حتى أبرز منظّري "المؤامرة" على عالمنا الإسلامي، من النخب الرصينة –إلى حد ما-، لم يتحملوا هستيريا الفبركة والتضليل التي اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي، مؤخراً، على خلفية نشر وثائق جديدة من ملفات رجل الأعمال الأميركي المدان بجرائم جنسية، جيفري إبستين.
بعضهم، وجد أن هذا الحجم من "الكذب" الصريح، بخصوص محتوى هذه الملفات، يقلل من أثر الفظائع التي حدثت بالفعل، والتي احتوتها الملفات، حقيقةً. فيما رأى فريق آخر منهم، أن الأثر المطلوب تحقق. فهذا "الغرب" الذي يتفاخر به العلمانيون والليبراليون وأقرانهم. وهذه هي "نخبه" الحاكمة! ها قد كُشف وتعرّى أمام المفتونين به.
هذه الخشية من الاستلاب للغرب، هي إحدى أسباب رواج وترويج نظريات المؤامرة، وتضخيمها، في مجتمعاتنا، ولدى بعض نخبنا "المحافظة". فهذه النخب تستشعر نقاط ضعف "مشرقنا"، أمام قيم الحريات والمساواة الرائجة في الغرب. لكن هذه "النخب" باتت ضعيفة اليوم، ومحدودة التأثير، أمام مؤثري السوشال ميديا، جامعي اللايكات، بأي ثمن. حتى لو كان ذاك الثمن، اختلاق روايات مكذوبة عن طقوس شيطانية وممارسات لأكل لحوم البشر، جرت في جزيرة إبستين الجهنمية. ولتحقيق الرواج، يمكن فبركة صور تؤكد أن لا أحد ضمن منظومات الحكم، في العالم أجمع، هو غير مرتبط، بتلك النخبة الخفية، التي تدير هذا الكوكب، وهي تخدم الشيطان. حتى عمدة نيويورك، زهران ممداني، كان بصحبة والدته، وهو صغير، قريباً من إبستين. صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي، كفيلة بتحقيق الترويج المطلوب.
أمام كل ملامح الفوضى والتعقيد في العلاقات الدولية تلك، يؤمن الكثير من أبناء مجتمعاتنا، وبعضهم نُخب، أن العالم محكوم بـ "حكومة خفية".
ترويج مبتذل لنظرية "الحكومة الخفية" للعالم، ومحافلها السرّية، وطقوسها الشيطانية، للتأكيد بأن لا مكان للصدفة في هذا الوجود. وذاك هو المستوى الثاني من أسباب رواج نظريات المؤامرة في مجتمعاتنا. إذ يصعب على عقلنا العربي تقبّل حقيقة وجود درجة كبيرة من العشوائية والفوضى في العلاقات بين الدول. وفيما تقوم ألف باء أشهر نظريات العلاقات الدولية على مبدأ فوضى النظام الدولي، بمعنى أن لا قوة حاكمة له، وأن كل جهود الخبراء في هذا المجال، تبحث في سبل الحد من أسباب الصراع في السياسة الدولية، ينحو عقلنا في المنطقة العربية إلى تبسيط ساذج مفاده، أن جميع حكامنا وقراراتنا وأدق تفاصيل يوميات سلطاتنا، يُصنع في دوائر الغرب. ذاك الغرب ذاته، العاجز عن التفاهم فيما بينه (الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة)، والعاجز عن وضع حد للحرب الروسية – الأوكرانية التي أنهكت الاقتصادات الأوروبية، والعاجز أيضاً عن لجم الصعود الاقتصادي الصيني والتهديد الذي يمثله للهيمنة الأميركية، تحديداً. بل والعاجز عن تحقيق الإجماع داخل منظومة واحدة من منظوماته (كما داخل الاتحاد الأوروبي). أمام كل ملامح الفوضى والتعقيد في العلاقات الدولية تلك، يؤمن الكثير من أبناء مجتمعاتنا، وبعضهم نُخب، أن العالم محكوم بـ "حكومة خفية".
