44 دقائق
المغرب.. "الدعم الاجتماعي" يتصدر وعود الأحزاب السياسية في الانتخابات
الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

مع اقتراب موعد الاقتراع في الانتخابات البرلمانية المغربية المقررة في 23 سبتمبر، تصدّر ملف الدعم الاجتماعي المباشر للأسر الفقيرة، برامج الأحزاب المتنافسة والنقاشات السياسية، وسط تعهدات بزيادة قيمة المساعدات وإصلاح آليات الاستهداف.
ورفعت أحزاب في الأغلبية، من بينها حزب "الأصالة والمعاصرة" (يمين وسط)، سقف وعودها الانتخابية، متعهدة برفع الحد الأدنى للدعم الشهري من 500 إلى ألف درهم مغربي، إلى جانب مراجعة نظام احتساب الاستحقاق. في المقابل، ركزت أحزاب معارضة، بينها "العدالة والتنمية" و"التقدم والاشتراكية"، على إصلاح ما تصفه باختلالات في "السجل الاجتماعي الموحد"، وإعادة إدراج فئات هشة تقول إنها لم تستفد من البرنامج.
ويأتي تصدر الدعم الاجتماعي للنقاش الانتخابي في أعقاب مؤشرات إحصائية أظهرت استمرار الضغوط الاقتصادية على الأسر المغربية. ووفق بيانات المندوبية السامية للتخطيط، بلغ معدل الفقر النقدي 3.9%، فيما دخل أكثر من 4 ملايين شخص دائرة "الهشاشة الاقتصادية المهددة بالفقر" نتيجة تداعيات التضخم والجفاف.
وفي مواجهة هذه التحديات، أطلقت الحكومة المغربية في نهاية 2023 برنامج "الدعم الاجتماعي المباشر" باعتباره ورشاً وطنياً لتعزيز أسس "الدولة الاجتماعية"، من خلال تحويلات مالية تستهدف الأسر وفق معايير يحددها "السجل الاجتماعي الموحد".
وبحسب البيانات الرسمية، تبلغ قيمة الدعم حداً أدنى قدره 500 درهم شهرياً لكل أسرة، مع اختلاف المخصصات بحسب تركيبة الأسرة وعدد الأطفال في سن الدراسة، إلى جانب منح إضافية، من بينها منحة للولادة تبلغ 2000 درهم للولادة الأولى.
ويستفيد من البرنامج نحو 3.9 إلى 4 ملايين أسرة، تضم نحو 5.5 مليون طفل، إلى جانب فئات أخرى تشمل كبار السن والأرامل والأشخاص في وضعية إعاقة. وبلغ إجمالي الإنفاق على البرنامج نحو 51 مليار درهم منذ إطلاقه، فيما استقرت موازنته السنوية عند نحو 29 مليار درهم في أفق 2026.
وفي حديث لـ"الشرق"، اعتبر الخبير في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي، أمين سامي، أن الدعم الاجتماعي المباشر "أصبح مكوناً هيكلياً" في ميزانية الدولة، لا مجرد مساعدة ظرفية.
وأضاف أن القراءة الاقتصادية الدقيقة لهذا الملف "تقتضي الفصل بين 3 أسئلة مختلفة: هل يمكن رفع الدعم؟ وهل يمكن تمويل الزيادة بشكل دائم من دون زيادة الضرائب أو الضغط على العجز والدين؟ فضلاً عن سؤال لا يقل أهمية: هل يصل الدعم فعلاً إلى الأسرة التي تحتاجه قبل أن تنزلق إلى الفقر؟".
ميدانياً، شكّلت التحويلات المالية المستمرة شريان حياة لآلاف الأسر الهشة في مواجهة متطلبات معيشتها اليومية، إذ ساعدت الإعانات المباشرة على اقتناء المواد الأساسية وتسديد بعض الفواتير، وفق ما أوضح المصطفى بوركعة (43 عاماً)، وهو نجار وأب لـ3 بنات.
وفي حديث لـ"الشرق"، قال بوركعة إن إعانة الـ500 درهم التي كان يتلقاها خلال الأشهر السبعة الأولى من البرنامج، ساعدته على سداد فواتير الماء والكهرباء، وتغطية جزء من نفقاته الأسبوعية على المواد الغذائية.
لكن تجربته تكشف في الوقت نفسه عن حدود آليات الاستهداف الحالية، إذ توقف عنه الدعم كلياً منذ نحو عام ونصف، بحسب قوله، بعدما عمل بشكل مؤقت لمدة تقل عن شهر براتب يقارب 3500 درهم، جرى التصريح به لدى صندوق الضمان الاجتماعي. وأدى ذلك، وفق روايته، إلى ارتفاع مؤشر الاستحقاق الخاص به واستبعاده من قائمة المستفيدين.
