللقاء التلفزيوني المعتادة، أقرب إلى بناء وثيقة شفوية تُصاغ أمام المشاهد، وتُترك مفتوحة على الأسئلة بدل أن تُختزل في خلاصات جاهزة. ومنذ حلقاته الأولى بدا واضحاً أن البرنامج لا يراهن على الإثارة، بل على "المعنى": معنى التجربة الفردية حين تتحول إلى مادة عامة، ومعنى السرد حين يصير تاريخاً مضاداً لتاريخ السلطة.
يُعرّف البرنامج نفسه من عنوانه: شهادة لا تقرير، وللتاريخ لا للحظة العابرة. فالحوار هنا لا يُعامل الضيف كـ اسم أو موقف، بل كـمسار حياة: كيف تشكّل، ما الذي رآه، كيف فهم سوريا، وأين تتقاطع خبرته الشخصية مع أسئلة البلد الكبرى. ولذلك يبدو اختيار الضيوف جزءاً من فلسفة البرنامج: شخصيات تمثّل "طبقات" مختلفة من التجربة السورية، من العلم والعمل والاختراع، إلى التاريخ الاجتماعي والسياسي والهوية، وصولاً إلى ملفات حساسة كانت تُقال همساً أو تُختطف لصالح خطاب واحد.
في الحلقة التي استضاف فيها البرنامج العالم والصناعي والمخترع عدنان وحوّد، لا يحضر "العالِم" بوصفه لقباً احتفالياً، بل بوصفه نموذجاً لسوريٍّ واسع الأفق، تشكّلت علاقته بالبلد عبر العمل والمعرفة، لا عبر الشعارات. ومن الجدير بالذكر أن وحود يُعدّ من أصحاب منجزات لافتة في مجال الاختراع، وأنه نال تقديراً أوروبياً على أحد ابتكاراته النادرة في عالم النسيج، وهو ما يمنح الحوار بعداً إضافياً: سوريا الممكنة التي غالباً ما تُهزم داخل نشرات الأخبار، لكنها تظهر في سيرة فرد واحد كدليل عنيد على القدرة والجدارة.
اللافت في هذه الحلقة أنها لم تُبنَ على أسئلة "تعريفية" من نوع: ماذا أنجزت؟ كيف نجحت؟ بل على أسئلة تُعيد الإنسان إلى سياقه: ماذا فعلت بعيداً عن دمشق؟ ما الذي بقي من البلاد في المنفى أو السفر؟ كيف ينجو العقل العلمي من العطب السياسي؟ لهذا يخرج المشاهد بانطباع أن البرنامج لا يجري مقابلة مع ضيف، بل يحاول إنقاذ شيء من صورة سوريا خارج ثنائية الضحية/الجلاد التي استهلكتنا.
أما الحلقة الثانية، التي استضاف فيها البرنامج محمد صالح (حفيد الشيخ صالح العلي)، فتبدو مثالاً واضحاً على الجرأة الهادئة التي يشتغل بها «شهادة للتاريخ». فهي لا تذهب إلى التاريخ بوصفه تمثالاً، بل بوصفه حواراً حياً مع الإرث: كيف يُفهم الماضي حين تتهشم المعايير؟ وكيف تتبدّل الأسئلة حين ينتقل البلد من مرحلة السيطرة الحديدية إلى مرحلة التشظي والبحث عن معنى جديد للانتماء؟ تظهر في مواد منشورة عن الحلقة أنها تناولت موضوعات شديدة الحساسية مثل العلاقة بين العلويين والتحولات واختبار الانتماء إلى سوريا، إضافة إلى وقائع وشهادات تتصل ببنية السلطة وأساليبها في التحكم بالمجتمع.
هنا تحديداً تتضح قيمة البرنامج: ليس لأنه كشف أسراراً، بل لأنه جعل السرد ممكناً من جديد، خارج غرف التخويف أو غرف الدعاية.
أسلوب إبراهيم الجبين في المحاورة هو العامل الحاسم في هذا التحول. فهو لا يؤدي دور المذيع الذي ينتظر عنواناً نارياً لينتقل إلى سؤال آخر، بل يتعامل مع الحوار كأنه كتابة حيّة: يلتقط التفاصيل، يعود إلى نقطة سابقة، يربط الخاص بالعام، ويمنح الضيف مساحة كافية ليبني منطقه الداخلي. وهذا ما يجعل الحلقة ثرية حتى حين تصير مؤلمة، وممتعة حتى حين تمشي على حافة السياسة والاجتماع والهويات المتوترة. البرنامج يستثمر في الزمن: يمنح الفكرة حقها، ويترك الجملة تُستكمل، ويقاوم إغراء المقاطعة. والنتيجة أن المشاهد لا يشعر أنه أمام مناظرة، بل أمام جلسة توثيق تنمو تدريجياً.
