38 دقائق
عندما يتلعثم الطب أمام الموت.. عن أطباء في شيكاغو يبحثون عن كرامة الإنسان خارج النص العلمي
الإثنين، 28 سبتمبر 2026

وسط ضجيج جهاز التنفس الاصطناعي في أحد مستشفيات شيكاغو، تلاشت الكلمات الأخيرة لأبٍ محتضر قبل أن تصل إلى أذن ابنه عبر الهاتف. لم يكن أمام الطبيب طارق لطيف سوى أن يُقرّب جهاز الهاتف من فم المريض، ومع تداعي الأصوات تحت وطأة الآلة، أخذ ينطق بالكلمات نيابة عنه، جملةً تلو أخرى عبر الميكروفون. ورغم أن الابن هرع ليلحق بأبيه، إلا أن الوالد كان قد غاب عن الوعي تماماً قبل لحظات من وصوله.
لم تكن هذه اللحظة حادثة عابرة في حياة لطيف، بل كانت نقطة التحول التي زلزلت يقينه المهني. فقبل ذلك بستة أشهر، كان قد أشرف على رعاية زوجة هذا الرجل خلال إصابتها بالمرض نفسه، ورافق العائلة في اتخاذ قرار يتيح لها الرحيل بسلام في بيتها.
والآن، يقف أمام الزوج وهو يخوض المخاض الأخير، متعباً إلى أقصى حد، بينما تحولت العلاجات والأجهزة التي تُبقيه على قيد الحياة إلى عائق مادي يمنعه من إلقاء تحية الوداع الأخيرة على أسرته.
في ذلك اليوم، مارس لطيف، البالغ من العمر أربعين عاماً، كل ما تدرّب عليه في أعرق الكليات الطبية، لكنه شعر بعجز شديد وهو يحاول فهم الحدود الحقيقية لدور الطبيب عندما يصبح الموت حتمية لا يمكن إرجاؤها.
لم تكن المسألة مجرد رغبة في العثور على إجابات إجرائية أفضل، بل كانت تساؤلاً كلياً عن أصل المشكلة: ما الغاية الحقيقية من الطب؟ وما الذي يمنح الموت مقومات الكرامة؟ ومن يملك حق القرار الأخير في جسد الإنسان؟
يعمل طارق لطيف طبيباً متخصصاً في الرعاية التلطيفية (الطب المتخصص في تخفيف آلام المرضى ومرافقة المحتضرين في مراحلهم الأخيرة)، غير أنه كلما اتسعت خبرته في أروقة المستشفيات، وجد نفسه يتجاوز حدود المعرفة التي يتلقاها الأطباء في الغرب. بدأ ينقب في الأسس الفلسفية التي تقوم عليها الأخلاقيات الطبية الحديثة، ليكتشف مفارقة صدمته على المستوى التطبيقي.
"على المستوى التطبيقي، بدت تلك الأخلاقيات بالغة التعقيد والترتيب، لكن حين تقصيت الأصول التي تستند إليها جميعاً، وجدتها هشّة للغاية بصراحة." د. طارق لطيف
ويتذكر لطيف ندوة أكاديمية تناظر فيها أستاذة بارزون حول ما إذا كانت القردة تملك حقاً في الحياة أعلى من الرضع البشر لمجرد امتلاكها قدرات إدراكية أعلى، معلقاً على ذلك بأن الإغراق في التجريد الذاتي ينتهي إلى نتائج تجافي طريقة تفكير البشر الطبيعيين.
قاده هذا التخبط إلى وجهة لم يتوقعها قط، حيث بدأت الرحلة بمحادثة عابرة حول الأخلاقيات الحيوية الإسلامية، ثم بحضور محاضرة في جامعة شيكاغو للدكتور عاصم باديلا، استمع فيها لطيف إلى عالم ينتقل بسلاسة واقتدار بين أروقة الطب السريري وأصول الفكر الإسلامي. حينها شعر لطيف لأول مرة أنه أمام شخصية ممتلئة بالتكامل، لا تطرح المصطلحات كشعارات مفككة، بل تنطلق من رؤية كونية متماسكة.
أجابت تلك المحاضرة عن حيرة في ذهنه، لكنها أورثته قلقاً جديداً: إذا كانت هذه المعرفة الرصينة موجودة بالفعل، فلماذا استغرق كل هذا الوقت ليعثر عليها؟ وهو الذي طالما وصف نفسه بأنه شخص حظي بتعليم تكلف مليون دولار، لكنه كان تؤرقه فكرة أنه لو أمهله الله في العمر عقوداً طويلة، فلن يكون قادراً حتى على فهم لغة القرآن وفك شفرات تراثه.
