7 أشهر
عام على إدارة "الشرع".. كيف أعاد هندسة النفوذ الاقتصادي داخل سوريا؟
الأربعاء، 26 نوفمبر 2025

شهدت سوريا خلال العام الأول من إدارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع تحولات اقتصادية عميقة أعادت تشكيل مراكز القوة المالية والتجارية في البلاد، في سياق انتقال سياسي لم تكتمل ملامحه بعد.
ومع تفكك البنية الاقتصادية التي كانت خاضعة للسلطة السابقة، برزت ضرورة عاجلة لإعادة تشغيل مؤسسات الدولة ورفع كفاءة القطاعات الحيوية، وعلى رأسها الطاقة، التجارة، الاستثمار وإدارة الموارد الطبيعية، ورغم التوقعات بانفلات المشهد نحو فراغ اقتصادي واسع، كشف العام الأول للشرع عن تشكل شبكة نفوذ جديدة تتقدم تدريجيًا لاحتلال مساحات القرار الاقتصادي، في مشهد يعيد طرح سؤالًا هامًا عن ما إذا كان يشهد الاقتصاد السوري تحولًا بنيويًا حقيقيًا أم إعادة إنتاج للنموذج القديم بأدوات مختلفة؟.
تحرير أم إعادة تموضع؟
تشير المعطيات الميدانية والقرارات المتلاحقة إلى أن ما يجري ليس “تحريرًا” للسوق، بقدر ما هو “نقل للملكية”، فبدلًا من فتح الأبواب أمام الجميع، يتم إعادة هندسة المشهد الاقتصادي لصالح دائرة ضيقة جدًا تدين بالولاء المطلق للرئيس الجديد، مما يطرح السؤال الأخطر، عن ما إذا تم اسقاط “إمبراطورية الأسد” ليشهد السوريون ولادة “إمبراطورية الشرع”؟.
ولم يكن الحديث عن نفوذ عائلة الرئيس الجديد مجرد تكهنات، بل تحول إلى حقيقة موثقة عبر تقارير دولية، فقد كشف تقرير سابق لوكالة “رويترز” للأنباء نُشر مطلع أيار/مايو الماضي، نقلًا عن ثلاثة مصادر دبلوماسية ومصرفي سوري رفيع، عن وجود “لجنة اقتصادية سرية” غير مدرجة في الهيكل الحكومي الرسمي.
المفاجأة التي فجرها التقرير هي أن هذه اللجنة يقودها شقيق الرئيس أحمد الشرع الذي وصفته المصادر بـ “المهندس المالي” للعهد الجديد، وبحسب المصادر، تتمتع بصلاحيات تتجاوز وزير الاقتصاد وحاكم مصرف سوريا المركزي، حيث تمر جميع العقود الاستثمارية عبر مكتب شقيق الرئيس للموافقة المبدئية قبل طرحها رسميًا، كما أشارت مصادر مصرفية للوكالة أن أي عقد استثماري تتجاوز قيمته 5 ملايين دولار بات يتطلب موافقة شفهية من مكتب شقيق الرئيس، مما يثير قلق المستثمرين الأجانب الذين كانوا يأملون في بيئة أعمال شفافة.
وتُشرف اللجنة بشكل مباشر على “إدارة الأصول المستردة” من رجال أعمال النظام السابق، حيث استطاعت اللجنة تحصيل أصول تقدر بأكثر من 1.6 مليار دولار من رجال أعمال مقربين من النظام السابق، كما تقوم بتوجيه الدعم والتمويل لشركات ناشئة محددة، ظهرت فجأة لتستحوذ على حصص سوقية ضخمة.
تطهير انتقائي لا إصلاح شامل
بتتبع التسلسل الزمني للقرارات الحكومية منذ كانون الثاني/يناير وحتى الآن، يظهر نمط واضح لتركيز السلطة الاقتصادية عبر “التطهير الانتقائي” ففي تلك الفترة أصدرت الإدارة الجديدة قرارات بتجميد أصول ومصادرة أموال عشرات من رجال الأعمال المحسوبين على الحقبة السابقة تحت مسمى “مكافحة الفساد”.
