تستمرّ التهديدات الأميركية، بشكل حثيث ودون توقف، متوعّدةً الحكومة الإيرانية بحربٍ عسكريةٍ قادمةٍ وماحقة. ويأتي ذلك بالضرورة ضمن استراتيجية أميركية، من قبل إدارة الرئيس الأميركي (دونالد ترامب)، تحدد أولوياتها تجاه إيران، ومن ثم تُنتج واقعًا إقليميًا جديدًا يمنع أية احتمالات في المنطقة لتمدّدٍ عسكري أو أمني إيراني خطير تجاه الإقليم، ومن باب أولى تجاه المصالح الأميركية أيضًا، وأهمها – بكل تأكيد – الحفاظ على ما يُسمّى الأمن القومي الإسرائيلي، الذي تعتبره الولايات المتحدة الأميركية، ضمن استراتيجيات إداراتها المتعاقبة، في صلب وأساس المصلحة الأميركية، وكذلك في صلب أمنها القومي.
ويبدو أن الأميركيين قادرون على تنفيذ ذلك سلمًا أو حربًا؛ إذ ما برحت أميركا، ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومة حلف (وارسو) الاشتراكية/الشيوعية، تتربع على رأس القطبية الواحدة، المستفردة بالعالم أجمع، وهو ما تزال تقوم به عمليًا بين الفينة والأخرى عبر تنفيذ سياساتها في كل أرجاء العالم، دون وجود أي منافس جدي أو معيق لهذه السياسات عسكريًا على الأقل. ومن ذلك ما حصل مؤخرًا مع الرئيس الفنزويلي (مادورو)، الذي اختُطف أميركيًا من غرفة نومه، في ليلةٍ أميركيةٍ للعربدة العسكرية بامتياز، دون اعتراض جدي من أيٍّ من الدول الكبرى المعتبرة في هذا العالم المترامي الأطراف.
صحيح أن الولايات المتحدة الأميركية ليست دولةً كلية القدرة، لكن الحقيقة الواقعية تقول إنه إذا كانت السياسة الأميركية اليوم قادرةً على تنفيذ أجنداتها بهذه السهولة والدراماتيكية المتتابعة، فإنها – بكل وضوح – قادرة على متابعة تهديداتها وتنفيذ مخططاتها في العالم، ومنه الواقع الإيراني، كي تتمكن عمليًا من لجم ذلك التمدد الإيراني لنظام الخامنئي في طهران، ومنع احتمالات أي خطوة عدائية تجاه مصالح أميركا أو إسرائيل في المنطقة.
كل المؤشرات اليوم تشير إلى جدية الأميركيين مؤخرًا في تنفيذ ضربات عسكرية ماحقة لإيران.
ولعل كل المؤشرات اليوم تشير إلى جدية الأميركيين مؤخرًا في تنفيذ ضربات عسكرية ماحقة لإيران، ونظامِ الخامنئي الأكثر خطرًا في المنطقة، يمكن – في حال حصولها – أن تؤدي عمليًا إلى مسألتين اثنتين: إما الهرولة الإيرانية إلى التوقيع على الاتفاق النووي وملحقاته الصاروخية التي أُضيفت مؤخرًا إلى الاتفاق المزمع، ومن ثم قصقصة كل أدوات إيران التهديدية في المنطقة، وإنهاء وجود الأخطبوط الإيراني، وعودة السياسة الإيرانية إلى حدودها الجغرافية، بعيدًا عن كل تدخلاتها في المحيط الإقليمي؛ أو – وهو الخيار الثاني الوارد – إنهاء وكنس النظام الإيراني الذي يقوده (خامنئي) وما يُسمّى (الحرس الثوري الإيراني)، وإحالته إلى التقاعد، أو – بشكل أوضح – إلى مزابل التاريخ، وبالضرورة إعادة تنصيب المعارضة الإيرانية بتلاوينها المتعددة كي تستطيع، لاحقًا، التوقيع عمليًا على الاتفاق النووي الأميركي–الإيراني المزمع.
وهو مصير، كما يبدو، لا بد منه، ولن تقبل أميركا/ترامب خيارًا بديلًا عنه فيما لو سارت بأي خيار عملي ضمن حالة الصراع وآلياته ضد حكومة طهران الحالية وأذرعها في المنطقة جميعًا.
