كرّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسائله إلى نتنياهو والدولة اللبنانية، معتبراً أنهما فشلا في حل مشكلة حزب الله من جهة وترتيب الساحة اللبنانية بشكل يرضي الولايات المتحدة ويحررها من الانشغال بلبنان عن ملفات أولى بالنسبة لها. كانت أكثر الرسائل التي استدعت تحليلاً وجدلاً رسالة ترامب بأنه قد يوصي سوريا بمعالجة مسألة حزب الله، وهي رسالة موجّهة إلى الإسرائيلي قبل أي طرف آخر، خصوصاً أنه لا يعرف إلا حلول هدم المباني بتوصيف ترامب.
يبدو نموذج تحرير سوريا لافتاً للإدارة الأميركية، لا سيما لترامب الذي يعشق الحلول السريعة وقليلة الكلفة. فقد بدا منتشياً بعد عملية فنزويلا، عملية دفعته إلى الغرق في إيران. في سوريا، كانت سيرة القيادة الجديدة - في مشهد التحرير خاصة - في عيون ترامب، تشبه الشكل الذي يحب أن يراه في لبنان: تغيير سريع، وكلفة أقل، ونتائج سياسية قابلة للتسويق. من هنا جاء طرحه للدور السوري السريع في الداخل اللبناني.
بالمقابل، فإن سوريا تبدو وكأنها استوعبت درس إيران، وأدركت أن الظروف والتفاصيل تختلف من حالة إلى أخرى ومن ظرف إلى آخر، ولذلك لم تكرر الخطأ، ولم تندفع من دون حسابات دقيقة كما حصل في الحرب الأميركية على إيران.
سمّى الشرع ذلك «التدخل الإيجابي»، وشرحه ضارباً المثل بسوريا التي احتاجت إلى أصدقائها من الدول العربية وتركيا والغرب لتثبيت أركانها في مرحلة مفصلية.
ثبّت الشرع، طوال الفترة الماضية، خطاباً أساسياً رافضاً للتدخل في لبنان، وهو ما كرّره بوضوح في 13 من حزيران/يونيو 2026، حين نفى ما وصفه بـ«الشائعات» التي تتحدث عن تدخل سوريا في الشؤون اللبنانية، مؤكداً أن الأولوية في هذه المرحلة هي لتعزيز الاستقرار، وتطوير الربط الاقتصادي، ودعم التنمية، وتأجيل الملفات الخلافية الأكثر حساسية بين دمشق وبيروت. لكن الضغط الأميركي ارتفع بشكل غير مسبوق. فقد طرح ترامب فكرة الدور السوري في ملف حزب الله أكثر من مرة، من حديثه في 9 من حزيران عن إمكان أن تساعد سوريا في معالجة خطر حزب الله، إلى تصريحه في 17 من حزيران بأنه تحدّث مع الرئيس السوري بشأن مواجهة الحزب، وصولاً إلى كلامه الأخير بأنه يقترب من تسليم ملف حزب الله إلى سوريا. كما دخل توم براك على الخط، طالباً من دمشق اتخاذ موقف واضح وصريح وجدي من حزب الله، فيما تحدّث جي دي فانس من زاوية أوسع تتعلق بضرورة تثبيت التهدئة في لبنان وعدم ترك الجبهة اللبنانية تعرقل مسار التفاهم مع إيران.
بالنسبة للأميركي، فإن طريقة العمل الإسرائيلية تجاه حزب الله لم تعد تكفي، خصوصاً مع الرغبة الأميركية في إنجاز اتفاق مع إيران، والوصول إلى حل في لبنان من دون الكلفة السياسية والاجتماعية الهائلة التي تستنزفها إسرائيل.
أمام هذا الارتفاع في الضغط الإعلامي، وما خلّفه من ضغط سياسي يدفع سوريا إلى لبنان، خرج الرئيس السوري أحمد الشرع في مقابلة تلفزيونية بدأت رسائلها من الشكل قبل المضمون. فقد اختيرت قناة غير لبنانية وغير سورية، واختير وجه إعلامي لبناني تاريخي حاور مختلف الأطراف اللبنانية والعربية على مدى عقود، فيما اقتصر الحديث عملياً على الملف اللبناني. كانت الرسالة موجّهة إلى اللبنانيين، مع محاور يفهم هواجسهم ويعرف بلباقة كيف يعكسها في حوار لا تصيبه لوثات جانب من الإعلاميين الجدد. إضافة، لا يمكن إغفال رسالة الحياد تجاه الشأن اللبناني، إذ تجنّب الشرع توجيه رسالته عبر محطة لبنانية محلية قد تُحسب على هذا الطرف أو ذاك، كما تجنّب توجيهها عبر محطة سورية بما قد يوحي بأن ما سيقال شأن سوري داخلي أو قرار سوري يُنفّذ في لبنان، كما كان الحال زمن الأسد.