وبحسب رويترز تم تشكيل لجنة “الكسب غير المشروع” في آيار/ مايو 2025 لتسوية صفقات مع رجال أعمال مقابل عودة عملهم، وتوجيه الأصول المحصلة إلى صندوق ثروة سيادي جديد.
لكن المثير للريبة، أن إعادة طرح هذه الأصول (عقارات، معامل، أسهم بنكية) لم تتم عبر مزادات علنية شفافة، بل تم نقل ملكيتها لشركات “مجهولة النسب” تأسست حديثًا، ويُعتقد أنها واجهات للمقربين من الدائرة الجديدة.
كما تعمدت السلطة الجديدة السيطرة على المعابر، فقد أصدر الشرع مرسومًا بإحداث الهيئة العامة للمنافذ والجمارك وتعيين قيادتها من المقربين، إضافة إلى تشكيل اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير، مانحًا إياهما استقلالًا ماليًا وإداريًا غير مسبوق.
اتصالات بواجهات جديدة
عمليًا، أدى هذا القرار إلى منح “تسهيلات جمركية خاصة” (الممر الأخضر) لقائمة محددة من المستوردين، بينما بقيت العراقيل أمام التجار المستقلين، مما ضرب مبدأ المنافسة العادلة وأعاد إنتاج نظام الاحتكار ولكن بوجوه جديدة.
وبالنسبة لقطاع الاتصالات، فقد ألغت الحكومة فجأة في شهر نيسان/ أبريل ترخيص المشغل الثالث للاتصالات الذي منح ترخيصه لشركة “وافـا” في عام 2022 تحت إدارة بشار الأسد، وأعلنت الحكومة الحالية عن منح الرخصة لـ “تحالف وطني” جديد.
وتظهر البيانات الأولية للسجل التجاري لهذا التحالف أسماء شخصيات كانت تعمل سابقًا كمستشارين ماليين للشرع خلال فترة وجوده في المعارضة، مما يعزز فرضية تضارب المصالح.
وكشفت بعض التقارير المحلية أن وزارة الاتصالات ستعتمد على شركة يملكها رجل أعمال ضمن مجلس الأعمال السوري الأميركي، قام بتشغيل الجيل الخامس في إدلب، لتشغيل المشغل الثالث.
تحول اقتصادي بلا تغيير في البنية
في معرض تحليله للتحولات الاقتصادية التي شهدتها سوريا منذ التحرير، رأى الباحث في الشؤون الاقتصادية مازن أرشيد، خلال تصريح خاص لموقع “الحل نت“، أن التحول الاقتصادي خلال العام الأول من إدارة الرئيس أحمد الشرع اتخذ طابعًا أقرب إلى إعادة ترتيب خريطة النفوذ منه إلى تحويل إنتاجي شامل.
وأوضح أن الإدارة ركزت بدايًة على تثبيت الاستقرار واحتواء الأزمات المعيشية المتراكمة، لكن البنية الريعية للاقتصاد ما تزال قائمة دون تغييرات عميقة، رغم بروز مبادرات محدودة في مجالات الطاقة والخدمات اللوجستية.
أثر هذه المبادرات بقي محصورًا، ولم يصل إلى الحياة اليومية للسكان بالصورة التي تُشعِر المواطن في أي محافظة أو من أي طائفة بأن التحولات تشمل الجميع، مؤكدًا أن النجاح الاقتصادي يرتبط بقدرة الإدارة على دمج كل مكونات المجتمع ضمن دورة الإنتاج والفرص، لا ضمن دوائر النفوذ فحسب.
الباحث في الشؤون الاقتصادية مازن أرشيد
ويشير إلى أن إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي، رغم ما بدا عليها من تغييرات في الوجوه، لم تمسّ جوهر المنظومة، إذ ظهرت شبكات اقتصادية جديدة مقربة من الرئيس مقابل تراجع مجموعات قديمة، لكن نمط النفوذ نفسه بقي مركزًا وريعيًا وغير خاضع للمنافسة الفعلية.
