14 أيام
من أخت كبرى من دارفور: ألا يكفي أن نتوزَّع قسراً في 6 دول؟ - رصيف22
الإثنين، 19 أكتوبر 2026

أكتب هذه المدونة لكي أقول إن الدهّابة (المعدنين) السودانيين أشخاص لديهم حقوق مثل باقي البشر… وجدت هذا ضرورياً أن يقال وسط كل ما تمرّ به أسرتي وكثير من الأسر السودانية الأخرى في الفترة الحالية إذ نعيش على أعصاب مشدودة تترقب بين اللحظة والأخرى خبراً على شاشات الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي.
منذ بضعة أيام، نتبادل الأحاديث أسفيرياً (عبر الإنترنت) أنا وأهلي وكثيراً من الاتصالات، نتقلَّب على جمر الانتظار، نقرأ قوائم الجرحى والموتى، باحثين وباحثات عن أخي الصغير.
وُلد هذا الصغير إبان حرب دارفور الأولى التي بدأت عام 2003، تحديداً في عام 2006، ليجد نفسه في عام 2026 مضطراً إلى ترك مقاعد دراسته الجامعية من كلية العلوم الإنسانية والنزوح نحو مناجم الذهب حتى يكون "دهّابياً". وبعدما استطاع النجاة جسدياً من الحرب الأهلية الدائرة في السودان منذ نيسان/ أبريل 2023 والمستمرة إلى الآن، لا نعلم عن مصيره شيئاً منذ أيام.
و"الدهّابة" لمن لا يعلمهم، هم الأشخاص الذين يعملون في التعدين الأهلي أو التقليدي، أي البحث عن الذهب، وكثيراً ما ارتبط هذا العمل بالتهريب العابر للحدود، ويشيع المصطلح في سياق ما يحدث على الحدود المشتركة بين السودان ومصر.
رغم أن أخي ليس معيلاً، لكنه قرّر أن يتهرّب من التواصل مع عدد من أفراد أسرتنا، بمن فيهم أنا، لأننا نحدّثه كثيراً عن أهمية استكمال تعليمه الجامعي مع وعود منّا بتغطية احتياجاته المادية. لكنه كان يطمح إلى جني الأموال من أجل السفر إلى إحدى الدول الأوروبية بتشجيع من واحد من أصحابه.
قبل أيام، أعلن الجيش المصري "تنفيذ المرحلة الثالثة من الحملة المكبرة لمجابهة أعمال التنقيب غير المشروع عن خام الذهب بالصحراء الشرقية"، فيما نقلت تقارير إعلامية مقتل أكثر من 60 مُعدّناً وإصابة نحو 150 آخرين، جرّاء القصف الجوي على منطقة "شمال الوادي".
سمعنا الأخبار عن الغارات الجوية المصرية التي تستهدف المناجم المحتمل وجوده فيها، ثم أخبرنا أخي الأصغر: "أخونا فاروق وصل أسوان مع صحبة قبل نحو الشهرين ورجع على مناجم الذهب وكان آخر اتصال منه من هناك قبل ثلاثة أسابيع (دون أن يوضح هل هو في منجم داخل مصر أو في السودان) ولا نعلم إن كانت هذه الغارات على مناطق يعملون بها أم لا. لكننا فقدنا الاتصال به".
منذ ذلك الحين، نواصل متابعة تداعيات هذه الغارات من خلال صفحات عدة في مواقع التواصل الاجتماعي، نتحرّى أسماء من جرحوا ومن قتلوا لدرجة أنني أحياناً أشعر أن عقلي فقد القدرة على استيعاب المعلومات.
خلف كل رقم نراه أو نقرأه في الأخبار، توجد حكاية إنسان… مراهق أو شاب سوداني، كَبُر وسط الحروب أو آثار الحروب أو ربما لا يزال طفلاً. بينهم مَن ترك تعليمه لأنه ليس لديه خيار آخر سوى أن يلحق أحلامه عبر مناجم الذهب، وأن يصبح "دهّابياً"، للبحث عن حياة كريمة.
هؤلاء الشباب والأطفال ليسوا حالات فردية، بل يعكسون مأساة أجيال، منهم من أُجبروا على حمل مسؤوليات ثقيلة على أكتافهم، ومنهم مَن فقد الأمل وتدمَّرت نفسيته بسبب الحرب وأحياناً أخرى نتيجة غياب المعيل.
