ساعة واحدة
مفاوضات إيران وأمريكا: الخليج يدخل على خط الوساطة، والنقاشات تتحول إلى صياغة شكل نظام إقليمي جديد
الجمعة، 22 مايو 2026

لم تعد المفاوضات بين واشنطن وطهران تدور فقط حول أجهزة الطرد المركزي ونسب تخصيب اليورانيوم، بل تحولت إلى مفاوضات على شكل النظام الإقليمي المقبل، وعلى خرائط النفوذ والطاقة والممرات البحرية، في ظل دخول خليجي مباشر على خط الوساطة، وتحوّل لبنان إلى بند تفاوضي أساسي داخل أي تسوية محتملة بين الطرفين.
فالمحادثات التي كانت تُقدَّم سابقاً باعتبارها مساراً نووياً تقنياً، باتت اليوم مرتبطة بأمن الخليج، ومستقبل مضيق هرمز، ودور حزب الله، وترتيبات الجنوب اللبناني، وحتى شكل التوازنات الأمنية الجديدة في المنطقة، بحسب معلومات خاصة حصلت عليها "عربي بوست" من مصادر دبلوماسية وحكومية.
فيما كثّفت السعودية وقطر وسلطنة عمان تحركاتها السياسية بين واشنطن وطهران، مدفوعة بمخاوف من انفجار عسكري واسع قد يهدد الملاحة والطاقة العالمية ويقود إلى اضطرابات إقليمية غير مسبوقة، وتدفع هذه الدول نحو هدنة مؤقتة تُعيد فتح خطوط التفاوض وتمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة جديدة.
كشفت مصادر دبلوماسية عربية مطلعة لـ"عربي بوست"، أن السعودية وقطر وسلطنة عمان باتت تلعب دوراً مباشراً في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، بعد قناعة خليجية بأن استمرار التصعيد العسكري سيهدد استقرار المنطقة بالكامل، خصوصاً مع اقتراب موسم الحج واستمرار القلق من اضطراب أسواق الطاقة والملاحة الدولية.
وتشير المعلومات إلى أن المقترح الخليجي يقوم على هدنة تمتد ما بين 30 و60 يوماً، يتم خلالها وقف العمليات العسكرية وإعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل، مقابل خطوات متبادلة تشمل تخفيف الحصار الاقتصادي على إيران وتهيئة الأرضية لجولة مفاوضات سياسية وأمنية أوسع قد تُعقد في سلطنة عمان أو باكستان، وربما تشمل لقاءات مباشرة بين مسؤولين إيرانيين وأمريكيين.
لكن العقدة الجوهرية لا تزال تتمثل في ملف اليورانيوم عالي التخصيب، إذ تصر واشنطن على إخراج المخزون الإيراني بالكامل من الأراضي الإيرانية، بينما ترفض طهران ذلك بشكل قاطع، وتقترح بدائل تشمل إبقاء المخزون مدفوناً تحت الأرض أو نقله إلى روسيا أو الصين ضمن ترتيبات دولية خاصة، وهي خيارات لا تزال الإدارة الأمريكية تنظر إليها بعين الشك.
كما لا يزال الخلاف قائماً حول مدة تعليق التخصيب، وطبيعة المشروع الذي تطرحه إيران لإقامة تحالف دولي يضم أطرافاً سعودية وتركية وأمريكية لإدارة عمليات تخصيب مدنية داخل إيران نفسها، باعتبار ذلك ضمانة لعدم تحويل البرنامج إلى مشروع عسكري مستقبلاً.
وبحسب المصادر، فإن إدارة ترامب لا تبدو مستعجلة للوصول إلى اتفاق نهائي، بقدر ما تسعى إلى استنزاف الاقتصاد الإيراني تدريجياً عبر العقوبات والحصار البحري والضغط المالي، مع الرهان على ارتفاع مستوى الاحتقان الداخلي داخل إيران بعد انتهاء الحرب الأخيرة.
في المقابل، تقول المصادر الدبلوماسية التي تحدثت لـ"عربي بوست"، مفضلة عدم ذكر اسمها لحساسية منصبها، إن طهران تراهن على أن استمرار اضطراب الملاحة والطاقة سيخلق ضغوطاً داخلية على الإدارة الأمريكية نفسها، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية.
في هذا السياق، فعّلت إيران خلال الأشهر الماضية شبكة بديلة من الممرات البرية وخطوط السكك الحديدية باتجاه آسيا الوسطى، بالتنسيق مع روسيا والصين، بهدف تقليل تأثير الحصار البحري والعقوبات النفطية، إلى جانب توسيع عمليات المقايضة النفطية عبر تركمنستان وأذربيجان.
بالتوازي مع هذه التحركات، تؤكد مصادر حكومية لبنانية رفيعة لـ"عربي بوست" أن لبنان لم يعد ملفاً ثانوياً أو منفصلاً عن المفاوضات بين واشنطن وطهران، بل تحول إلى أحد البنود الرئيسية التي تتمسك طهران بإدراجها ضمن أي تفاهم شامل مع واشنطن.
وتقول المصادر الحكومية اللبنانية إن إيران أبلغت الأمريكيين بوضوح رفضها أي محاولة لعزل الوضع اللبناني عن المسار الإقليمي العام، أو فرض ترتيبات تتعلق بحزب الله وسلاحه بمعزل عن التفاهمات الكبرى المرتبطة بالعقوبات وأمن المنطقة.
وفي هذا الإطار، شهدت الأسابيع الماضية تنسيقاً مباشراً بين إيران وقيادة حزب الله حول مختلف السيناريوهات المحتملة، بما يشمل شكل وقف الحرب في لبنان، وترتيبات الجنوب، ومستقبل السلاح.
