6 أشهر
ثورة "اللاعودة": عندما يتحول الريال المنهار إلى رصاص في قلب "ولاية الفقيه"
الإثنين، 5 يناير 2026

بينما كان الإيرانيون يستقبلون عام 2026 على وقع أزماتٍ متراكمة، لم يكن انهيار العملة الوطنية مجرد رقم جديد في سجل التدهور الاقتصادي، بل شرارة أشعلت واحدة من أوسع موجات الغضب الشعبي منذ سنوات. فالريال المنهار لم يضغط فقط على القدرة المعيشية، بل تحوّل سريعًا إلى رمز لانهيار أعمق يطال شرعية الحكم نفسه.
في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025، بدأت الاحتجاجات من قلب “البازار الكبير” في طهران، حيث أغلق التجار متاجرهم احتجاجًا على الانخفاض الحاد في قيمة الريال. وما لبثت هذه الحركة المطلبية أن خرجت من إطارها الاقتصادي، لتتحول خلال أيام إلى انتفاضة سياسية امتدت إلى عشرات المدن والمحافظات، رافعة شعارات تطالب بإنهاء الحكم الديني وإجراء انتخابات حرة.
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، دخلت الشوارع الإيرانية مرحلة غليان غير مسبوقة، في مشهد يعكس تداخل الأزمات الداخلية مع لحظة إقليمية ضاغطة، جعلت النظام يواجه تحديات متزامنة في الداخل والخارج.
الشوارع الإيرانية على صفيح ساخن
غير أن هذا الاحتجاج الاقتصادي سرعان ما فقد طابعه الفئوي، ليتحوّل خلال أيام إلى موجة غضب عابرة للطبقات والمدن، تحمل مطالب تتجاوز سعر الصرف إلى جوهر النظام نفسه، وفي مقدمتها إنهاء الحكم الديني وفتح الباب أمام انتخابات حرة.
شهدت المدن الرئيسية في إيران خلال معظم هذا الأسبوع إغلاقات واسعة نفذها المتظاهرون، احتجاجًا على تدهور الأوضاع الاقتصادية وما يصفونه بتفشي الفساد وسوء الإدارة من جانب الحكومة ذات الطابع الديني، وسط تصاعد في وتيرة العنف الميداني.
ومنذ انطلاق الاحتجاجات في طهران في 28 كانون الأول/ديسمبر الماضي، امتدت، وتُعدّ الأكبر من نوعها منذ ثلاث سنوات، إلى ما لا يقل عن 40 مدينة إيرانية.
ووفق مصادر رسمية إيرانية، أسفرت الأحداث حتى الآن عن مقتل 12 شخصًا على الأقل، بينهم عناصر من قوات الأمن. في المقابل، تشير منظمات حقوقية إلى ارتفاع عدد القتلى إلى ما لا يقل عن 17 شخصًا، فيما أفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا) بأن عدد المعتقلين بلغ 582 شخصًا، إضافة إلى إصابة ما لا يقل عن 44 متظاهرًا بالرصاص منذ بدء الاحتجاجات.
وفي محاولة لامتصاص الزخم في الشوارع، لجأت السلطات إلى سلاح “الإغلاق القسري”، حيث فرضت عطلة رسمية شاملة للمؤسسات العامة، مبررة ذلك رسمياً بـ “برودة الطقس وضرورة توفير الطاقة”، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة يائسة لتفريغ المدن من الحشود وتقييد الحركة.
ويعلّق الباحث في السياسة الدولية هشام عبد المقصود، في حديثه مع “الحل نت”، قائلاً: “تعيش الدولة الإيرانية اليوم حالة من الغليان فوق صفيح ساخن، حيث ترسم التطورات الأخيرة ملامح مرحلة حرجة تهدد بنية النظام من الداخل والخارج”.
ويشير عبد المقصود إلى أن هذا الغليان الداخلي يتزامن مع تراجع غير مسبوق في موقع إيران الإقليمي، موضحًا: “منذ الهجوم الإسرائيلي الأخير، تواجه طهران واقعًا استراتيجيًا مريرًا يتمثل في تآكل بنيتها التحتية العسكرية وشلل مشروعها النووي، فضلًا عن انكماش نفوذها الإقليمي إلى أدنى مستوياته”.
