الاحتلال نبش جثامين الشهداء في مقبرة البطش شرق قطاع غزة.
لم يخفت وجع أم أشرف أبو عسكر منذ يوم استشهدت ابنتها شيماء، بل عاد أشد قسوة حين أخرجت من قبرها من داخل مقبرة البطش شرق مدينة غزة من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي.
ففي لحظة لا تشبه أي فجيعة عرفتها من قبل، وصلها الخبر الذي كسر ما تبقى من صبرها، "جرافات جيش الاحتلال الإسرائيلي نبشت قبر ابنتك"، ولم يكن الخبر عن قصف جديد، ولا عن شهيدٍ آخر، بل عن انتهاك آخر ما تبقى من السكينة.
تقول أم أشرف، بصوت متعب يحمل سنوات من الفقد: "ظننت أن الألم انتهى عندما دفنت ابنتي وعائلتها، لكنهم أعادوا فتح الجرح من جديد، ولم يتركوا لنا حتى قبور أولادنا".
وتوضح أم أشرف أن الخبر وقع عليها كالصاعقة، فهي التي ودّعت شيماء في نوفمبر 2023، بعد أن استشهدت مع زوجها محمد وطفلتيها شام ونورة، إثر غارة إسرائيلية استهدفت منزلهم.
لم تكن شيماء، كما تقول والدتها في حديثها لـ"الخليج أونلاين"، رقماً في سجل الشهداء، بل كانت ابنة صبورة تشبه أمها في التحمل، وحاولت أن تصنع دفئاً مستحيلاً لطفلتيها تحت القصف.
وتضيف: "كانت تحضنهما وتقول لهما إن كل شيء سيمر وهذه الليالي لن تستمر ولكن قصفها جيش الاحتلال مع زوجها وطفلتيها بصاروخ".
إسرائيل نبشت مئتي قبر لرفات فلسطينيين في مقبرة شرق مدينة غزة، بحثاً عن جثة الجندي الإسرائيلي الوحيدة المتبقية في قطاع غزة.تدّعي إسرائيل أن لديها معلومات تفيد بأن الجثة دُفنت من دون إدراك من دافنيها على أنها تعود لجندي إسرائيلي.قد يصل عدد القبور التي يتم نبشها إلى 500، وعند… pic.twitter.com/t6BLwaQkoB
— Tamer | تامر (@tamerqdh) January 26, 2026
دفنت العائلة يومها في مقبرة البطش شرق مدينة غزة، وكان ذلك، بحسب الأم، الوداع الأصعب في حياتها، لكنها لم تكن تعلم أن الاحتلال سيلاحقهم حتى في قبورهم، خلال عمليات بحث عن جثة شرطي إسرائيلي، انتهت بانتهاك مئات القبور، من بينها قبر ابنتها.
وتتابع أم أشرف: "بعد عامين تقريباً من استشهاد شيماء وعائلتها، عاد الاحتلال لا ليقصف البيوت، بل لينبش القبور، حين علمت أن مقبرة البطش نبشت، شعرت أن قلبي هو الذي أخرج من مكانه، لأن ابنتي وزوجها وطفلتيها هناك".
وتضيف بمرارة: "هذا فعل لا يقوم به إلا من تجرد من إنسانيته، لماذا ينبشون جثثاً لا تشكل لهم أي خطر".
وتصف الأم ما قامت به جرافات الاحتلال بأنه عمل إجرامي وغير إنساني، مؤكدة أن جميع الأديان السماوية تكرم الموتى وتحفظ حرمة قبورهم، "حتى الميت لم يسلم منهم"، وتقول: "قتلوا أولادنا أحياءً، ثم عادوا لينتهكوا أجسادهم بعد الموت".
وتحاول أم أشرف الوصول إلى المقبرة للبحث عن جثة ابنتها وعائلتها ولكن لم تنجح في ذلك، بسبب تواجدها بالقرب مما يعرف بالخط الأصفر وقيام جيش الاحتلال الإسرائيلي بإطلاق النار بكثافة على كل من يقترب من تلك المنطقة.
تسعى الأم المكلومة إلى تكريم ابنتها من خلال العثور عليها بين جثامين الشهداء الذين نبشت قبورهم ودفنها من جديد برفقة عائلتها، وإطفاء النار التي عادت لتشتعل من جديد في قلبها على فقدها وإخراج جثتها.
لا تعلم الأم ما هو حال جثة ابنتها وعائلتها، بعد عملية نبش القبور، وهل هي الآن لدى جيش الاحتلال، أم موجود في العراء.
في السياق ذاته، أدانت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية بأشد العبارات قيام الاحتلال الإسرائيلي بنبش قبور الأموات والشهداء في عدة مقابر بالقطاع، وعلى رأسها مقبرة البطش شرق مدينة غزة، معتبرة ذلك انتهاكاً صارخاً لحرمة الموتى، وتجاوزاً خطيراً لكل القيم الدينية والإنسانية والقوانين الدولية.
وأكدت الوزارة، في تصريح وصل "الخليج أونلاين" نسخة منه، أن هذه الجرائم تكشف الوجه الحقيقي للاحتلال الذي لا يراعي أي اعتبارات أخلاقية أو إنسانية، حتى تجاه قبور الشهداء، مبينة أن الاحتلال دمر نحو 40 مقبرة من أصل 60 في قطاع غزة، كان آخرها إعادة تدمير مقبرة البطش ونبش مئات القبور، في سابقة خطيرة تهدف إلى طمس الهوية وامتهان كرامة الشعب الفلسطيني.
وأوضحت الوزارة أنها ستبذل، بالتعاون مع الجهات المعنية، كل الجهود الممكنة لإعادة دفن الجثامين بما يليق بكرامة الإنسان، رغم الظروف الصعبة وشح الإمكانات، محمّلة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن هذه الجرائم، وداعية المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية إلى التحرك العاجل لوقف هذه الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
Loading ads...
بالنسبة لأم أشرف، لا تعني البيانات الكثير بقدر ما تعنيه الذاكرة، تقول في ختام حديثها لـ"الخليج أونلاين": "أريد فقط أن تنام ابنتي بسلام. هذا أقل حق لها… أن تُدفن بكرامة".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