يؤكد أرشيد أن هذا التغيير لا يكتسب معنى حقيقيًا إلا إذا فتح المجال أمام الشركات الصغيرة ورواد الأعمال من مختلف المناطق والطوائف للدخول إلى السوق من دون تمييز أو عراقيل.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
امتيازات واضحة
ويشرح أن صعود الدائرة الاقتصادية المقربة من الشرع جاء نتيجة مزيج من الفراغ المؤسسي وضعف الرقابة وتداخل التحالفات السياسية خلال مرحلة انتقال السلطة.
وأوضح أن غياب المنافسة العادلة وضعف استقلال القضاء وغياب الشفافية في العقود العامة أدى إلى نشوء بيئة تسمح بتمدد مجموعات ضيقة، حصلت لاحقًا على امتيازات واضحة في الاستيراد والعقود والمشاريع الكبرى، الأمر الذي عزز موقعها في سوق يعاني أصلًا من هشاشة البنية التنظيمية، وبالمقابل، بقيت قطاعات واسعة من المجتمع والاقتصاد خارج أي خطط دمج جديّة.
ويرى أن سياسة الشرع الاقتصادية، في جانبها المعلن، تتحدث عن مأسسة الاقتصاد وتعزيز الشفافية، إلا أن التطبيق ظل مترددًا بفعل التداخل المستمر بين آليات الإصلاح ونفوذ مجموعات مقربة من الحكم.
ويشدد على أن بناء اقتصاد حديث ومؤسسي لا يمكن أن يتحقق دون إصلاح سياسي يواجه الفساد ويضمن استقلال القضاء ويجعل المناقصات والبيانات متاحة للجميع، فاقتصاد مستدام لا يمكن أن ينمو في بيئة مغلقة تُدار فيها الأسواق بقرارات فوقية لا تخضع للمساءلة.
قرارات تفاقم الفجوة الاقتصادية
يضيف أرشيد أن القرارات الاقتصادية الأخيرة أسهمت، بصورة مباشرة، في توسيع الفجوة بين الفئات ذات النفوذ والأغلبية من السوريين، إذ أدى تعديل منظومة الدعم وتغييرات الضرائب ومنح العقود الاستراتيجية في قطاعات الطاقة والخدمات إلى نقل القوة الاقتصادية نحو دائرة ضيقة، بينما غابت سياسات تعيد توزيع الفرص بعدالة، خصوصًا في المحافظات الأكثر فقرًا التي تحتاج إلى استثمارات إنتاجية عاجلة لا مجرد إجراءات إدارية.
الطريق نحو استقرار اقتصادي حقيقي لا يمر عبر تحالفات ضيقة أو ترتيبات عابرة، بل عبر مشروع وطني شامل يدمج السوريين جميعًا في دورة التنمية، ويوزع الاستثمارات بين المحافظات بشكل متوازن، ويعيد وصل الاقتصاد السوري بجواره الإقليمي من خلال شراكات مفتوحة مع الأردن ولبنان والعراق، ويضمن مشاركة العرب والكرد والمسيحيين والعلويين والدروز والتركمان والآشوريين في صنع القرار الاقتصادي.
وشدد على أنه عندما يشعر الجميع بأنهم شركاء في الفرص والتنمية، يصبح الاستقرار ثابتًا ويولد اقتصاد قادر على النمو خارج حسابات النفوذ الضيقة.
تحول هادئ ومنظم
في المقابل، يؤكد الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر، في تصريح خاص لموقع “الحل نت”، أن العام الأول بعد التحرير وتولي الرئيس أحمد الشرع إدارة الدولة كشف عن تحول اقتصادي يجري بنمط هادئ ومنظم، لا يقوم على القطيعة أو الهدم، بل على إعادة ضبط تدريجية لبنية النفوذ الاقتصادي داخل سوريا.
ويشير إلى أن هذا التحول لا يُعبر عن انقلاب اقتصادي بقدر ما يعكس انتقالًا محسوبًا نحو إدارة أكثر انضباطًا، تستهدف تفكيك إرث طويل من شبكات الوساطة غير الرسمية التي حكمت مفاصل السوق لعقود، واستبدالها بآليات مؤسسية أكثر وضوحًا وقدرة على الضبط.