ولأن سبل العيش انقطعت في المدن والقرى المهدَّمة في السودان، لم يكن أمام هؤلاء الشباب سوى امتهان الخطر والسفر نحو مناجم الذهب في الصحراء القاحلة، في عمل غير مشروع يصارعون من خلاله الموت تحت الشمس الحارقة والظروف غير الإنسانية، بحثاً عن بصيص أمل لحياة بكرامة وحقوق اقتصادية إلى أن اصطدموا بالذل أو بموت مجاني جديد.
الأخبار المتداولة تتحدّث عن تعرّض مناطق المناجم والشريط الحدودي لغارات جوية مصرية. ومنذ تلك اللحظة، انقطعت أخبار أخي، وعمّت علامات الاستفهام والغياب.
لست هنا كي أبرّر فعلاً غير قانوني، وإنما أتحدّث هنا، كأخت كبرى، مشدودة الأعصاب بين شاشات الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي تبحث عن شقيقها الأصغر… أنشر صورته لعلّ وعسى، بينما مشاهد الضحايا والأجساد المتطايرة -خصوصاً "الأطفال الدهابة"- في التايملاين السوداني تكاد تفتك بقلبي
أخبار متضاربة عن مفقودين، ومسجونين، وجرحى، جوعى وعطشى، وبعض المستضافين في القرى القريبة من المناجم، وعن ناس تاهت في الصحراء بين مصر والسودان. وفي المقابل، توجد أسر عاجزة حتى عن الذهاب للبحث عن أولادها بسبب الحدود والشتات والظروف الاقتصادية القاسية.
شيء آخر أليم هو التعامل مع "الدهّابة" السودانيين، مثل أخي، كأنهم مجرد أرقام في نشرات الأخبار، أو مادة للمهاترات الإعلامية فقط أو توليد صور بالذكاء الاصطناعي والحديث عنهم بطرق غير إنسانية.
الدهّابة ليسوا أهدافاً عابرة ولا مجرد عناوين في الأخبار، هم أناس حقيقيون، لديهم حق الحياة، لديهم أسماء، ولديهم أمهات وأسر تنتظر رجوعهم بفارغ الصبر. هم شباب هربوا من الحرب التي أكلت الأخضر واليابس، فوجدوا أنفسهم محاصرين في الخوف.
عند كل محاولة بحث، نسمع ونقرأ تفاصيل تزيدنا اختناقاً وأحياناً نقفل الخط دون وداع بعضنا البعض بسبب أخبار مثل: "فيه دهّابة محاصرين في المناجم"، "فيه دهّابة عطشانين"، "دهّابة هربوا إلى الصحراء"، "فيه دهّابة في السجون"... هذه صرخات لشباب يواجهون كوارث ويموتون في ظروف ليست لديهم أي ذنب فيها، شباب كانوا يبنون أحلاماً لحياتهم، فإذا بهم يتحوّلون إلى مفقودين في الصحراء دون معرفة أوضاعهم.
ما ذنب هؤلاء الشباب الذين حُرموا من كل حقوقهم؟ أليس الحق في الحياة فوق أي حسابات؟ وكيف نسمح أن تصبح حياة الإنسان السوداني رخيصة إلى هذه الدرجة؟ وأن تتحوّل إلى مجرد خبر هامشي في صراع لا علاقة لهم به؟ وإلى متى تدفع الأجيال ثمن أزمات سياسية وعسكرية لم تصنعها ولا تعرفها حتى؟
أقل حق من حقوق هؤلاء "الدهابة" وحقوق أسرهم التي تنتظرهم بلوعة، أن نتعامل معاهم كبشر حقيقيين، وأن نطالب بحمايتهم وكشف مصير المفقودين منهم، ومعرفة الحقيقة ومحاسبة الفاعل، وأن نتوقّف عن التعامل مع قضاياهم بمنطق الأرقام والمهاترات.
لست هنا كي أبرّر فعلاً غير قانوني أو أن أطالب بمخالفة القوانين، وإنما أتحدّث هنا، كأخت كبرى، مشدودة الأعصاب بين شاشات الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي تبحث عن شقيقها الأصغر… أنشر صورته لعلّ وعسى، بينما مشاهد الضحايا والأجساد المتطايرة -خصوصاً "الأطفال الدهابة"- في التايملاين السوداني تكاد تفتك بقلبي.
