أحاديث ليست للنشر، تجري على طاولات المقاهي المنعزلة، حول معركة خفية يخوضها حرف "الميم"، ضد "الطاء"، في كلمة "الطاعون"، الواردة بقصيدة "مديح الظل العالي" لمحمود درويش، بهدف قلب المعنى جذرياً، لتصبح العبارة: "أميركا هي الماعون"، عوضاً عن "الطاعون"!.
ورغم أن قصيدة درويش، مكتوبة في الثمانينيات، إثر حصار بيروت وخروج منظمة التحرير من لبنان، فإن اعتمادها اليوم، كمؤشر على مستوى الانقلاب، يعتبر منطقياً، نظراً لما يمتلكه شعر درويش، من تأثير على الأجيال العربية، سياسياً ووطنياً وأدبياً.
يقول الكاتب سامر محمد إسماعيل، لـ تلفزيون سوريا:
"ليتها كانت الماعون، لكان والت ويتمان وإميلي ديكنسون وإدغار ألان بو حلفاءنا. يا ليتها كانت الماعون لدخولنا عصر الذكاء الاصطناعي والفنون المفاهيمية وسباق النجوم، لكن كنا وما زلنا، في البلاد النائية التي يتكرر فيها التاريخ أكثر من مرة".
وفي حين يكتب الروائي خليل صويلح على صفحته في الفيس بوك قائلاً: "نفتش في المعجم عن التوصيف الدقيق لصورة دمشق ما بعد عهد الطغيان: حقل من عباد الشمس، أم عتمة باهرة؟" يفسر إسماعيل المشهد بالقول:
"الثقافة تحديداً، كانت الجدار الواطئ على الدوام. المنفى الداخلي أكثر هزلية أمام إعادة إنتاج شعراء الياسمين المضمخ بلوعة كبت جنسي. شعراء هبطوا بالمظلات وخنقوا الجماهير بكابلات الميكروفونات".
ويؤيد الروائي الشاب "أمير"، نظرية هبوط الإعلاميين على اتحاد الصحفيين، والمؤلفين على اتحاد الكتاب العرب، بـ"البراشوت"، ويقول إن من يمسك بزمام الثقافة، أشخاص لا نعثر على كتاباتهم عبر "غوغل"، ويضيف:
"ألا يوحي ذلك بأن تسويق الأشخاص، مرتبط بالمعركة الخفية بين حرف الميم والطاء، المتنازعَين على صحة الإملاء في الكلمة، هل ستُكتب (الطاعون) أم (الماعون)؟".
لكن الهبوط بالمظلات على منابر الثقافة، عادة متوارثة عند الأنظمة العربية، منذ أن احتكر البعث تمثيل مجالس النقابات، بحجة المحافظة على مكتسبات "الجماهير" أو مواجهة "الامبريالية والصهيونية". ويجيب "أمير":
"كانت المزاودة على الشعوب تتم عبر الشعارات المناصرة لفلسطين، والمعادية لإسرائيل والولايات المتحدة، لكن العرب ينقلون البندقية اليوم، من كتف الطاء في كلمة الطاعون، إلى الميم، لتصبح أميركا ماعوناً".
ويتساءل المؤيدون لهذا التحليل: "ألا يشير الخطاب السياسي إلى ترسيخ أميركا كـ ماعون، رغم كارثية تجاربها في العراق وأفغانستان وسواها من الدول؟ ثم ماذا عن النهج الاقتصادي الذاهب نحو الخصخصة وبيع القطاع العام، مع الإبقاء على الدخل المتواضع للمواطن؟ ألا يصب في هذا الإطار؟".
أميركا القادمة ليست "والت ويتمان" و"إميلي ديكنسون"!
لا يمانع كثير من المثقفين، أن تكون أميركا الشاعرين والت ويتمان وإميلي ديكنسون، هي "الماعون"، لكن نصوص "ويتمان" و"ديكنسون"، التي تعتبر انعطافات في الشعر العالمي، لن تقدم للعرب على طبق من ذهب، كما يقول أمير:
"سعادتنا بالخلاص من الماعون الإيراني، يبددها (الماعون) الأميركي والإسرائيلي، وأرجو ألا نصل لمرحلة نقول فيها: تبدلت (المواعين)، والماعون واحد.. والجميع يتساءل: أين الماعون السوري؟".