ويقول إن الإدارة الجديدة لم تتعامل مع الواقع الاقتصادي بعقلية إدارة الأزمة فحسب، بل اعتمدت نموذجًا قائمًا على التنظيم والتخطيط، وضع خطوطًا أوضح لاتخاذ القرار وحدد أولويات الاستثمار ضمن قطاعات قادرة على خلق فرص تشغيل سريعة وتحقيق أثر مباشر على حركة السوق، مشيرًا إلى أن الزراعة والصناعة الخفيفة، والطاقة البديلة والنقل الداخلي برزت كقطاعات جرى التركيز عليها لامتلاكها القدرة على إحداث تحسن محسوس رغم محدودية الموارد.
توسع قاعدة الفاعلين الاقتصاديين
وفق قول السيد عمر فإن هذا التوجه جعل الاقتصاد يتحرك في مسارات أكثر قابلية للقياس والمتابعة، بعدما كان يُعامل بوصفه كتلة ضبابية يصعب ضبطها، لافتًا إلى أن الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة ساهمت في هذه القطاعات في تخفيف حالة الركود وإعادة النشاط إلى المحافظات، كما فتحت الباب أمام مجموعات جديدة من المستثمرين المحليين الذين لم يكن لهم حضور في السوق خلال السنوات السابقة، بما يشير إلى توسع قاعدة الفاعلين بدل حصرها في دوائر النفوذ التقليدية.
التحول الأبرز خلال العام الأول تمثل في تراجع الوزن النسبي لشبكات الوساطة التي كانت تمتلك القدرة على التحكم في مسارات التوريد والعقود العامة، موضحًا أن هذه الشبكات لم تُستبعد بشكل مباشر، لكنها فقدت تدريجيًا أدوات نفوذها عبر إدخال نظام تعاقد أكثر شفافية، وتعزيز الإجراءات الرقابية، وتبسيط مسارات الاستيراد والتوزيع، ما خلق نوعًا من إعادة التوازن بين الفاعلين التقليديين والكيانات الاقتصادية التي تعتمد على الكفاءة التشغيلية بدل العلاقات.
الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر،
ويشير إلى أن المشهد الجديد لا يُعبّر عن استبدال طبقة بأخرى، بل عن إعادة موازنة دقيقة تجعل من الممكن بروز شركات متوسطة تعمل في الخدمات اللوجستية والتقنيات الزراعية والطاقة البديلة، وهي شركات تشكل جزءًا من رؤية اقتصادية تراهن على القيمة الإنتاجية لا على السيطرة على القنوات والموارد.
انفتاح محسوب لا تبعية اقتصادية
كما يلفت السيد عمر، إلى أن الانفتاح الإقليمي الذي شهدته سوريا خلال هذا العام جاء بمنهج “الانفتاح المحسوب”، حيث تستفيد الدولة من الشراكات والخبرات دون التفريط بقدرتها على توجيه القرار الاقتصادي المركزي وضبط اتجاهات الاستثمار، حيث سمح ذلك بتدفق محدود لكنه منتظم للفرص، حافظ على استقلالية القرار الاقتصادي ومنع تحويل الشراكات الخارجية إلى أدوات نفوذ موازية داخل السوق.
ويخلص إلى أن العام الأول من إدارة الشرع لا يمكن اعتباره مرحلة إعادة بناء شاملة، لكنه مثل وضع الأساسات لمرحلة انتقالية تحاول فيها الدولة إعادة الإمساك بالبنية العميقة للاقتصاد، وتوزيع النفوذ بطريقة أكثر توازنًا، وخلق بيئة أكثر قدرة على تحريك الإنتاج والعمل.
Loading ads...
ورأى أنه إذا استمرت هذه الدينامية، فمن المرجح أن تتشكل خلال السنوات المقبلة طبقة اقتصادية جديدة أكثر مهنية وأقل ارتباطًا بأنماط النفوذ التي سادت خلال الحرب، بما يمهّد لنموذج اقتصادي أكثر واقعية واستقرارًا وقابلية للاستمرار.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

