3 أشهر
التعليم الرقمي.. هل يصبح مسارا قابلا للتطبيق لتصدير العمالة السورية؟
الخميس، 22 يناير 2026
في ظل التحديات الاقتصادية المتفاقمة وغياب الاستثمارات الكبرى، تبرز فكرة التعليم الرقمي كمسار قابل للتطبيق فوراً في سوريا، وبكلفة منخفضة مقارنة بأي مشروع اقتصادي آخر. فالتغيرات العالمية التي طرأت بعد أزمة كورونا، دفعت الشركات الأوروبية للبحث عن بدائل أقل كلفة وأكثر مرونة من الوجود الفيزيائي الدائم للعمالة في المكاتب، واعتبار العمالة الرقمية والعمل عن بعد مكوّناً أساسياً في منظوماتها التشغيلية.
ووفقا لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي فإن الوظائف الرقمية التي يمكن أداؤها عن بُعد قد تصل إلى 92 مليون وظيفة بحلول 2030 بقيمة سوقية تتجاوز 173 مليار دولار.
ومع بروز ثقافة العمل عن بعد على مستوى عالمي، أصبح من الممكن للطفل السوري الذي يتعلّم البرمجة واللغات والمهارات الرقمية بين سن 12 و16 أن يدخل سوق العمل الدولي بعمر 18 أو 20 عاماً براتب يتجاوز أي فرصة محلية تقليدية، وذلك وفقا لخبراء في هذا المجال.
إعادة تعريف وظيفة التعليم
ووفقا للمبرمج زين اليوسف فإن هذا التحول لا يعني فقط إدخال أجهزة حديثة إلى المدارس، بل يعيد تعريف وظيفة التعليم نفسه، بحيث يصبح وسيلة لإيصال الطالب إلى سوق عمل عالمي بدلاً من الاكتفاء بإعداده لوظائف قليلة محلية تكاد تكون غير موجودة.
ويعمل زين كمبرمج في شركة SAP SE في برلين رغم أن مديره المباشر وحتى المقر الرئيسي في مقاطعة بادن-فورتمبيرغ جنوبي ألمانيا، وبحسب رأيه فإن وجوده داخل سوريا لا يمنع إطلاقا استمرار عمله طالما توفرت بنية تحتية مناسبة من سرعات جيدة للانترنت وعدم انقطاع التيار الكهربائي.
ويتقاطع رأي المبرمج مناف المفتاح، المقيم في برلين أيضا، مع رأي زين، والذي يشدّد بدوره على أن تعليم الأطفال البرمجة في سن مبكرة لا يتعارض مع رغباتهم المهنية لاحقاً، بل يمنحهم خيارات أكثر.
ويقول مناف لموقع تلفزيون سوريا: "إن الهدف ليس دفع الطفل إلى أن يصبح مبرمجاً بالضرورة، بل منحه مهارة قادرة على فتح أبواب واسعة له في المستقبل، ويوضح أن الطفل الذي يتقن أساسيات البرمجة في سن 12 أو 14 يستطيع لاحقاً اختيار أي اختصاص جامعي يشاء، سواء كان طباً أو هندسة أو حقوقاً، ومع ذلك يمكن للبرمجة أن تكون مصدر دخل ثابت له خلال سنوات الدراسة".
كما ويشير مناف أيضاً إلى أن الشركات الأوروبية، وخاصة في ألمانيا، تبحث سنوياً عن آلاف المبرمجين لسد فجوة متزايدة في سوق العمل، ورغم أن هذه الشركات تتجه تقليدياً إلى الهند وفيتنام، إلا أن السوريين يمتلكون أفضلية مهمة تتمثل في وجود جالية تقنية سورية واسعة في ألمانيا يمكن أن تشكل جسراً فعالاً بين سوق العمل الأوروبي والمواهب داخل سوريا، ويرى مناف أن هذه الصلة البشرية قادرة على تسهيل بناء مسار عمل عن بعد للسوريين، شرط أن يتم تحديث التعليم بسرعة وفعالية.
تحسين جودة الإنترنت في سوريا عنصر أساسي
من جانبه، يركّز الخبير التقني حسام المصري على عنصر بالغ الأهمية في هذا المشروع، وهو تحسين جودة الإنترنت في سوريا، ويوضح المصري لموقع تلفزيون سوريا أن الإنترنت السريع والمستقر ليس رفاهية، بل شرط أساسي لنجاح التعليم الرقمي، ويرى أن تحسين خدمة الإنترنت سيمكّن من إنشاء منصات تعليمية وطنية موازية للنظام التعليمي التقليدي، يستطيع الطالب من خلالها الالتحاق بدورات برمجة وذكاء اصطناعي وتصميم رقمي من منزله وبصورة ذاتية، وبكلفة رمزية أو حتى بدعم حكومي أو دولي.
ويضيف المصري أن العالم مليء بتجارب منصات تعليمية قلبت مفاهيم التعلم التقليدي رأساً على عقب، مثل منصات كورسيرا وأوداسيتي وإيديكس وخان أكاديمي، وكلها تعتمد على مبدأ التعلم الذاتي الذي أثبت فعاليته، ويرى أن إنشاء منصة سورية تعتمد نموذجاً مشابهاً سيوفّر للطلبة فرصة لتطوير مهاراتهم وفق وتيرتهم الخاصة، بعيداً عن امتحانات النظام التقليدي وضغطه، ما يجعلهم أكثر استعداداً لدخول سوق العمل العالمي.