أما في المضمون، فقد جاء الخطاب مغايراً لتوقعات كثيرين. لم يكرر الشرع سردية الفترة الماضية القائمة على التحييد التام عن الملف اللبناني، لأن تأكيدها من دون أي تحرك كان سيُفهم كتحدٍّ مباشر لترامب وإدارته. في الوقت نفسه، لم يذهب في الاتجاه المعاكس الذي تسرّب في الأوساط اللبنانية، وبدأ يحضر ويتحضّر لفكرة تدخل سوري عسكري مباشر في لبنان، وفي الذهن شكل تدخل حزب الله في سوريا أو شكل التدخل السوري التاريخي الدائم في لبنان. ما حاول الشرع فعله هو قبول فكرة الدور السوري في لبنان، لكن وفق قواعد يرسمها هو قبل أن تُفرض عليه قواعد لا يريدها. سمّى الشرع ذلك «التدخل الإيجابي»، وشرحه ضارباً المثل بسوريا التي احتاجت إلى أصدقائها من الدول العربية وتركيا والغرب لتثبيت أركانها في مرحلة مفصلية.
إن قراءة الخطاب على أنه استمرار لنهج ماضٍ تبقى قراءة قاصرة عن فهم رسائله. سوريا تدخل مرحلة جديدة في التعاطي مع لبنان، قوامها رفع مستوى الاهتمام، ومحاولة دخول نادي الدول المسهمة في رعاية الحلول، بدلاً من النظر إليها بوصفها بلد قطيعة أو بلد هيمنة وقتال.
فتح الشرع باب التدخل بعنوان واضح: سحب سلاح حزب الله بالضرب، على الطريقة الإسرائيلية وحدها، غير ممكن. وفتح معه أبواباً أخرى لبلوغ هذا الهدف، أولها باب الحوار، الذي مدّت سوريا يدها لأجله حتى مع حزب الله على الرغم من تاريخه الدموي معها. بهذا يفتح الشرع الباب أمام طرح حوار لبناني داخلي قد ترعاه سوريا، أو يفتح باب أن تكون سوريا بوابة الحوار الإقليمي، وربما الدولي، مع حزب الله.
أما الباب الثاني، الذي أراده الشرع أن يكون قبل كل الأبواب الأخرى، فهو الباب الاقتصادي والانخراط الإقليمي في التقارب العربي–التركي. فهذا المسار يحقق منافع اقتصادية للبنان واللبنانيين، ويفصله تدريجياً عن المحور الإيراني من جهة، وعن الوقوع بين المخالب الإسرائيلية من جهة أخرى. إن طرح التعاون الاقتصادي والالتحاق بركب مشاريع الربط الكبرى في المنطقة ليس جديداً، لكنه في الفترة الماضية كان يصطدم في لبنان بالحرب من جهة، وبالتردد الرسمي الحاد تحت وطأة هواجس الخوف التاريخي من سوريا من جهة أخرى وعدم الرغبة بالربط بقطارات إقليمية تختلف حساباتها عن حسابات القيادة السياسية اللبنانية.
أما الرسالة الثالثة، فكانت تأكيده أن حزب الله لا يمثّل كل الشيعة، مع غمز غير مباشر إلى وجود تواصل ممكن بين سوريا والشيعة من خارج حزب الله. في الوقت نفسه، حرص على طمأنة بيئة حزب الله الشيعية أولاً، واللبنانيين عموماً، بأن سوريا لن تعود إلى شكل التعاطي الماضي، وأنها لا تسعى لأن تكون جزءاً من تعزيز المشكلة الداخلية، ولا أن تكون مع طرف ضد آخر، ولا حتى مع أنصار الثورة في وجه منافسيهم في الداخل اللبناني. ما أراده الشرع عملياً، هو مدخل للحل عبر الحوار وتشبيك المصالح وعزل الإسرائيلي، دون أن ننسى تأكيده أن الأولوية هي وقف الحرب، للتمكّن بعد ذلك من بحث الملفات الشائكة الأخرى.
Loading ads...
بهذا المعنى، فإن قراءة الخطاب على أنه استمرار لنهج ماضٍ تبقى قراءة قاصرة عن فهم رسائله. سوريا تدخل مرحلة جديدة في التعاطي مع لبنان، قوامها رفع مستوى الاهتمام، ومحاولة دخول نادي الدول المسهمة في رعاية الحلول، بدلاً من النظر إليها بوصفها بلد قطيعة أو بلد هيمنة وقتال.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