وبين عشرات أو مئات الحسابات لنشطاء وإعلاميين ومؤثرين سوريين وعرب، يندر أن نجد من تناول الدروس الأكثر قيمة بالنسبة لنا، في تجربة الكشف عن ملفات جرائم إبستين وزبائنه، الجنسية. أثمن تلك الدروس، هو قيمة حرية الصحافة وحصانتها في مواجهة السلطة والمال. فمن سلّط الضوء مجدداً على جرائم إبستين، بعد عقدٍ من تسوية قضائية مثيرة للجدل معه، كانت صحافية، في "ميامي هيرالد". هي جولي براون. وقد بذلت جهوداً استقصائية مشهوداً لها، في تحقيق الوثائق والتحقق من المصادر قبل أن تتمكن من ترك الأثر التراكمي الذي تمثّل في إجبار جهاز العدالة الأميركي على تصويب التجاوز المرتكب سابقاً، وإلقاء القبض مجدداً على إبستين، وإحالته للمحاكمة، قبل أن ينتحر (أو يُنحر) في محبسه. لم تتمكن "حكومة العالم الخفية"، وعلاقاتها "الشيطانية"، من لجم إصرار تلك الصحافية الشجاعة، أو عرقلة نشر تحقيقها. تصوروا إلى أي درجة، تلك "الحكومة العالمية"، محدودة النفوذ، داخل الولايات المتحدة! لم يقف من روّج لتهالك الغرب، على خلفية نشر ملفات إبستين، عند هذا التساؤل: ما الذي أتاح فرصة الإيقاع برجل متنفّذ يتمتع بعلاقات متشعبة مع شخصيات عالمية متنفّذة؟! ألم تكن حرية وحصانة الصحافة في بلاد الغرب! تلك الحصانة ذاتها التي ينهش بها بعض "المطبلين" الجدد في سوريا، بهدف الارتزاق والتقرّب من السلطة، عبر مهاجمة أي كاتب أو مادة صحفية، أو وسيلة إعلامية، أو حتى تظاهرة احتجاجية محدودة الحجم، تنتقد أداء السلطات.
كيف أن "النخبة" الحاكمة في الولايات المتحدة، لم تتمكن من لملمة قضية إبستين، واضطرت لعرض بعض تفاصيلها للجمهور، بعد الضغط الشعبي والإعلامي، والخشية من الخسارة في صناديق الاقتراع، في الدورة الجديدة لانتخابات مجلسي النواب والشيوخ.
وأبعد من ذلك، وهو الدرس الثاني، كيف أن الثقافة الديمقراطية الراسخة –رغم الشعبوية المتفشية- في الولايات المتحدة، ومؤسسات الدولة القوية، أجبرت الرئيس دونالد ترامب على توقيع قانون "الشفافية في قضية إبستين"، بعد معارضته له، لأشهر، كنتيجة لإقرار مشروع القانون بالأغلبية في الكونغرس. وكيف أن "النخبة" الحاكمة في الولايات المتحدة، لم تتمكن من لملمة قضية إبستين، واضطرت لعرض بعض تفاصيلها للجمهور، بعد الضغط الشعبي والإعلامي، والخشية من الخسارة في صناديق الاقتراع، في الدورة الجديدة لانتخابات مجلسي النواب والشيوخ. وبذلك نجد الديمقراطية تصلّح أخطاء نخبها، وتضطرهم للرضوخ لحقوق الفئات الضعيفة (ضحايا اعتداءات إبستين وعملائه). تم ذلك بفضل الفصل الحقيقي (لا النظري) بين السلطات، التشريعة والتنفيذية والقضائية. وحصانة السلطة الرابعة، الإعلام. والتفاعل بين هذه السلطات، والذي يخلق لجماً لكل منها، يمنعها من التغول والهيمنة.
Loading ads...
درس جدير بأن نتعلمه في سوريا أيضاً، بدلاً من الهتاف لما كشفته ملفات إبستين من "انهيار أخلاقي" في الغرب، حيث يتم الاعتداء على القاصرات، بوصفه دليلاً على "طهرانية" مشرقنا، ذاته، الذي تتقبل مجتمعاته تزويج القاصرات، بصورة شرعية وقانونية!
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