وتُثير حالات مشابهة لوضع بوركَعة نبرة الانتقاد الحادة التي ترفعها الأحزاب السياسية المعارضة والفعاليات المدنية بخصوص نظام "المؤشر" وآلية احتساب الاستحقاق في "السجل الاجتماعي الموحد"، إذ تُنبه المعارضة إلى أن الاعتماد على خوارزميات صلبة ومعايير جامدة يُفضي إلى إقصاء فئات واسعة تقف على خط الهشاشة وتستحق الدعم الفعلي، بمجرد حصولها على تصريح عمل مؤقت أو أجر غير دائم لا يضمن الاستقرار المالي.
ويستند نظام الدعم الاجتماعي المباشر رسمياً إلى مؤشر الأسرة في السجل الاجتماعي الموحد، مع تحديد عتبة للاستحقاق، بينما تخضع الأهلية أيضاً لشروط خاصة بحسب نوع الدعم.
وتعتبر جهات معارضة ومدنية أن هذه الآلية قد لا تعكس، في بعض الحالات، التقلبات الفعلية في دخل الأسر وظروفها المعيشية، خصوصاً عندما يكون الدخل الناتج عن العمل مؤقتاً أو غير مستقر. وتتقاطع هذه الانتقادات مع نقاش أوسع حول قدرة الدعم المباشر على مواكبة الضغوط المعيشية، في ظل ارتفاع تكاليف بعض السلع والخدمات وتغير مستويات الأسعار، ومدى كفاية قيمة التحويلات المالية في الحفاظ على قدرتها الشرائية.
وفي هذا السياق، شدّد الخبير الاقتصادي أمين سامي على أهمية التمييز بين التضخم ومستوى الأسعار، موضحاً أن "التضخم تباطأ كثيراً، لكن الأسر ما زالت تواجه مستويات أسعار أعلى من تلك المسجلة قبل موجة 2022 و2023". وأضاف أن "الأسر الهشة" تنفق نسبة أكبر من دخلها على الغذاء والطاقة والنقل، ما يجعل إحساسها بارتفاع تكاليف المعيشة أكبر من المتوسط العام.
وفي ما يتعلق بـ"معادلة المقاصة"، أشار سامي إلى أن سعر قنينة غاز البوتان من فئة 12 كيلوجراماً ارتفع من 40 إلى 50 درهماً في مايو 2024، في إطار بدء التقليص الجزئي للدعم، قبل أن تقرر الحكومة في مارس 2026 مواصلة دعم الغاز والإبقاء على السعر الحالي للقنينة، في مواجهة الارتفاع الكبير في الأسعار الدولية.
وتقوم منظومة المقاصة في المغرب على تدخل الدولة لتغطية الفارق بين تكلفة غاز البوتان وسعر البيع المحدد للمستهلك، إلى جانب تغطية تكاليف مرتبطة بالنقل والتخزين، بما يحد من انعكاس تقلبات الأسعار الدولية على السوق المحلية.
من جانبه، رأى رشيد ساري، الخبير الاقتصادي ورئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، أن إصلاح دعم اسطوانات الغاز يستدعي، في رأيه، إعادة توجيه شاملة للإنفاق، معتبراً أن جزءاً من الدعم يستفيد منه أيضاً القطاع التجاري، بما في ذلك المطاعم والفنادق وبعض الأنشطة الاقتصادية، وليس الأسر الفقيرة وحدها.
وفي حديثه لـ"الشرق"، اقترح ساري توجيه جزء أكبر من الموارد التي تنفق على دعم الاستهلاك التجاري نحو التحويلات المالية المخصصة للأسر الهشة، بما يعزز استهداف الدعم لمستحقيه، ويخفف الضغط على موازنة المقاصة، خصوصاً في ظل تعرض أسعار الطاقة العالمية لتقلبات مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية واضطرابات حركة الملاحة في المنطقة.
سياسياً، تحول برنامج الدعم المباشر إلى موضوع رئيسي للخطاب الانتخابي، إذ تسعى الأحزاب المشكلة للحكومة إلى تسويقه باعتباره "إنجازاً تاريخياً" ومكسباً اجتماعياً ملموساً يراهن عليه لرفع نسب المشاركة السياسية، ونيل ثقة الكتلة الناخبة.
وفي المقابل، تسعى أحزاب المعارضة إلى نقل النقاش الانتخابي من مجرد تثبيت مبدأ الدعم الاجتماعي إلى بحث مدى كفايته وقدرته الشرائية في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، مع التركيز على مراجعة معايير الاستهداف وربط قيمة التحويلات بالتغيرات في مستويات الأسعار.
ورأى الدكتور أنس الأعرج، الباحث في العلوم السياسية في الرباط، أن الدعم الاجتماعي المباشر أصبح محوراً بارزاً في برامج الأحزاب خلال الحملة الانتخابية، باعتباره ملفاً يستقطب اهتمام الفئات الهشة.