اتساع رقعة المظاهرات في إيران.. وسقوط ضحايا اتسع نطاق المظاهرات ضد النظام الإيراني، التي اندلعت قبل أيام بسبب تدهور اقتصاد البلاد وسوء الأحوال المعيشية.وبحسب حصيلة أولية، فإن نحو 10 أشخاص قتلوا حتى الآن خلال محاولة قمع المظاهرات في مناطق متفرقة من إيران.وتعد الاحتجاجات هي… pic.twitter.com/x8Qldf1VqV— الحل نت (@7alpress) January 2, 2026
ويضيف أن فقدان أوراق القوة الخارجية جاء في توقيت بالغ الحساسية، حيث يقول: “يأتي هذا المخاض الداخلي في وقت فقدت فيه طهران أوراق قوتها الخارجية؛ فمع سقوط أو إضعاف وكلائها في لبنان واليمن وسوريا، والارتباك الواضح في علاقتها مع الحشد الشعبي في العراق – الذي يحاول النأي بنفسه لتجنب الانجرار إلى صدام إقليمي شامل – وجدت إيران نفسها مقيدة داخل حدودها الجغرافية، مجردة من استراتيجية الدفاع الهجومي التي طالما اعتمدت عليها”.
وبحسب عبد المقصود، فإن هذا الانكفاء الخارجي ترافق مع تراكم أزمات داخلية عمّقت السخط الشعبي، إذ يوضح: “إلى جانب العزلة الخارجية، تراكمت الأزمات الداخلية لتخلق حالة من السخط الشعبي العارم”.
وفي هذا السياق، يرى الباحث أن الموجة الاحتجاجية الحالية تختلف نوعيًا عن سابقاتها، لافتًا إلى عوامل بنيوية تمنحها زخمًا مضاعفًا، ويقول: “الموجة الاحتجاجية الراهنة تكتسب زخمًا مختلفًا عن سابقاتها لعدة أسباب جوهرية؛ إذ انطلقت الاحتجاجات من طبقة التجار، وهي الفئة التي تمثل تقليديًا العمود الفقري للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي”.
ويشرح عبد المقصود دلالات هذا التحول الطبقي في الاحتجاجات، مضيفًا: “هؤلاء هم الأكثر تضررًا من التضخم الجامح وتبعات العقوبات الدولية، ما يمنح الحراك طابعًا بنيويًا لا مجرد غضب عابر. انخراط الطبقة التجارية يعني أن خزائن النظام ومصادر تمويله باتت في مواجهة مباشرة معه، وهو ما يعزز فرضية تطور هذه الاحتجاجات ميدانيًا وبشكل متسارع”.
ويخلص الباحث إلى أن تلاقي العوامل الخارجية والداخلية يضع النظام الإيراني أمام اختبار وجودي مفتوح، محذرًا من مسارات أكثر حدة، حيث يقول: “إن التقاء الانهيار العسكري الخارجي مع الغضب الاقتصادي الداخلي يضع النظام الإيراني أمام معضلة وجودية. ومع استمرار تدهور الريال وفقدان الردع العسكري، تصبح هذه الاحتجاجات مرشحة للانفجار نحو سيناريوهات أكثر حدة، تتجاوز المطالب المعيشية لتطال شرعية السلطة وقدرتها على البقاء”.
ولاية الفقيه هدف لرصاص الهتاف بعد انكسار الردع العسكري
لم تكن الشعارات التي صدحت بها الحناجر في شوارع إيران مطلع عام 2026 مجرد صرخات عابرة، بل جاءت كبيانات سياسية مكثفة تشرح خارطة الغضب الشعبي وتحدد بدقة مكامن الضجر من السياسات الداخلية والخارجية للنظام.
ولعل الهتاف الأبرز الذي تردد صداه في الأيام الأولى: “”لا غزة، ولا لبنان.. حياتي فداء لإيران”؛ هذا الشعار لم يكن موجهاً ضد القضايا الإقليمية في حد ذاتها، بل كان إدانة مباشرة لنهج “الانخراط الإقليمي” الذي تبنته طهران لعقود.
ويرى المتظاهرون أن الدعم المالي والعسكري اللامحدود لجماعات مثل “حماس” و“حزب الله” والحوثيين، إلى جانب الإنفاق الضخم لتثبيت النفوذ في سوريا، جاء على حساب المواطن الإيراني الذي يرزح تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة. وتمثّل هذه الهتافات صرخة للمطالبة بإعادة توجيه الموارد المنهوبة نحو الاحتياجات المحلية الملحّة.
وفي هذا السياق، يرى باحثون أن الاحتجاجات الحالية تجاوزت سقف المطالب التقليدية لتصل إلى تهديد مباشر لبنية النظام، حيث وثّقت مقاطع مصوّرة في مدينة “مرودشت” (جنوب البلاد) هتافات توعّدت بأن يكون عام 2026 “عام الدماء الذي سيشهد الإطاحة بعلي خامنئي”.
هذا التحول من انتقاد الحكومة إلى استهداف المرشد الأعلى شخصياً يعكس وصول العلاقة بين الشارع والسلطة إلى نقطة “اللاعودة”. في باحات جامعة طهران وغيرها من المحافظات، ارتفع سقف التحدي ليشمل الهيكل الأيديولوجي للدولة عبر هتاف: “الموت لمبدأ ولاية الفقي”. يمثل هذا الشعار ذروة الصدام السياسي، لأنه لا يستهدف شخص المرشد فحسب، بل يضرب في عمق الدستور والنظام السياسي الذي يمنح رجال الدين سلطة مطلقة تفوق المؤسسات السياسية المنتخبة.