عاش لطيف لسنوات كأنه يسير في مسارين منفصلين: أحدهما يكرسه ليكون طبيباً حاذقاً، والآخر يخشى أنه لم يبدأ فيه إلا بشق الأنفس. ولتجاوز هذا الفصام الفكري، انتقل مع زوجته إلى شيكاغو ليوازن بين عمله كطبيب للمحتضرين، والتحاقه ببرنامج الماجستير في الأخلاقيات الحيوية بجامعة نورث وسترن، وانضمامه في الوقت نفسه لبرنامج يوم السبت في كلية "دار القاسم" الإسلامية.
وهناك، ولدهشته الشديدة، التقى المساران؛ فلم يعد بحاجة إلى خلع قبعته كمسلم عند باب المستشفى، بل أصبح يملك إطاراً مرجعياً متجذراً يتيح له ممارسة العلم بوعي وأصالة.
تقع كلية "دار القاسم" في مبنى هادئ بين المجمعات التجارية في ضاحية "هوفمان إستيتس" بشيكاغو. لا يشي مظهرها الخارجي بشيء، لكن جدرانها الداخلية تحتضن لوحة ذهبية تحمل اسم مولانا محمد قاسم النانوتوي، عالم القرن التاسع عشر الذي أسس مدرسة "دار العلوم ديوبند" إبان الاستعمار البريطاني للهند، حفاظاً على التراث العلمي للأمة.
وإلى جوار اللوحة، تمتد شجرة صفصاف مصنوعة من الفولاذ المطرق على الجدار. وفي الفولكلور، تشير الصفصاف إلى وجود المياه الدفينة تحت الأرض.
بالنسبة للشيخ محمد أمين خلوادية، مؤسس "دار القاسم"، تشكل هذه الشجرة رمزا للكلية نفسها؛ فالماء هو المعرفة، والمستكشف هو طالب العلم الذي يجد في البحث بغيته.
نشأ خلوادية في المملكة المتحدة قبل انتقاله إلى شيكاغو عام 1984، ودرس في المدارس الدينية بالهند وباكستان على كبار علماء الفقه والكلام. وهو يرى مشروعه امتداداً فكرياً للنانوتوي في قلب القوة العظمى المعاصرة، مراهناً على أن شيكاغو، التي يمازح البعض بتسميتها "شيكاغو الشريفة"، باتت المركز الأهم للمؤسسات الإسلامية في أمريكا.
"نتبنى فلسفة أوسع من الفلسفة الأصلية لأن العصر قد اختلف. تاريخياً، كان دور العالم أرحب بكثير من مجرد إمامة الصلاة أو تحفيظ الأطفال القرآن؛ فقد كان العلماء يصيغون الفكر الفقهي والأخلاقي ويوجهون الحياة العامة، قبل أن يسعى الاستعمار لتضييق هذا الدور وحصره داخل جدران المسجد." الشيخ محمد أمين خلوادية
من جانبه، يرى نعمان ظهير، مدير التواصل المجتمعي في الكلية، أن الكلية لا تسعى لمجرد رفع سقف التطلعات، بل تعمل على إعادة إرساء المعيار المفقود في تعريف "العالم"، ومن يملك أهلية تمثيل الفكر الإسلامي في السياقات المعاصرة الشديدة التعقيد.
تتجلى هذه الفلسفة الشاملة في تفاصيل القاعات الدراسية صباح كل يوم سبت؛ فعلى أحد المكاتب، تجاور نسخة "تفسير الجلالين" التي يعود أصلها للقرن الخامس عشر، دليل المنهجية الأكاديمية الأمريكية (دليل ترابيان) الشهير لدى طلاب الدراسات العليا. ويتنقل النقاش في الصف بسلاسة بين علوم التفسير الكلاسيكية، والقانون الدستوري، والأخلاقيات الطبية، وقضايا الحياة اليومية.
هذا الاتساق هو ما دفع أطباء وباحثين لإعادة ترتيب أولوياتهم، ولم يكن د. طارق لطيف الطالب الوحيد الذي جاء بحصيلة أكاديمية مرموقة مع شعور بوجود حلقة مفقودة.
فقد فضلت مريم رحمن التحاقها بـ "دار القاسم" على مواصلة درجة الدكتوراه بعد نيلها الماجستير في الدراسات الإسلامية من جامعة شيكاغو. كانت ترى أن تدريبها الجامعي الغربي علّمها كيف تفحص التراث كعنصر محايد وتدرسه من الخارج، لكنه لم يزودها بالأدوات اللازمة للتفكير من داخل هذا التراث أو مواجهة الافتراضات المعادية للإسلام (الإسلاموفوبيا) بنحو مؤثر، بل زاد من ترسيخها. وفي "دار القاسم"، وجدت بيئة تمنحها الثقة في عمق التراث ونزاهته الذاتية، واشتراطاً فكرياً يتجاوز أحياناً ما واجهته في أعرق الجامعات الغربية.