أخبار متلاحقة تستمر في تحطيم ما تبقّى من أمل لديّ. بالأمس فقط، شعرت وكأن عقلي توقّف عن العمل تماماً، كنت أنظر إلى اللابتوب بدون أن أتذكّر ما كنت أفعله. لا أستطيع وصف شعوري حتى في هذه الأسطر.
يؤلمني أيضاً عدم استطاعتي إيجاد أجوبة لأسئلة والدي الملحّة عن مكان أخي وأحواله بينما تظن أمي أن الإنترنت ووسائل التواصل قادرة على جلب معلومات عنه.
قبل أيام قليلة، كنت في العاصمة السنغالية داكار، أحاول متابعة حوارات حقوق الإنسان والشعوب والمشاركة فيها. شاركت في عدة جلسات ولقاءات محاولةً مناصرة قضايا عديدة مع جنسيات مختلفة. لكنني كنت أخرج مراراً وتكراراً من قاعات النقاش لأجل استقبال مكالمات أهلي، أو كي أنظر كثيراً إلى شاشة هاتفي على أمل أن يصلني إشعار أو رسالة تطمئن قلبي عن أخي الذي بين المناجم.
في إحدى المرّات، سألتني إحدى المشاركات، والتي لم يسبق لنا اللقاء، عمّا إذا كنت بخير، فأجبتها بـ"نعم"، لكنني لم أكن بخير، وبصراحة لست كذلك الآن.
كيف لي أن أكون بخير وأنا أحاول طوال 20 عاماً ترميم نفسي من صدمات الحروب التي لم تنتهِ، لأجدني الآن مضطرةً أن أراقب بأسىً كيف يُدفع أخي وجيل الشباب والأطفال دفعاً إلى قاع المناجم المظلمة بحثاً عن بصيص حياة، فيتعرّضون للإذلال ويختبرون الموت مراراً بل وقد يموتون هناك فعلاً وكل هذا بسبب أزمات لم يصنعوها قط وحروب لم يشتركوا فيها، ولا يعلمون أسبابها.
هذا الألم ثقيل جداً، لا سيّما أننا كعائلة عجزنا حتى عن دعم بعضنا البعض نفسياً كما لا نستطيع أن نسافر للبحث عن أخي حياً كان أو غير ذلك لا قدَّر الله… عجز بسبب توزيعنا قسراً في ست دول مختلفة، تفرّقنا مسافات وحدود جغرافيّة وسياسية.
من يقف وراء كل هذا؟ وما ذنب أخي ومن معه؟ هؤلاء الشباب يعملون لصالح شركات كبيرة أو تجار كبار وتعرّضوا للاستغلال، فالتاجر يبيع لهم المياه والطعام مقابل الذهب أو بأسعار غالية جداً، ولا يجنون في المقابل المبالغ الطائلة. لذا أتعجّب أي نوع من العمالة هذا؟ وهل سنحظى يوماً بفرصة أن نعيش -كسودانيين وكأسرة- بشكل طبيعي مثل باقي البشر؟ ألا يكفي أن نتفرّق كأسرة واحدة في ست دول؟ أن نعجز أن نكون معاً وقت المحن؟
كأسرة، كل ما آمله الآن أن نتحصّل على معلومات عن أخي قريباً وأن أُخبر أبي ويرتاح قلب أمي، ويعود أخي لممارسة حياة طبيعية بكل حقوقه وأن نعود لتبادل الاتصالات كأسرة دون أن نتهرّب من بعضنا البعض بسبب عدم توافر معلومات مطمئنة عن أخي.
Loading ads...
كما أتمنى العدالة لكل "الدهابة" المغرّر بهم، أن يعاملوا وفق القانون، وألا يتعرّضوا لأي إذلال أو تجويع أو قتل بقصف جوي يعاملهم كما لو أنهم "حشرات" أو أشخاص خطرين لا حقوق لهم ولا حق لهم في الحياة، وأتمنى أن يُحاسب كل شخص ساهم في وجودهم في هذا الموقف الخطير الجزاء الذي يستحقه وكذلك كل من انتهك حقوقهم.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





