ساعة واحدة
مسار التهدئة بين "قسد" ودمشق وأهمية دور مدينة كوباني فيه
الإثنين، 2 فبراير 2026

بينما كان مسار التفاوضات والتهدئة يجري بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية خلال الأيام الفائتة، كانت أنظار العالم تتجه نحو مدينة عين العرب/كوباني، المدينة التي شهدت أول هزيمة استراتيجية كبرى لتنظيم “داعش” الإرهابي، والتي كانت محاصرة من قبل قوات “الجيش السوري”. وقد تصاعدت الدعوات لفك الحصار عنها، فضلاً عن مطالبة “قسد” بوقف الهجمات عليها ووضعها ضمن أولويات المفاوضات مع دمشق، وهو ما منحها مكانة خاصة، إذ لم تكن جبهة قتال في الشمال السوري، وإنما “ميدان اختبار” حاسم لمستقبل التفاوض والتهدئة بالكامل.
وفي الوقت الذي كانت فيه الاشتباكات الميدانية على أشدّها في أرياف عين العرب/كوباني، كانت تُبذل جهود دبلوماسية مكثفة خلف الكواليس لإنقاذ المسار التفاوضي المتعثر بين الإدارة السورية الجديدة وقوات سوريا الديمقراطية، والذي أفضى أخيراً إلى اتفاق بين الطرفين أُعلن عنه صباح اليوم الجمعة، مع منح عين العرب/كوباني خصوصية خاصة، تمثّلت بتشكيل لواء لقوات كوباني ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب.
وتأتي هذه التطورات في لحظة فارقة، إذ تقف فيها البلاد بين مساعي الانفتاح الاقتصادي وطموحات السوريين في العيش بسلام، وضمان توزيع عادل للثروات والمهام.
دور كوباني بمسار التفاوض
بالتوازي مع استمرار الاشتباكات العسكرية وخرق اتفاق التهدئة بين طرفي الصراع خلال الأيام الفائتة في أرياف مدينة عين العرب/كوباني بريف محافظة حلب الشمالي الشرقي، أكد القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، يوم الأحد الفائت، 25 كانون الثاني/يناير الجاري، أن مدينة عين العرب/كوباني ستقود المرحلة المقبلة بعد تفاهمات تمنع دخول القوات الحكومية إلى القرى الكردية هناك.
وأشار عبدي في مقابلة مع قناة “روناهي” المحلية إلى أن التحركات الراهنة واتفاق وقف إطلاق النار الأخير جاءت برعاية أميركية ودولية واسعة، تشمل فرنسا بقيادة الرئيس إيمانويل ماكرون، مؤكداً استمرار الحوار مع الحكومة السورية لبحث تفاصيل إضافية في المرحلة المقبلة، وبالفعل، وبعد جولات تفاوض عديدة، تم التوصل إلى اتفاق اليوم الجمعة.
وعليه، باتت مدينة عين العرب/كوباني مع الاتفاق الأخير بين الطرفين إلى ركيزة مركزية في إعادة هندسة العلاقة بينهما. فبعد أشهر من التصعيد المتقطّع والتهدئة الهشّة، منح الاتفاق عين العرب/كوباني موقعاً متقدّماً في معادلة الاستقرار.
ويرى الباحث السوري ضياء محمد في حديثه مع “الحل نت” أن “التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة السورية اليوم فرضت ضرورة ملحة لانتقال الإدارة الجديدة وقوات سوريا الديمقراطية من لغة التصعيد إلى طاولة الحوار، إذ بات مسار التفاهمات خياراً حتمياً لا بديل عنه لتجاوز تعقيدات الواقع الميداني وضمان استقرار البلاد ومنع الانزلاق نحو حرب أهلية جديدة”.
ويضيف: “أصبح التفاهم والحوار ضرورة استراتيجية ووطنية تفرضها عدة عوامل حاسمة، منها على سبيل المثال التوصل إلى اتفاق سياسي يقطع الطريق أمام أي مشاريع تقسيمية، ويضمن بقاء مناطق شمال وشرق سوريا كجزء لا يتجزأ من الدولة السورية ضمن إطار يضمن حقوق الجميع، مما يمنع التدخلات الخارجية التي تستغل الثغرات الأمنية والسياسية. فلا تزال خلايا تنظيم (داعش) تشكل خطراً قائماً، والتنسيق بين الإدارة الجديدة و(قسد) يضمن استمرار الجهود الأمنية والعسكرية لمحاربة الإرهاب ومنع عودة التنظيم للظهور في الفراغات التي قد يخلفها الصراع الداخلي”.
ويتابع ضياء في حديثه قائلاً: “يجب أن يضمن التفاهم توزيعاً عادلاً للموارد الطبيعية على كامل الشعب السوري، ويسهّل إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه، التي تعتمد على الربط بين مختلف المناطق. ويُتحقق ذلك من خلال التوافق الداخلي عبر الاتفاق الوطني بين جميع الأطراف. كما يسحب هذا التوافق الداخلي السوري-السوري الذرائع من القوى الإقليمية التي تتدخل عسكرياً في الشمال السوري بحجة ‘الأمن القومي’. إضافة إلى ذلك، تحتاج الإدارة السورية الجديدة إلى شرعية واعتراف من كافة المكوّنات السورية، ومشاركة ‘قسد’، التي تمثل طيفاً واسعاً من الكرد والعرب والسريان، في العملية السياسية يعزز فرص حكم تشاركي يضمن حقوق الأقليات والإدارات اللامركزية”.