أما عائشة محسن، فقد قطعت رحلة طويلة من ملبورن بأستراليا بعد أن بحثت دون جدوى عن فرص مماثلة لمتابعة الدراسات الإسلامية المتقدمة لكونها امرأة، سواء عبر البرامج الإلكترونية أو في الدول ذات الأغلبية المسلمة. وفي "دار القاسم"، وجدت دراسة حضورية جادة إلى جانب علماء متمكنين.
ورغم أنها وجدت نفسها واحدة من بين قلة من النساء في صفها المتقدم، ورغم طبعها الخجول الذي كان يدفعها في البداية لمراجعة الأسئلة في سرها بدلاً من طرحها بصوت عالٍ، إلا أنها اكتشفت أن ذلك كان رب ضارة نافعة؛ إذ أجبرها الأمر على الانفتاح، والمشاركة في النقاشات الصفية، والاستفادة المباشرة من أساتذتها بطريقة حرمت منها لسنوات بسبب ترددها.
ويركز طارق لطيف حالياً على وضع اللمسات الأخيرة لأطروحة الماجستير التي تتناول أنطولوجيا الطب من منظور نبوي، سائلاً عن العلة الجوهرية للطب وماهية الشفاء خارج الأطر المادية الضيقة.
لا تقف أفكار الكلية عند حد السجال النظري، بل تنزل إلى ميدان التطبيق العملي. فعندما تجددت المعضلات الأخلاقية خلال جائحة كوفيد-19 وكان لطيف الطبيب الوحيد للرعاية التلطيفية في مستشفاه، لجأ إلى "معهد الأمين للأخلاقيات" التابع للكلية. وطور بالتعاون مع شبكة من العلماء والمهنيين إطاراً إسلامياً لرعاية الاحتضار يتساءل: كيف تُصان الكرامة؟ ومتى يتحول استبقاء الحياة إلى إطالة للمعاناة؟ وما الذي تقتضيه الرحمة؟
وقد عرض لطيف هذا العمل لاحقاً في نادٍ علمي لمراجعة المجلات الطبية. وهناك، أخبرته ممرضتان متقدمتان أنهما تخططان لتكييف أجزاء من هذا الإطار التقييمي للمرضى الذين يعانون من تدهور إدراكي، بينما أكد قسيس محلي أن هذا المنهج يتسم بالترابط والتطبيق العملي في آن واحد، مما أثبت قدرة التراث على تقديم حلول ملموسة للواقع السريري.
وتتمدد هذه الرؤية لتصل إلى الشارع والشباب، خاصة مع الضغوط النفسية والفكرية المتزايدة عقب أحداث السابع من أكتوبر وحرب الإبادة على غزة. يصف الإمام هارون أحمد، خريج الكلية ومدير الشؤون الإسلامية في "المؤسسة الإسلامية" بشيكاغو، كيف يلتف الشباب حوله بعد صلاة الجمعة يتساءلون في حرقة: لماذا يوجد الشر والمعاناة؟ ولماذا يبتلى المسلمون إن كانوا على الحق؟ وهل نحن أمريكيون أم مسلمون في المقام الأول؟
"تعلمت من دراستي عدم الانجرار خلف الإجابات السريعة، بل التريث وتأطير كل معضلة داخل تراث فكري متين، لتشكيل ما أسميه ‘المناعة الداخلية’؛ وهي المناعة التي تحميك من أن تجعل العداء الخارجي هو ما يحدد هوية من تكون، لأن الهشاشة الحقيقية الوحيدة هي الركود والجمود." الإمام هارون أحمد
ويربط أحمد هذه الغريزة الفكرية بمسار تاريخي يتصل بعالم دلهي في القرن الثامن عشر شاه ولي الله الدهلوي، الذي رأى أن الوحي والأخلاق وصلاح الإنسان تشكل كليّة واحدة لا تتجزأ، وهي الرؤية التي انتقلت عبر أجيال من العلماء وصولاً إلى طلاب شيكاغو اليوم.
في نهاية المطاف، يعود طارق لطيف إلى مستشفاه ليكون إلى جوار أرواح تقترب من نهايتها. لم يصبح الموت أقل تعقيداً، ولا زالت الأسر تتخبط أمام قرارات مصيرية، لكن الفارق الجوهري أن تلك الأسئلة لم تعد تتركه متخبطاً بلا ملاذ، بعد أن أدرك ضرورة وجود مصدر للمعرفة يتجاوز القدرة البشرية المجرودة، عقلانية متسامية تسهم في تشكيل العقل الإنساني وتمنحه سكينة اليقين.
Loading ads...
في صباح كل يوم سبت، يستقل لطيف سيارته متجهاً نحو ضواحي شيكاغو، ليلتقي بأطباء، ومحامين، ومعلمين، وطلاب، جمعهم القلق الذاتي ذاته: الشعور بأن التعليم الذي صنع نجاحهم الدنيوي ترك فجوة روحية لم تمسها أيديهم. غير أنهم اليوم يدركون أنهم لم يعودوا يقطعون هذه الطريق بمفردهم.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