"حيط" الثقافة الواطىء.. هل تملك النصوص حق الرفض؟
وفي حين يقول مدير المسارح السورية نوار بلبل، إن وزارة الثقافة الفقيرة، غير قادرة على ترميم مسرح الحمرا التاريخي، ما اضطره للجوء إلى القطاع الخاص، من أجل التبرع بعدة "سطول" دهان ومفاتيح كهرباء، يعبر موكب فاره لأحد الوزراء مدينة حمص، بسيارات سعرها مئات الآلاف من الدولارات!
ويبدو أن "حيط" الثقافة الواطىء تاريخياً، كما يقول الكاتب إسماعيل، لا يختلف كثيراً عن حائط الإعلام والسوشيال ميديا المنتعش حديثاً، فمهمة الخطابين تبدو تبريرية تسويقية غير إبداعية، نظراً لتورطهما في نصرة الخطاب السياسي بعجره وبجره وتناقضاته سواء أكان موالياً أم معارضاً، ويقول إسماعيل:
"هناك إصرار على تعطير جثة الماضي العريق، بكلابات الطهرانية وتسيد المنابر. لكن هذا برأيي، ليس غريباً، فأي كلام عن الحداثة لا يتزامن مع نهضات صناعية وعلمية وتقنية هو محض أوهام".
ويبدو اكتساح النصوص الماضوية، واضحاً في مهرجانات الشعر التي تتصدر فيها القصيدة العمودية، وغالباً ما يكتبها "قارضون" أو "ناظمون" لا يضيفون جديداً إلى المجلدات الهائلة التي وصلت إلينا من هذا النوع من الشعر.. ويضيف إسماعيل:
"هذا ما يبرر شطب تاريخ كامل لقصيدة النثر السورية، فحتى الجامعات منعت مناقشة رسائل ماجستير ودكتوراه عن أشعار محمد الماغوط وعلي الجندي ورياض الصالح الحسين ونزيه أبو عفش وأدونيس ومنذر مصري".
لكن تكريس النص الأدبي الكلاسيكي، ماذا يعني في قضية استحضار "الماعون" الأميركي؟ يقول أمير:
"لم تتورط قصيدة النثر في مدح الديكتاتوريات، في حين انشغلت القصيدة الكلاسيكية بتدبيج المدائح للسلاطين، وأشهرها ما قيل بمديح حافظ الأسد وابنه، لكن عودتها بهذا الزخم إلى المنابر اليوم ، يشير لتبدل الأدوات في تسويق الأفكار".
الانسجام بين أساليب وفحوى الخطابات، لا بد أن يكون حاضراً لاكتمال دائرة "الماعون"، كما يقول أمير، فالعودة للخطاب الديني المرتبط بالماضي، يتطلب مؤازرة من الخطاب الاقتصادي والأدبي والتربوي، حيث على الجميع اتباع هذا النهج.. لكن الكاتب إسماعيل، يشير إلى حال المواطن المشغول بفضاءات أخرى، ويقول:
"لم تجد القصائد هنا نفعاً، بل زادت من اغتراب المثقف عن محيطه، فحتى لو انتصر الشاعر لأهله وذويه، لما انتصروا إلا لطوابير الخبز وأسطوانات الغاز بدلاً من إسطوانات الموسيقا الكلاسيكية".
ويضيف: " لم أعرف مثقفا هنا بلا أوهام. لقد تسيّد المشهد ذلك النوع من الحالمين الذين خلطوا بين دور المثقف ودور الناشط السياسي، ما أدى إلى إنتاج أنوات متورمة لديها شعور فائض بالتفوق والزهو. هكذا استحالت الحداثة الشعرية السورية إلى فاترينات، وهكذا أيضاً عادت جحافل شعراء المنابر لتخطب ود الحشود الهائمة في بيداء الكراهية واحتكار دور الضحية".
أين "الماعون" السوري من زحمة "المواعين"؟
يتمنى الشعراء والناشطون السوريون، أن يتحسسوا ملامح حقيقية لـ"الماعون" السوري، تتشكل في الأفق. ويقول الناشط المدني "إبراهيم":
Loading ads...
"الحرية، تعطي مشروعية لتعدد الأساليب، سواء أكانت كلاسيكية ماضوية، أم حديثة موغلة في العصر، فالمهم أن يصب الفحوى في الماعون السوري؛ لأنه يمثل الاحتضان والحماية ومصلحة البلاد، وكل ما عدا ذلك مجرد تفاصيل".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

