2 أشهر
فخّ مذكرات التفاهم.. هل تهدد "المشاريع الوهمية" مسار إعادة إعمار سوريا؟
الجمعة، 30 يناير 2026

على مدار عام أطل خلاله النظام الجديد في سوريا، أجري خلاله موجة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الاستثمارية التي باتت تبدو اليوم أقرب إلى عرضٍ إعلامي منه إلى خارطة طريق قابلة للتنفيذ.
ففي مشهد اقتصادي هش، أُغرقت الساحة بسيل من مذكرات التفاهم والوعود الاستثمارية التي قُدّمت بوصفها مدخلًا سريعًا لإعادة الإعمار وتحفيز النمو، بينما بقيت الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالجدوى والتمويل والحوكمة بلا إجابات واضحة.
نوايا أولية أم مشاريع وهمية؟
في هذا الإطار يرى الخبير الاقتصادي الدكتور كرم شعار خلال قراءة قدمها بشأن الصورة الاقتصادية بعد عام من سقوط نظام الأسد، أن تعثّر مذكرات التفاهم أو عدم تحولها إلى مشاريع فعلية ليس أمرًا مستغربًا بحد ذاته، إذ إن هذه المذكرات بطبيعتها تعبير عن نوايا أولية لا ترقى إلى التزامات قانونية ملزمة.
غير أن الإشكالية، بحسب قوله، لا تكمن في أن بعض المشاريع لن يرى النور، بل في أن عددًا منها “لم يكن ذا مصداقية منذ البداية”، وجرى الترويج له باعتباره رمزًا لمرحلة إعادة الإعمار المقبلة من دون أن يستند إلى أسس اقتصادية واقعية أو دراسات جدوى معلنة، ما يعكس أزمة أعمق في طريقة التفكير الاقتصادي وإدارة مرحلة ما بعد النظام السابق.
خلال الأشهر الماضية، أُعلن عن مذكرات تفاهم تُقدّر قيمتها الإجمالية بعشرات المليارات من الدولارات، تشمل مشاريع في قطاعات الطاقة والنقل والبنية التحتية والعقارات.
أرقام ضخمة وقدرة استيعابية محدودة
هذه الأرقام، عند مقارنتها بتقديرات الناتج المحلي الإجمالي السوري الحالي الذي تقلّص إلى أقل من ثلث مستواه قبل 2011 وفق بيانات البنك الدولي، تثير تساؤلات جوهرية حول القدرة الاستيعابية للاقتصاد السوري وحجم التمويل الممكن تعبئته فعليًا.
كما أن تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن احتياجات إعادة الإعمار الأساسية تتجاوز 400 مليار دولار، ما يجعل التركيز على مشاريع ضخمة ذات طابع تجاري محدود التأثير الاجتماعي محل جدل واسع.
ضرب شعار مثالًا بمشروع مترو دمشق الممول سعوديًا، الذي يُشار إليه بكثرة بوصفه أحد أبرز المشاريع المستقبلية، معتبرًا أنه حتى في حال تجاوز التحديات التقنية الهائلة المرتبطة بالحفر في مدينة تُعد من أقدم المدن المأهولة في العالم، فإن الجدوى الاقتصادية للمشروع تبقى ضعيفة وغير مقنعة.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
غياب الشفافية وآليات الاختيار
وفقًا لتقدير شعار، لا يمكن لأي نموذج مالي قابل لاسترداد التكاليف أو تحقيق الربحية أن يقوم في ظل مستويات الطلب الحالية والمتوقعة، ما يجعل المشروع أقرب إلى فكرة تسويقية منه إلى استثمار قابل للحياة.
وأشار إلى أن ما يثير القلق على نحو أكبر من وجود مشاريع غير واقعية هو آلية اختيار مذكرات التفاهم وتقييمها والموافقة عليها، لافتًا إلى أن النهج المتبع حتى الآن يبدو ارتجاليًا ويفتقر إلى الشفافية، مع غياب واضح لأي مؤشرات على وجود معايير موحدة لفحص الجدوى أو إجراءات تنافسية عادلة لاختيار المشاريع.
واعتبر أن هذا الواقع يغذي المخاوف المرتبطة بالمحسوبية وتفضيل العلاقات الشخصية على الكفاءة الاقتصادية، ولا سيما في حالات بارزة مثل مذكرة التفاهم الأكبر التي أُعلن عنها حتى الآن والمتعلقة بشركة UCC Holding.
غياب خارطة طريق واضحة
أضاف شعار أن غياب المعايير الواضحة والوثائق المتاحة للرأي العام يخلق مخاطر جسيمة على صعيد السمعة، وهي مخاطر لا تستطيع سوريا تحملها في مرحلة تسعى فيها إلى إعادة الاندماج في الاقتصاد الدولي واستعادة ثقة المستثمرين.
هذا الافتقار إلى الانضباط في إدارة المشاريع يعكس غيابًا أوسع لخارطة طريق متماسكة لإعادة الإعمار، متسائلًا عن أولويات الحكومة الفعلية، وكيفية ترتيبها زمنيًا، والآليات التي ستُستخدم لتمويلها.
الخبير الاقتصادي كرم الشعار
ولفت إلى أن التركيز على مشاريع البنية التحتية التجارية الكبرى قد يساهم في رفع أرقام النمو الكلي للناتج المحلي الإجمالي، لكنه لا يعني بالضرورة تلبية الاحتياجات الأكثر إلحاحًا للسوريين، مشيرًا إلى أن غالبًا ما تتركز فوائد هذه المشاريع في أيدي فئات محدودة، ولا تنعكس بصورة ملموسة على تحسين مستوى المعيشة العام.
التمويل والمخاطر الاجتماعية
في المقابل، شدد شعار على أن الغموض لا يزال يكتنف كيفية تمويل البنية التحتية الأساسية غير التجارية، مثل الأشغال العامة والخدمات الأساسية، وهي القطاعات التي تحقق عوائد اجتماعية مرتفعة لكنها لا تولد أرباحًا مباشرة، وذلك في وقت تُطرح فيه خطط لتخفيضات ضريبية يُرجّح أن تقلص إيرادات الدولة.
واعتبر أن هذه الاستثمارات تحديدًا هي التي يميل المستثمرون الدوليون إلى تجنبها، ما لم تتضح بشكل صريح مسألة توزيع الأدوار بين القطاعين العام والخاص، وتحديد من يمول ماذا، وبأي أدوات، وعلى أي أساس، محذرًا من أن عملية إعادة الإعمار تنحرف تدريجيًا نحو ما يمكن تسويقه للمستثمرين، لا نحو ما هو ضروري فعليًا لإعادة بناء المجتمع والاقتصاد.
وختم مؤكدًا أن إعادة الإعمار ليست مسألة توقيع مذكرات أو الإعلان عن أرقام كبيرة، بل عملية مؤسسية معقدة تتطلب تحديد أولويات واضحة، ونشر دراسات جدوى قبل الإعلان، وتفصيل مصادر التمويل، إضافة إلى ضمان رقابة مستقلة ومساءلة عامة.
Loading ads...
وشدد على أن من دون ذلك، ستبقى كثير من المشروعات المعلنة، مهما بدت جذابة على الورق، مجرد وعود معلقة لا تغير الواقع المعيشي ولا تضع الاقتصاد السوري على مسار تعافٍ مستدام، بل تعمق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع وتبدد فرصة تاريخية لإعادة البناء على أسس أكثر صلابة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




