20 ساعات
غياب المعيل وشح المساعدات.. كبار السن في الرقة أمام أعباء لا تنتهي
الإثنين، 21 سبتمبر 2026
على باب منزله في حي الرومانية بمدينة الرقة، يجلس حسين الشيخ، البالغ من العمر 60 عاماً، يراقب شبان الحي وهم يتوجهون إلى أعمالهم كل صباح، ويدعو لهم بالتوفيق، على أمل أن يتذكره أحدهم عند عودته مساءً، فيقدم له ما يستطيع.
منذ عدة سنوات، لم يعد الشيخ قادراً على العمل، وبعد زواج بناته الثلاث، وجد نفسه اليوم وحيداً مع زوجته، التي تصغره بعدة سنوات، من دون مصدر دخل ثابت يؤمّن احتياجاتهما اليومية.
ويقول الشيخ لموقع تلفزيون سوريا إن الظروف الاقتصادية لبناته وأسرهن لا تسمح لهن بمساعدته، ما يجعله يعتمد على ما يقدمه له "أهل الخير"، في محاولة لتأمين احتياجاته واحتياجات زوجته الأساسية.
ويواجه كبار السن في مدينة الرقة أوضاعاً معيشية صعبة بعد فقدان المعيل أو غياب أفراد الأسرة القادرين على رعايتهم، خصوصاً أولئك الذين لا يملكون دخلاً ثابتاً أو قدرة على العمل، ما يجعل تأمين الغذاء والدواء والسكن والرعاية الصحية تحدياً يومياً.
وخلال سنوات الثورة السورية، فقدت عائلات في الرقة بعض معيليها، في حين غادر آخرون البلاد بحثاً عن الأمان والعمل، ولم يتمكن بعضهم من تأمين دخل يكفي لإعالة أسرهم في سوريا.
كما انقطعت صلة بعض الأبناء بأسرهم بعد مغادرتهم البلاد، لتجد عائلات، بينها أسر تضم كباراً في السن، نفسها أمام مسؤولية تأمين احتياجاتها من دون سند ثابت.
وتقول فاطمة الإبراهيم، البالغة من العمر 57 عاماً والتي تقطن في حي البانوراما بمدينة الرقة، إنها تضطر إلى العمل في قطف أوراق الملوخية وصناعة المونة في منزلها لتحصيل دخل تعيل به أسرتها المكونة من خمسة أشخاص، بينهم فتاة تعاني من إعاقة ذهنية نتيجة لضمور دماغي أصابها عندما كانت صغيرة.
وتشير السيدة، خلال حديثها لموقع تلفزيون سوريا، إلى أن المبلغ الذي تحصل عليه بالكاد يسد بعض احتياجات الأسرة خلال أواخر فصل الصيف وبداية الخريف، وبعد ذلك تعود إلى البحث عن المساعدة خلال معظم أشهر السنة.
ووصلت فاطمة إلى الرقة نازحة من دير الزور قبل عدة سنوات، وهناك فقدت زوجها وولديها من جراء قصف قوات النظام على قرية المسرب في الريف الغربي للمحافظة، لتجد نفسها اليوم عاجزة عن تأمين أبسط احتياجات الأسرة.
يزداد العبء على الأسر التي فقدت معيلها عندما يكون أحد أفرادها بحاجة إلى علاج مستمر، إذ يواجه كبار السن، في كثير من الحالات، أمراضاً مزمنة تتطلب متابعة طبية وأدوية منتظمة، مثل أمراض القلب والسكري والمفاصل، ما يضيف أعباء مالية جديدة على أسر تعاني أصلاً من ضعف الدخل وغياب المعيل.
وبالنسبة إلى كبار السن الذين يعيشون من دون مصدر دخل ثابت، تصبح كلفة الأدوية والرعاية الصحية تحدياً إضافياً، خصوصاً عندما لا يكون لديهم أبناء أو أقارب قادرين على تحمل هذه النفقات.
ويقول الصيدلي وحيد العيسى إن كبار السن من أكثر الفئات التي تواجه صعوبة في تأمين أدويتها بشكل منتظم، خصوصاً من لا يملكون دخلاً ثابتاً أو يعتمدون على مساعدة الآخرين.
ويشير العيسى إلى أن بعض المرضى يضطرون إلى تأجيل شراء أدويتهم أو الاكتفاء بجزء منها عندما لا تتوافر لديهم القدرة المالية، لافتاً إلى أن الأدوية المستخدمة لعلاج الأمراض المزمنة تتطلب الانتظام في تناولها وعدم الانقطاع عنها.
ويضيف أن غياب المعيل يجعل تأمين الدواء أكثر صعوبة بالنسبة إلى كبار السن، خصوصاً مع تعدد الأدوية التي يحتاج إليها بعض المرضى وارتفاع كلفتها، ما يدفع بعضهم إلى طلب الدواء بالدين أو الاعتماد على مساعدة الأقارب و"أهل الخير".
ويقترح الصيدلي أن تتولى مديرية الصحة في الرقة مهمة تأمين أصناف الأدوية المخصصة لكبار السن وصرفها مجاناً، بعد تشخيص الحالات المرضية عبر المشافي والمراكز الصحية في المحافظة.