وتشير المعلومات إلى أن وفوداً من حزب الله زارت إيران ومصر وروسيا وباكستان خلال الفترة الماضية، برئاسة رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد، في إطار متابعة مسارات التفاوض الإقليمي واستطلاع التصورات المطروحة لمرحلة ما بعد الحرب.
كما أبلغت طهران الحزب، وفق المصادر، أنها مستعدة لتخصيص جزء من الأموال التي قد يُفرج عنها في حال التوصل إلى اتفاق مع واشنطن، لدعم الحزب وإعادة ترتيب أوضاعه المالية واللوجستية. لكن النقاش الحقيقي، بحسب المعطيات، لا يتعلق فقط بالتمويل أو إعادة الإعمار، بل بطبيعة المرحلة المقبلة داخل لبنان نفسه.
إذ إن إيران وحزب الله يتمسكان بطرح "الاستراتيجية الدفاعية" كإطار للنقاش الداخلي حول السلاح، بينما تدفع واشنطن وإسرائيل باتجاه ترتيبات أمنية أوسع تهدف عملياً إلى تقليص القدرات العسكرية للحزب جنوب لبنان وربط القرار الأمني بالمؤسسات الرسمية اللبنانية.
في موازاة المفاوضات بين واشنطن وطهران، تتحضر واشنطن لإطلاق مسار أمني مباشر بين لبنان وإسرائيل يبدأ في 29 مايو/ أيار 2026 داخل وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون"، على أن يستكمل لاحقاً في وزارة الخارجية الأمريكية مطلع يونيو/ حزيران 2026.
وبحسب معلومات حصل عليها "عربي بوست" من مصادر دبلوماسية لبنانية، فإن الإدارة الأمريكية تريد من هذا المسار اختبار مدى قدرة الدولة اللبنانية على الإمساك الكامل بالقرار الأمني والعسكري جنوب البلاد، ومعرفة حدود استعداد الجيش اللبناني للدخول في ترتيبات أمنية طويلة الأمد بإشراف أمريكي مباشر.
وتشير المعطيات إلى أن إسرائيل ستدخل هذه الاجتماعات انطلاقاً من اتهام حزب الله باستغلال الهدنة لإعادة التموضع ونقل الأسلحة والذخائر، وبالتالي فإنها ترى أن أي تثبيت دائم لوقف إطلاق النار يجب أن يترافق مع آلية تنسيق أمني وعسكري مباشر، وربما مع إنشاء قوة خاصة داخل الجيش اللبناني مدعومة أمريكياً لتتولى الإمساك الكامل بالجنوب.
لكن الوفد اللبناني، بحسب المصادر، يستعد لرفض أي صيغة تتضمن تنسيقاً عسكرياً مباشراً مع إسرائيل أو إنشاء بنية أمنية موازية داخل المؤسسة العسكرية اللبنانية.
وسيركز لبنان خلال هذه الاجتماعات على تثبيت وقف إطلاق النار أولاً، ووقف الخروقات الإسرائيلية، والحصول على ضمانات أمريكية تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي ودعم الجيش اللبناني، مقابل تعزيز انتشار الجيش جنوباً ضمن خطة زمنية تستند إلى القرار الدولي 1701.
إلا أن المخاوف اللبنانية لا ترتبط فقط بمضمون التفاوض، بل أيضاً بإمكانية تحوله إلى أزمة داخلية حادة إذا ظهر أن الدولة قدمت تنازلات تتعلق بسلاح حزب الله أو بشكل العلاقة الأمنية مع إسرائيل، خصوصاً في ظل استمرار الغارات والاغتيالات والتوغلات جنوب البلاد.
ترى مصادر دبلوماسية عربية أن حكومة بنيامين نتنياهو تتعامل مع اللحظة الحالية باعتبارها فرصة استراتيجية لإعادة رسم التوازنات الإقليمية بالقوة، سواء في غزة أو لبنان أو سوريا.
وتشير المعلومات إلى أن تل أبيب لا تنظر إلى العمليات العسكرية في جنوب لبنان باعتبارها مجرد مواجهة مع حزب الله، بل كجزء من مشروع أوسع لإعادة هندسة الجغرافيا الأمنية للمنطقة وفرض وقائع ميدانية جديدة تمتد من جنوب لبنان حتى الحدود السورية.
وفي سوريا، تراقب واشنطن وتل أبيب بقلق هشاشة الوضع الداخلي، وتصاعد المخاوف من عودة نشاط تنظيم داعش، في ظل تعثر الدعم الاقتصادي الخارجي وتراجع زخم العلاقة بين دمشق وواشنطن خلال المرحلة الأخيرة.
بحسب مصادر "عربي بوست"، فإن كل هذه الملفات أصبحت مترابطة بشكل غير مسبوق. فما يجري بين واشنطن وطهران لم يعد مجرد تفاوض حول الملف النووي، بل صراع شامل على شكل الشرق الأوسط المقبل، وعلى خرائط النفوذ والطاقة والممرات البحرية والتحالفات الأمنية.
Loading ads...
وفي قلب هذا المشهد، يبقى لبنان الساحة الأكثر هشاشة، باعتباره نقطة التقاطع الأكثر حساسية بين المشروع الإيراني، والضغوط الأمريكية، والطموحات الإسرائيلية، ما يجعله معرضاً في أي لحظة إما لانفجار جديد، أو لتسوية كبرى قد تُفرض بالتفاوض أو بالقوة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

واشنطن تسعى لترسيخ وتعزيز وجودها في غرينلاند
منذ 12 دقائق
0




