يتجه بعض رواد الأعمال والمستثمرين إلى شراء شركات صغيرة قائمة بدلا من تأسيس مشروعات جديدة من الصفر، مستفيدين من امتلاكها قاعدة عملاء وإيرادات منتظمة وموظفين وعلاقات تجارية، مما يتيح لهم تجاوز مراحل التأسيس الأولى وتكاليف بناء النشاط التجاري على مدى سنوات.
ويستند هذا التوجه إلى معادلة اقتصادية تقوم على دفع مبلغ أكبر نسبيا في البداية مقابل الحصول على نشاط تجاري يعمل بالفعل، ويحقق تدفقات نقدية يمكن قياسها، بينما قد يتطلب تأسيس مشروع جديد استثمارات متواصلة قبل الوصول إلى الربحية، مع احتمالات أكبر لعدم نجاح نموذج العمل.
ولا يضمن شراء شركة قائمة تحقيق عوائد أعلى أو تقليل المخاطر، فقد تكون مثقلة بديون والتزامات قانونية، أو تعاني تراجعا في الإيرادات، إلى جانب مخاطر دفع سعر يفوق قيمتها الفعلية، مما قد يحول عملية الاستحواذ من فرصة استثمارية إلى عبء مالي.
وتضع هذه الخيارات رواد الأعمال أمام قرار استثماري مهم، يتعلق بمدى جدوى شراء شركة صغيرة تحقق أرباحا مقارنة بتأسيس مشروع جديد برأس المال نفسه، والعوامل التي تحدد أي المسارين أكثر قدرة على تحقيق عوائد مجزية بمخاطر أقل.
تكشف بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي عن التحديات التي تواجه المشروعات الجديدة خلال سنواتها الأولى، إذ تشير بيانات تتبع منشآت القطاع الخاص إلى أن نحو 20% من المنشآت الجديدة لا تستمر بعد عامها الأول، بينما لا يبقى بعد خمس سنوات سوى نحو نصفها.
ولا تعني هذه الأرقام أن جميع المنشآت التي توقفت كانت خاسرة، إذ قد تشمل حالات الإغلاق لأسباب مختلفة، لكنها تعكس حجم المخاطر المرتبطة بالمراحل الأولى من النشاط التجاري.
ويقول سيد عدنان الرئيس التنفيذي للأعمال في شركة "غرايستون كابيتال"، للجزيرة نت، إن شراء شركة قائمة يعني الانتقال من اختبار قدرة فكرة تجارية على النجاح إلى إدارة نشاط أثبت بالفعل قدرته على العمل.
ويوضح أن المشروع الجديد يحتاج إلى بناء قاعدة عملاء وتوظيف فريق وتأسيس سمعة تجارية، غالبا بالتزامن مع استهلاك السيولة، بينما يحصل المشتري على إيرادات وموظفين وموردين وأنظمة تشغيل وسجل مالي منذ اليوم الأول.
ويضيف أن تجاوز الشركة سنواتها الأولى يقلص بعض المخاطر المرتبطة باختبار السوق، لكنه لا يلغي مخاطر الإدارة أو التقييم أو استمرار الإيرادات بعد انتقال الملكية.
توضح بيانات سوق بيع الشركات الصغيرة في الولايات المتحدة أن الاستحواذ يتطلب رأسمالا أوليا قد يكون مرتفعا، لكنه يمنح المستثمر نشاطا يمتلك قدرة قائمة على توليد الدخل.
وحسب الأرقام التي يستشهد بها عدنان من تقرير منصة "بيز باي سيل" للربع الثالث من عام 2026، بلغ متوسط سعر الشركات الصغيرة المبيعة في السوق الأمريكية 350 ألف دولار.
كما بلغ متوسط مضاعف التدفقات النقدية للشركات التي تقل قيمتها عن مليون دولار نحو 2.3 مرة، مقابل 3.73 مرات للشركات الأعلى قيمة، وفق الأرقام نفسها.
ويعني مضاعف التدفقات النقدية أن المستثمر يدفع سعرا يعادل عددا محددا من سنوات الدخل السنوي الذي يحققه النشاط، قبل مراعاة تكاليف التمويل والاستثمارات الإضافية والضرائب.
ويقول محلل الأسواق المالية محمد النويله، للجزيرة نت، إن شراء شركة قائمة يحتاج عادة إلى رأسمال أكبر في البداية، لأن المستثمر يدفع مقابل أرباح محققة، بينما قد يبدأ المشروع الجديد باستثمار أقل، لكن عائده يظل غير مضمون.
ويقدم مثالا لشركة تحقق أرباحا سنوية قدرها 100 ألف دولار، ويبلغ سعر شرائها 300 ألف دولار، موضحا أن فترة الاسترداد النظرية تصل إلى ثلاث سنوات.
ويستند احتساب هذه المدة إلى افتراض استمرار الأرباح وإمكانية استفادة المستثمر منها بالكامل، دون مراعاة أعباء سداد الديون أو النفقات الرأسمالية أو احتياجات رأس المال العامل.
ويقدر النويله أن فترة الاسترداد في عمليات الشراء قد تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، مقابل أربع إلى سبع سنوات للمشروعات الجديدة، مع احتمال عدم استرداد الاستثمار نهائيا في بعض الحالات.
لا تقتصر جدوى الاستحواذ على الإيرادات، إذ يحصل المستثمر على أصول غير ملموسة قد يستغرق بناؤها سنوات، تشمل السمعة التجارية والعلاقات مع الموردين والخبرة التشغيلية والقدرة على الوصول إلى العملاء.