ورغم وجود عشرات المنظمات الإنسانية في محافظة الرقة، يؤكد عدد من الأهالي الذين التقى بهم موقع تلفزيون سوريا أن المساعدات الإنسانية شحيحة جداً في المحافظة وتكاد تكون معدومة، وأنه لم تُخصص حتى الآن خدمات خاصة لكبار السن ممن فقدوا المعيل.
وتقول الناشطة المدنية مها الهويدي لموقع تلفزيون سوريا إن نسبة كبيرة من كبار السن في الرقة، ولا سيما النساء، لا تملك دخلاً ثابتاً، مشيرة إلى أن فقدان المعيل يجعل هذه الفئة أكثر هشاشة ويضعها أمام صعوبات في تأمين احتياجاتها الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء والدواء والرعاية الصحية والسكن والتدفئة.
وتوضح الهويدي أن معاناة كبار السن لا تقتصر على الجانب المادي، بل تشمل أيضاً العزلة الاجتماعية والحاجة إلى الدعم النفسي والرعاية والمتابعة، ولا سيما لدى من يعيشون وحدهم أو فقدوا أفراداً من أسرهم كانوا قادرين على رعايتهم، نتيجة للحرب وما رافقها من فقدان وتغييب قسري وسقوط ضحايا من جراء القصف والدمار.
وتشير إلى أن كثيراً من حالات كبار السن تبقى خارج نطاق الاستجابة، بسبب ندرة المشاريع والبرامج التي تستهدفهم بشكل مباشر ومتخصص، موضحة أن معظم الاستجابات الإنسانية تركز على الاحتياجات العامة أو على فئات أخرى تحظى بأولوية في التمويل، في حين لا تتوافر برامج كافية تقدم دعماً نفسياً ورعاية اجتماعية ومتابعة منتظمة لكبار السن.
وتضيف أن بعض كبار السن يواجهون صعوبة في الوصول إلى الخدمات أو التسجيل فيها، خاصة من يعيشون بمفردهم أو لا يملكون أفراداً قادرين على مساعدتهم، فضلاً عن وجود حالات بعيدة عن مركز المدينة، حيث تتركز مراكز الاستجابة الإغاثية والإنسانية، ما يجعل الوصول إليها أكثر صعوبة.
وترى الهويدي أن مسؤولية رعاية كبار السن الذين لا يملكون معيلاً أو قدرة على العمل هي مسؤولية مشتركة، يكون دور الدولة والجهات المحلية فيها أساسياً، إلى جانب المنظمات الإنسانية والمدنية والمجتمع المحلي والأسرة.
وتؤكد أن ما تحتاج إليه الرقة هو الانتقال من الاستجابة المؤقتة إلى رعاية أكثر استدامة، من خلال حصر كبار السن الذين يعيشون من دون معيل، وتحديد احتياجاتهم، وتوفير دعم مادي منتظم للحالات الأشد حاجة، إلى جانب الخدمات الصحية والنفسية والاجتماعية، والرعاية المنزلية عند الحاجة.
وتشدد الهويدي على ضرورة إدراج قضية كبار السن ضمن خطط التعافي والحماية الاجتماعية في الرقة، معتبرة أن كبير السن الذي لا يستطيع العمل ولا يملك معيلاً لا ينبغي أن يعتمد مصيره على الصدفة أو على قدرة أحد أفراد أسرته على مساعدته.
بعد إعادة تفعيل المؤسسات الحكومية في الرقة، بدأت مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل بترخيص الجمعيات والمنظمات العاملة في المحافظة، وتقديم التوجيهات والتوصيات لها بشأن أولويات العمل، من دون فرضها بشكل مباشر.
ويقول مدير الشؤون الاجتماعية والعمل في الرقة، يامن الظاهر، إن المحافظة لا تملك حالياً قاعدة بيانات دقيقة لكبار السن، موضحاً أن المديرية تعمل على إجراء إحصاء لتحديد أعدادهم واحتياجاتهم.
ويضيف الظاهر، في تصريح لموقع تلفزيون سوريا، أن محافظة الرقة لا تضم حالياً مركزاً متخصصاً لرعاية كبار السن، مشيراً إلى أن مراكز مماثلة قد تكون موجودة في محافظات أخرى.
ويوضح أن إنشاء دار لإيواء كبار السن في الرقة يواجه رفضاً اجتماعياً من الأهالي، ما يجعل تنفيذ مثل هذا المشروع غير متوقع في المحافظة خلال المرحلة الحالية.
ويشير الظاهر إلى أن مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل يمكنها توجيه الجمعيات العاملة في الرقة نحو تقديم خدمات مخصصة لكبار السن، بما يلبي احتياجاتهم الاجتماعية والمعيشية.
وبينما لا تبدو إقامة دار لإيواء كبار السن خياراً متاحاً في الرقة خلال المرحلة الحالية، يبقى كثير ممن فقدوا المعيل أو لم يعودوا قادرين على العمل أمام احتياجات يومية لا تتوقف عند الغذاء والدواء، بل تمتد إلى الرعاية والمتابعة والدعم النفسي والاجتماعي.
Loading ads...
ومع غياب قاعدة بيانات تحدد أعدادهم واحتياجاتهم، تظل قدرة الجهات الحكومية والمنظمات والجمعيات على الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة محدودة، ما يجعل توفير خدمات مخصصة لهم أحد التحديات المطروحة أمام منظومة الحماية الاجتماعية في المحافظة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