إيران اليوم، وبعد سقوط وانهيار معظم أدواتها – سواء في سوريا إبّان اقتلاع نظام بشار الأسد وفراره إلى موسكو، وقبلها مع انهيار ميليشيا حزب الله، الذراع العسكري المتقدم للإيرانيين، ومقتل قائده حسن نصر الله، وأيضًا انحسار دور ميليشيا الحشد الشعبي في العراق، واحتمالات إنهاء وجودها كليًا في الساحة العراقية، وقدرة أميركا على منع وصول رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة العراقية من جديد، واتهامه بأنه المرشح الإيراني لهذا المنصب – تعيش واقعًا شديد التعقيد.
ويُضاف إلى ذلك أهمية استمرار حراك الثورة الشعبية الإيرانية المتواصلة، التي تشارك فيها كل مكونات الشعوب المقهورة داخل الجغرافيا السياسية لإيران، من عرب الأحواز إلى البلوش، ومن ثم الكرد والأذربيجانيين وسواهم. ويُضاف إلى ذلك، بالضرورة، جملة الواقع الاقتصادي الإيراني المنهار، حيث وصلت العملة الإيرانية – من حيث القوة الشرائية – إلى أدنى مستوياتها في تاريخ إيران الحديث.
إن تنفيذ السياسات الأميركية اليوم، والوصول عمليًا إلى اتفاق نووي تريده أميركا على هواها، وحسب رؤيتها ومحدداتها المصلحية البراغماتية، مع بقاء النظام الإيراني، لا يشكّل مشكلةً مطلقًا من وجهة النظر الأميركية.
كل ذلك، وسواه من متغيرات متلاحقة ومتتابعة يعيشها الواقع الإيراني والإقليمي، يجعل من إيران حاليًا – ضمن هذه المعطيات والمتغيرات – دولةً فاشلة بحق، اقتصاديًا وعسكريًا وتنمويًا، وكذلك منكمشةً إقليميًا ومعزولةً عالميًا، وهو ما يساهم في دعم خيارات الرئيس الأميركي (دونالد ترامب)، التي ما زالت قائمة وتقترب من إمكانية الحسم يومًا إثر يوم.
الإطلالة المتفحصة والعقلانية على المشهد الأميركي والإيراني تقول إن من هموم الرئيس الأميركي (دونالد ترامب) ليس إزالة نظام إيران الحالي، وآخر همومه تحقيق مصالح وحرية الشعوب المقهورة أو إقامة أنظمة شعبية أو ديمقراطية في العالم؛ لكن ذلك قد يسير ويتم الدفع به، وتقف إلى جانبه الولايات المتحدة الأميركية، إن كان يخدم المصالح الأميركية حقًا، وهو الأهم دائمًا وعلى المدى الأميركي الطويل.
لذلك، وتأسيسًا على هذا الوضوح في المشهد، فإن تنفيذ السياسات الأميركية اليوم، والوصول عمليًا إلى اتفاق نووي تريده أميركا على هواها، وحسب رؤيتها ومحدداتها المصلحية البراغماتية، مع بقاء النظام الإيراني، لا يشكّل مشكلةً مطلقًا من وجهة النظر الأميركية. بل إن الهمّ الأساسي للأميركيين كان، وما يزال، تقليم أظافر إيران في المنطقة كافة، وإنهاء مسألة تخصيب اليورانيوم بالكامل، ليصبح صفرًا، سواء كان ذلك بوجود النظام الإيراني الحالي أو عبر رحيله قسرًا.
المهم أن يوقّع الإيرانيون عليه، وأن تتم متابعة ذلك ومراقبته دوليًا، رغم أنف كل المعترضين من قيادات النظام الإيراني.
Loading ads...
كما أن تاريخ إيران يشير إلى براغماتيتها؛ وليس غريبًا عمّا في مخيالنا، ولا بعيدًا عنه، ما حصل إبّان الحرب الإيرانية–العراقية في ثمانينيات القرن الفائت، وفضيحة (إيران–غيت)، كما سُمّيت حينها، التي عقدت إيران الخميني من خلالها صفقة أسلحة مع إسرائيل من أجل بقاء حربها واستمرارها ضد العراق. وهي اليوم – حسب رؤيتي – جاهزة للتوقيع على صفقة مع الأميركيين، كما يريد الأميركيون، شرط بقاء نظام إيران وعدم انهياره كليًا أو كنسه من خارطة إيران السياسية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