إن انتقاد “ولاية الفقيه” علناً يعني أن الجيل الشاب بات يرفض الصيغة التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية منذ عام 1979. وظل شعار “الموت للديكتاتور” القاسم المشترك في كافة الساحات، من العاصمة إلى أبعد الأقاليم. هذا الهتاف، الممزوج بالغضب من الفساد وسوء الإدارة، يؤكد أن الحراك تجاوز فكرة “الإصلاح من الداخل” إلى فكرة “التغيير الجذري” للمنظومة السياسية بأكملها.
ويؤكد المراقبون السياسيون على أنه إلى جانب هذه الهتافات المباشرة هناك أسباب أخري دفعت المتظاهرين إلى الخروج إلى الشوارع مثل تجاوزت معدلات التضخم حاجز 42 بالمئة، وارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسبة تفوق 70 بالمئة، مما جعل تكلفة المعيشة فوق طاقة الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
ولا ينفصل الغضب الشعبي الراهن عن الذاكرة القريبة للمواجهة العسكرية مع إسرائيل في يونيو 2025، التي كشفت هشاشة منظومة الدفاع الجوي وعجزها عن حماية العاصمة ومدن كبرى، ما أسهم في تآكل صورة الردع العسكري للنظام.
تزامن ذلك مع تدهور متواصل في الخدمات العامة الأساسية، رغم الوعود المتكررة بالإصلاح، الأمر الذي حوّل السخط من مطالب معيشية جزئية إلى اتهام سياسي مباشر للنخبة الحاكمة والحرس الثوري بالاستيلاء على مقدّرات البلاد وسوء إدارة الموارد.
وفي هذا السياق، تتسع الفجوة بين تطلعات جيل الشباب، ولا سيما “الجيل زد” الذي يقود المواجهات الميدانية، وبين سياسات أيديولوجية متشددة لم تعد قادرة على إقناعه أو احتوائه.
خط ترامب الأحمر يربك طهران
دخلت الاحتجاجات الإيرانية منعطفًا دوليًا حساسًا مع دخول واشنطن على خط الأزمة بتصريحات شديدة اللهجة. إذ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب استعداد بلاده للتدخل المباشر في حال لجوء السلطات الإيرانية إلى القمع الدموي ضد المحتجين السلميين، واضعًا “خطًا أحمر” أمام طهران في رسالة نارية عبر منصته “تروث سوشيال”، قال فيها إن الولايات المتحدة “مستعدة ومسلحة” للتدخل إذا أطلقت إيران النار على المتظاهرين.
هذا الموقف رفع سقف التوتر الإقليمي، ودفع طهران إلى ردود فعل رسمية متسارعة، تمحورت حول رفض قاطع لأي تدخل خارجي. وحذّر مسؤولون إيرانيون من “عواقب إقليمية وخيمة”، معتبرين تصريحات ترامب انتهاكًا للسيادة.
وفي هذا السياق، وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الرسالة الأميركية بأنها “متهورة وخطيرة”، مؤكدًا أن الشعب الإيراني يرفض أي تدخل في شؤونه الداخلية، وهو الموقف الذي كرره المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي، مشددًا على أن الحل يجب أن يبقى “إيرانيًا داخليًا”.
بالتوازي، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن أي تغيير محتمل في إيران “سيأتي من الداخل”، مؤكدًا تعاطفه مع الشعب الإيراني. غير أن طهران تلقفت هذه التصريحات بغضب، واستخدمتها كأداة دعائية لتصوير الاحتجاجات على أنها جزء من “مؤامرة صهيونية–أميركية”، وهو ما عبّر عنه المرشد الأعلى علي خامنئي، حين اتهم ما وصفهم بـ“مرتزقة العدو” بالاختباء خلف احتجاجات التجار ورفع شعارات معادية للجمهورية الإسلامية.
Loading ads...
وأخيراً، بين وعيد ترامب ‘المسلح’ وإصرار المتظاهرين على التغيير الجذري، تترنح إيران بين مطرقة الانهيار الاقتصادي وسندان التدخل العسكري المحتمل. إن الأيام القادمة لن تحدد فقط مصير العملة الإيرانية، بل ستحدد شكل الهوية السياسية لبلد يبحث شعبه عن مخرج من أزمات مركبة استنزفت ثرواته لعقود. ومع تصاعد الهتافات في الميادين، يبقى السؤال القائم: هل ينجح الرهان على التغيير من الداخل، أم أن ‘صفيح إيران الساخن’ سينفجر ليغير وجه المنطقة بأكملها؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