ومؤخرا كشف وزير الاتصالات عبد السلام هيكل، أن الوزارة تعمل على خطة لتقوية شبكة الإنترنت في مناطق الجنوب باتفاقيات لتوريد الإنترنت مع الأردن، وفي الشمال باتفاقيات مع تركيا، وللساحل والوسط باتفاقيات مع قبرص، موضحاً أن ذلك يحتاج ترميماً بالبنية التحتية التي تصل هذه الدول مع سوريا، وهو ما يتطلب بضعة أسابيع لإتمام هذه الوصلات والبدء بتوريد الإنترنت.
كما لفت إلى أن المواطن سيشعر بالفرق مع حلول رأس السنة القادمة 2026 بشكل جزئي، لكن التطور الأكبر سيحدث مع إطلاق مشروعي سيلك لينك وبرق.
وتُشير تقديرات حديثة (أواخر 2025) إلى أن أكثر من 7000 إلى 8000 مدرسة تضررت بشكل كلي أو جزئي في سوريا، مما أدى لخروج عدد كبير منها عن الخدمة وتسبب بأزمة تعليمية كبيرة، مع وجود مئات المدارس المغلقة التي تحتاج إلى ترميم عاجل لتلبية حاجة ملايين الطلاب المتزايدة، بحسب بيانات من وزارة التربية السورية ومنظمات إغاثية، وما يعزز فكرة إنشاء منصات تعليمية بأسرع وقت ممكن.
تصدير العمالة الرقمية السورية
ويعود الخبير الاقتصادي حسن حيدر العيلي ليضيء على أمثلة عالمية تثبت أن هذا المسار ليس نظرياً، بل شكّل العمود الفقري لاقتصادات كاملة، ويوضح العيلي لموقع تلفزيون سوريا أن دولاً مثل الهند والفلبين وبنغلادش وأوكرانيا بنت جزءاً كبيراً من ناتجها المحلي على تصدير العمالة الرقمية إلى العالم، عبر خدمات البرمجة والتصميم والتحليل وإدارة المحتوى والدعم التقني.
ويرى العيلي أن ما يمنح هذه الدول قوة ليس مصانع أو ثروات طبيعية، بل الاستثمار في التعليم والتدريب الرقمي، ويؤكد العيلي أن الطالب السوري الذي يبدأ تعلم البرمجة خلال المرحلة الإعدادية أو الثانوية يستطيع، خلال عامين أو ثلاثة فقط، أن يدخل سوق العمل بشكل مبدئي، ثم يطور خبرته تدريجياً ليصل إلى مستويات عالية مطلوبة بشدة في أوروبا.
ويشدد العيلي على أن هذه الاستراتيجية قادرة على إحداث أثر مباشر وسريع في الاقتصاد السوري، فكل شاب يعمل عن بعد لصالح شركة أوروبية أو أميركية يساهم في إدخال عملة صعبة، ويخلق طلباً محلياً جديداً، ويرفع من القوة الشرائية ويعيد بناء طبقة وسطى شبه اختفت خلال السنوات الماضية، كما أن هذه المنهجية تعتمد على رأس المال البشري بدلاً من رأس المال المالي، وهي ميزة كبيرة في بلد يعاني من نقص الموارد المالية وضعف الاستثمار.
وتتكامل الآراء التقنية والاقتصادية لتشكل صورة واضحة: التعليم الرقمي ليس مشروعاً بعيد المدى، بل خطوة يمكن اتخاذها فوراً، وتأثيرها يبدأ خلال سنوات قليلة، ومع تحسين الإنترنت وتحديث المناهج، يصبح من الممكن خلق مسار بديل يسمح للطلاب السوريين بإيجاد فرص عمل دولية دون مغادرة البلاد، كما أن وجود جالية تقنية سورية واسعة في ألمانيا وأوروبا يسهّل انتقال الخبرات وبناء جسور التواصل بين الشركات والطلاب في الداخل.
ويعود الخبير التنقي حسام المصري ليؤكد أن مستقبل التعليم في سوريا بحاجة إلى إعادة تعريف جذرية، فالعالم يتحرك بسرعة نحو اقتصاد رقمي يعتمد على البرمجة والذكاء الاصطناعي والتسويق الرقمي وتصميم المنصات وإدارة المحتوى، وإذا لم تُدخل سوريا طلابها إلى هذا العالم الآن، فستتسع الفجوة بينها وبين الدول الأخرى خلال سنوات قليلة فقط، والحل الأمثل تبنّي المسار الرقمي لأنه قادر على تحويل الطفل من متلقٍ للمعرفة إلى منتج لها، ومن طالب ينتظر الوظيفة إلى شاب يصنعها بنفسه.
Loading ads...
ومن جهته يختم المبرمج مناف كلامه بالقول: "إن إصلاح التعليم الرقمي في سوريا ليس مشروعاً مكلفاً ولا معقداً، بل يمكن أن يبدأ بخطوات صغيرة مثل تحسين الإنترنت، وتدريب المعلمين، وإطلاق منصات تعليمية، وتشجيع الطلاب على التعلم الذاتي، هذا الطريق هو الأسرع لخلق وظائف حقيقية دون انتظار استثمارات ضخمة غير متوفرة حالياً، وهو أيضاً طريق لإعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي عبر بوابة المعرفة بدلاً من الهجرة أو الاعتماد على المساعدات الخارجية، والاستثمار بالجيل الجديد هو الاستثمار الوحيد المضمون، والتعليم الرقمي هو الطريقة الأكثر واقعية لإعادة بناء مستقبل اقتصادي أكثر استقراراً وقدرة على خلق فرص حقيقية للشباب السوري.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

منتخب سوريا للرجال بكرة القدم يواجه البحرين في مباراة ودية
منذ دقيقة واحدة
0