ويقول الخبير الاقتصادي أحمد عقل، للجزيرة نت، إن المستثمر عند شراء شركة قائمة لا يشتري أصولها فقط، وإنما يشتري الوقت والخبرة وسابقة الأعمال وتاريخ التعامل مع البنوك والموردين.
ويوضح أن شركة تعمل منذ سنوات قد تتمتع بتسهيلات ائتمانية تسمح لها بسداد مستحقات الموردين بعد 60 أو 90 يوما، بينما يصعب على شركة جديدة الحصول على الشروط نفسها قبل بناء سجل من التعاملات.
ويضيف أن وجود موظفين يمتلكون خبرة وعلاقات تجارية قائمة يسمح للمستثمر بالتركيز على تطوير النشاط بدلا من تأسيس عملياته من البداية.
ويتفق النويله مع هذا التقييم، موضحا أن الشركة القائمة تمتلك أنظمة تشغيل وعملاء وإيرادات يمكن البناء عليها، بينما يتحمل المشروع الجديد تكاليف اختبار السوق وتطوير العمليات واكتساب ثقة العملاء.
تشير بيانات "بيز باي سيل" للربع الثالث من 2026 إلى تفاوت الطلب على الشركات الصغيرة بحسب حجمها ونشاطها.
فقد ارتفع متوسط أسعار الشركات المبيعة بنسبة 17% على أساس سنوي إلى 350 ألف دولار، رغم انخفاض عدد الصفقات، وهو ارتفاع تعزوه المنصة جزئيا إلى زيادة حصة الشركات الأعلى قيمة ضمن العمليات المنفذة.
واستحوذت شركات الخدمات على 47% من الصفقات المسجلة خلال الربع، بواقع 992 صفقة، بزيادة سنوية بلغت 9%، بينما تراجعت صفقات المطاعم بنسبة 23% على أساس سنوي.
وتعكس هذه الأرقام تفضيلا متزايدا لدى بعض المشترين للأنشطة ذات الطلب المستقر والعقود المتكررة، لكنها لا تثبت أن الاستحواذ أصبح أكثر ربحية من تأسيس الشركات الجديدة.
ويقول عدنان إن شركات الصيانة وإدارة المرافق والخدمات المهنية والتوزيع المتخصص تُعد من الأنشطة المناسبة للاستحواذ عندما تتمتع بإيرادات مستقرة ولا تعتمد بصورة مفرطة على مؤسسها.
ويضيف أن الشركات التي لم تستثمر بما يكفي في التكنولوجيا والتسويق قد توفر فرصا لتحسين الأرباح من خلال الرقمنة وتطوير المبيعات وخفض النفقات.
وأظهرت دراسة صادرة عن جامعة ستانفورد عام 2024 أن صناديق البحث المتخصصة في الاستحواذ على الشركات حققت معدل عائد داخلي إجمالي بلغ 35.1%، إلا أن هذه النسبة تعكس أداء نموذج استثماري متخصص، ولا يمكن تعميمها على عمليات شراء الشركات الصغيرة بمختلف أنواعها.
رغم المزايا المحتملة، قد تتحول عملية الاستحواذ إلى خسارة إذا كانت الشركة تعاني التزامات مالية أو قانونية لم تظهر في القوائم المقدمة للمشتري.
ويحذر عقل من شراء شركات لديها مستحقات غير مسددة للموردين أو الموظفين، أو عقود تشغيلية توشك على الانتهاء، أو دعاوى قضائية لم يُفصل فيها بعد.
ويلفت إلى أن بعض المستحقات المالية المسجلة ضمن أصول الشركة قد يصعب تحصيلها، بسبب تعثر العملاء في السداد أو وجود نزاعات بشأن الأعمال المنفذة.
ويؤكد ضرورة مراجعة الالتزامات المصرفية والأصول والديون، والاستعانة بجهة متخصصة لتقييم الشركة قبل تحديد سعر الشراء.
ومن جانبه، يرى النويله أن من أبرز المخاطر تضخيم الأرباح المحاسبية واعتماد العملاء على المالك السابق، فضلا عن احتمال وجود التزامات ضريبية أو معدات تحتاج إلى استثمارات إضافية.
ويدعو إلى فحص القوائم المالية لثلاث سنوات على الأقل، ومطابقتها مع كشوف الحسابات المصرفية، والتحقق من استمرار العقود والإيرادات بعد انتقال الملكية.
ويضيف عدنان أن ربط سداد جزء من قيمة الصفقة بالأداء المستقبلي للشركة، أو الاتفاق على استمرار المالك السابق لفترة انتقالية، قد يسهم في الحد من المخاطر المرتبطة بالاستحواذ.
تتحدد الجدوى الاقتصادية لكل خيار وفق التدفقات النقدية المتوقعة، وتكاليف التمويل، والقدرة على إدارة النشاط، ومدى تناسب سعر الاستحواذ مع الأرباح الفعلية للشركة، وليس بمجرد المقارنة بين تكلفة التأسيس وسعر الشراء.
ويوضح النويله أن تقييم الشركات الصغيرة يستند غالبا إلى مضاعف أرباح المالك (نسبة سعر الشركة إلى أرباح مالكها السنوية)، الذي يتراوح عادة بين مرتين وأربع مرات، تبعا لطبيعة القطاع واستقرار الإيرادات ومدى ارتباط النشاط بمالكه.
Loading ads...
ويؤكد عدنان أن المعيار الأهم لجدوى الاستثمار هو قدرة الشركة على تحقيق عائد مجز للمستثمر، بعد احتساب أجر مناسب لإدارتها، وسداد القروض، وتغطية احتياجاتها التشغيلية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