والتوثيق هنا ليس مجرد أرشفة كلام. التوثيق، كما يوحي البرنامج، هو إعادة توزيع الشرعية: الشرعية لمن عاش وشهد، لا لمن كتب رواية رسمية وفرضها بالقوة. لذلك يمكن اعتبار «شهادة للتاريخ» امتداداً لتقليد التاريخ الشفوي: أن تُسجّل الخبرة الشخصية بوصفها مادة أساسية لفهم المجتمعات، خصوصاً في البلدان التي تعرّضت للتزييف المنهجي والتكريس غير الأصيل. في الحالة السورية، يصبح هذا التوجه أكثر إلحاحاً، لأن جزءاً ضخماً من التاريخ المعاصر لم يُكتب بعد، أو كُتب تحت القمع، أو كُتب كبيانات حزبية. ما يفعله البرنامج أنه يضع المشاهد أمام مادة أولية خام: رواية إنسان يعرف أنه مسؤول عن كلماته.
برنامج "شهادة للتاريخ" يعيد الاعتبار لفكرة أن المعرفة ليست موقفاً بل تجربة إنسانية وعملية: سؤال، تفصيل، مراجعة، ومقارنة بين روايات
حتى البعد المكاني والرمزي داخل الحلقة يبدو محسوباً: منشورات مرتبطة بالبرنامج تشير إلى أن الحوار مع عدنان وحود يبدأ من قصر محمد علي العابد في دمشق، وهو تفصيل ليس جمالياً فقط، بل دلالي أيضاً: المكان هنا شاهدٌ إضافي، يعيد التاريخ من الكتب إلى الحجر، ومن اللغة إلى الجغرافيا.
وكأن البرنامج يقول إن سوريا ليست مجرد ساحة صراع، بل طبقات مدن وذاكرة وعمارة وحياة كاملة.
إن برنامج "شهادة للتاريخ" يعيد الاعتبار لفكرة أن المعرفة ليست موقفاً بل تجربة إنسانية وعملية: سؤال، تفصيل، مراجعة، ومقارنة بين روايات. وهو إذ، يقدّم نموذجاً عن إعلام يثق بعقل المشاهد؛ لا يختصر له العالم في جملة واحدة، ولا يدفعه إلى استقطاب فوري. و يفتح مساحة للضيوف الذين يحملون قيمة معرفية حقيقية، لا مجرد حضور استعراضي. وربما هذا هو الرهان الأعمق: أن يساهم البرنامج في تشكيل مخزون سردي جديد للسوريين، مخزون يخرج من فم أصحابه، لا من فم السلطة أو من فم الكليشيهات.
هناك أيضاً شيء آخر أكثر خفاءً: البرنامج يشتغل ضد الإحباط العام. لا عبر خطاب تفاؤلي ساذج، بل عبر إعادة تقديم سوريا بوصفها قابلة للفهم. وهذه لحظة مهمة: عندما نفهم، نخفف من الغضب الأعمى، ونمتلك أدوات أدق للتمييز بين الجرح وسببه. الحلقة التي تستضيف عالماً مخترعاً تقول ضمنياً إن خراب السياسة لا يلغي وجود العقول. والحلقة التي تفتح ملف الهوية والتحولات تقول إن الصمت لم يعد خياراً، وإن الكلام يمكن أن يكون أقل تدميراً من الكتمان.
يُعرض البرنامج يوم الخميس الساعة 22:00 على تلفزيون سوريا، وهو توقيت يوحي بأن القناة تراهن عليه كمساحة مشاهدة رئيسية لا كمادة مجدولة.
والأرجح أن نجاح البرنامج في حلقاته الأولى ليس صدفة: لأنه أعاد تعريف المتعة التلفزيونية على نحو مختلف. حيث لا تكون المتعة هنا حكاية مثيرة فقط، بل متعة الفهم ذاته؛ أن تخرج من الحلقة وفي رأسك أسئلة جديدة، وفي قلبك شعور أن شيئاً من الصورة صار أوضح.
Loading ads...
في النهاية، «شهادة للتاريخ» ليس برنامجاً عن الماضي فقط، بل عن الحاضر وهو يتشكل، وعن المستقبل وهو يبحث عن لغة. إنه مساحة نادرة تُعامل الحقيقة كشيء معقّد يستحق الوقت، لا كذخيرة في معركة كلامية. ومع كل حلقة ناجحة، يتقدم خطوة في اتجاه هدف كبير: أن نمتلك روايتنا نحن، بتفاصيلها وتناقضاتها وصوتها الإنساني، قبل أن تتحول سوريا إلى هامش في كتب الآخرين.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