دور الوساطة الدولية في الاتفاق
ينص الاتفاق بين دمشق و”قسد” على إيقاف شامل لإطلاق النار، والبدء بعملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية، مع انسحاب القوات الحكومية من نقاط التماس مع “قسد”، ودخول قوات الأمن التابعة لـ”وزارة الداخلية” بالحكومة السورية الانتقالية إلى مركزي الحسكة والقامشلي، بالتوازي مع دمج المؤسسات المدنية “للإدارة الذاتية” ضمن مؤسسات الدولة السورية وتثبيت الموظفين.
لكن، وبهذا المعنى، لا يقدّم الاتفاق حلاً نهائياً للصراع بقدر ما يؤسس لإطار تنظيمي لإدارته، يحدّ من الانفجار العسكري ويمنح السياسة مساحة أوسع. وهنا تبرز عين العرب/كوباني كنموذج، مدينة لم تدخلها قوات الحكومة عسكرياً، لكنها دخلت في صلب الاتفاق السياسي والعسكري.
وقد لعبت الولايات المتحدة وفرنسا دوراً محورياً في الانتقال من تهدئة مؤقتة إلى اتفاق معلن. فالدور الأميركي، الذي كان يُنظر إليه سابقاً بوصفه “صمام أمان” يمنع الانهيار، تحوّل اليوم إلى رعاية مباشرة لمسار الدمج، مع إضفاء غطاء دولي يمنح الاتفاق وزناً سياسياً وأمنياً.
رغم أهمية الاتفاق، يبقى التحدي الحقيقي في التنفيذ الفعلي. وعودة النازحين إلى عفرين ورأس العين/سري كانيه، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للكرد، ستشكّل مؤشرات مبكرة على جدّية المسار.
وفي هذا السياق، قالت مسؤولة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية”، إلهام أحمد، إن الاتفاق يشكّل “خطوة مهمة على طريق الاستقرار”، معربة عن أملها في أن تضطلع واشنطن وباريس بدور الضامن لإنجاح عملية الدمج، موضحة أن دخول قوات الأمن الحكومية يأتي في إطار ضمان تنفيذ دمج مسؤول ومتدرّج، قائم على الشراكة، ويحفظ كرامة جميع المكوّنات، ويمهّد لتنمية عادلة ومتوازنة في مختلف المناطق.
وبالتالي، يحمل تصريح أحمد دلالات، منها التحذير من الانهيار إلى الاستثمار السياسي في الاتفاق، مع تحميل الضامنين الدوليين مسؤولية مباشرة في ضمان نجاحه.
من جانبه، يرى الباحث ضياء محمد أن قدرة الوساطة الأميركية على إنقاذ التفاهمات بين “قسد” والإدارة السورية الجديدة ربما اعتمدت على توازنات دقيقة، أبرزها الوجود العسكري الأميركي في شرق الفرات وشراكتها مع “قسد” في محاربة “داعش”، ما يعمل كـ”صمام أمان” يمنع أي طرف من التصعيد الشامل. حيث تدرك الإدارة بدمشق أن تجاوز الخطوط الحمراء قد يؤدي إلى صدام مع القوات الأميركية أو فرض عقوبات إضافية.
ويردف في حديثه لـ”الحل نت” أن إشراك فرنسا يمنح الاتفاق غطاءً دولياً، ويضمن لـ”قسد” أن “الصفقة سياسية معترف بها وليست مجرد إذعان”. ورغم ذلك، يبقى الخطر قائماً من القوى الإقليمية التي قد تحاول تقويض أي تقارب كردي-سوري. ويخلص محمد إلى أن نجاح الوساطة في تحقيق إنقاذ دائم يتوقف على استعداد واشنطن لتقديم ضمانات أمنية طويلة الأمد، ومرونة دمشق في قبول صيغة حكم تشاركية.
ضمان بقاء “قسد” ككتل عسكري
أحد أبرز مخاوف “قسد” خلال مراحل التفاوض السابقة كان احتمال تفكيكها أو دمجها كـ”أفراد” بشكل يفرغها من مضمونها السياسي والعسكري. إلا أن الاتفاق، وخصوصاً بند تشكيل ثلاثة ألوية ضمن فرقة عسكرية، إلى جانب لواء كوباني، يعني بقاء “قسد” كقوة منظّمة، وإن كان بمرجعية جديدة ضمن “وزارة الدفاع” بالحكومة الانتقالية بدمشق.
ورغم أهمية الاتفاق، يبقى التحدي الحقيقي في التنفيذ الفعلي. فنجاح مسار الدمج مرتبط بمدى التزام الحكومة السورية الانتقالية ببنود الاتفاق، وبقدرة واشنطن وباريس على لعب دور الضامن الفعلي، لا الشكلي فقط. كما أن عودة النازحين إلى عفرين ورأس العين/سري كانيه، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للكرد، ستشكّل مؤشرات مبكرة على جدّية المسار.
ختاماً، لم تعد مدينة عين العرب/كوباني مجرّد “ترمومتر” للتصعيد مجدداً، بل تحوّلت إلى حجر زاوية في معادلة الاستقرار السوري الجديد. فإذا كُتب للاتفاق أن يُنفّذ كما هو معلن، ستكون عين العرب/كوباني البوابة التي عبرت منها سوريا من إدارة الحرب إلى تنظيم السلام الهشّ.
Loading ads...
أما إذا تعثّر التنفيذ، فإن ذلك، ورغم الوساطة الأميركية والفرنسية، قد يؤدي إلى فقدان “قسد” ثقتها في جدوى المظلة الدولية، ويمنح دمشق مبرراً للتحلل من التزاماتها السياسية، مما يفتح الباب أمام حروب استنزاف طويلة الأمد لا رابح فيها أحد، بل سيكون السوريون وبلدهم وحدهم الخاسرون.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