وفي حديث لـ"الشرق"، حذر الأعرج من مخاطر "تحويل برنامج الدعم الاجتماعي إلى أداة للمزايدات الانتخابية، بدلاً من غايته الأساسية في دعم المواطنين"، معتبراً أن "مقترحات مضاعفة الدعم تعكس رغبة في استغلال الورش لتجاوز الاحتقان الاجتماعي".
وفي ما يتعلق بمدى واقعية الوعود الانتخابية برفع الحد الأدنى للدعم إلى 1000 درهم، كما يقترح حزب "الأصالة والمعاصرة"، ينص برنامج الحزب على الرفع التدريجي للحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم، بالتوازي مع الانتقال تدريجياً من الاستهداف القائم على المؤشر إلى الاستهداف وفق الدخل الحقيقي.
وقال الخبير الاقتصادي أمين سامي، إن "أي تعهد برفع الحد الأدنى من 500 إلى 1000 درهم يحتاج إلى تحديد دقيق لعدد الأسر المعنية ومصدر التمويل الدائم"، مشيراً إلى أن الميزانية "تستطيع استيعاب زيادة إذا رافقها تمويل هيكلي من إعادة ترتيب النفقات، وإصلاح المقاصة، وتوسيع الوعاء الجبائي ومحاربة التهرب".
وأضاف أن "أي زيادة دائمة من دون موارد دائمة ستنتقل في النهاية إلى العجز أو الدين أو إلى تقليص نفقات أخرى"، خصوصاً مع توجه المغرب إلى خفض عجز الميزانية تدريجياً إلى نحو 3% من الناتج الداخلي الخام في 2026، وفق توقعات قانون المالية.
ويتفق الخبير رشيد ساري، مع أهمية ربط أي زيادة في الدعم بمصادر تمويل مستدامة، معتبراً أن "الوعود برفع الدعم المباشر إلى 1000 درهم شهرياً تعهد صعب التحقيق جداً في الظرفية الحالية". وأشار إلى أن الكلفة الإجمالية لمنظومة الحماية الاجتماعية، بحسب تقديراته، تناهز سنوياً نحو 53 مليار درهم عند استكمال تطبيق مختلف مقتضياتها.
وتساءل ساري عن الموارد التي يمكن أن تمول هذه الزيادة، قائلاً: "كيف يمكن لدولة تعتمد ميزانيتها بنسبة تتجاوز 95% على المداخيل الضريبية أن تتكفل بمثل هذه الزيادات المضاعفة؟ وما هي الموارد الجديدة التي ستعتمد عليها الأحزاب في ظل صعوبة توسيع الوعاء الضريبي أكثر مما هو عليه اليوم دون إثقال كاهل المواطن؟.
وتتجه الأنظار في المغرب إلى تطوير آلية "السجل الاجتماعي الموحد" لمعالجة التحديات المرتبطة بحدود الاستحقاق وآليات تحديد الأسر المؤهلة للدعم. وتظهر البيانات الرسمية تحسناً في دقة الاستهداف، إذ أفادت الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي بأن 84% من إعانات الدعم الاجتماعي المباشر صُرفت إلى أفقر 30% من السكان حتى نهاية 2025، فيما ينص النظام الحالي على احتساب مؤشر اجتماعي واقتصادي للأسرة وتحديد عتبة أهلية لا تتجاوز 9.743001 نقطة.
غير أن التحدي يظل قائماً بالنسبة إلى الأسر القريبة من عتبة الاستحقاق، والتي قد تتغير وضعيتها الاقتصادية بشكل سريع من دون أن يعكس المؤشر بالضرورة هذه التحولات بصورة فورية.
وفي هذا السياق، نبّه الخبير رشيد ساري إلى أن السجل الاجتماعي الموحد "طالته اختلالات تقنية معقدة" منذ انطلاقه، مشيراً إلى أن "المنظومة المعلوماتية الحالية للسجل تحتاج إلى إعادة برمجة وتحديث شاملين لتكون قادرة على تقديم معطيات دقيقة حول واقع الأسر".
وأضاف ساري: "هل هناك تتبع حقيقي ينقل الأسر من حالة الهشاشة إلى حالة الشغل والاستقلالية؟ كيف يعقل أن ملكية هاتف محمول أو إجراء تعبئة هاتفية بسيطة قد يلغي دعم أسرة فقيرة ويخرجها من السجل؟"، معتبراً أن السجل "لم يوفر المعطيات الإحصائية والدقيقة التي كانت منتظرة منه لإنصاف الفئات الأكثر فقراً".
وبدوره، رأى الخبير الاستراتيجي أمين سامي أن "التحدي الحقيقي يوجد في الأسر القريبة جداً من عتبة الاستحقاق"، موضحاً أن الأسرة "قد تكون فوق المؤشر بقليل، لكنها لا تزال معرضة بقوة للفقر عند المرض أو البطالة أو ارتفاع الأسعار".
Loading ads...
وقال سامي إن المرحلة المقبلة ينبغي أن تنتقل من منطق ثنائي يقوم على تصنيف الأسرة باعتبارها مستفيدة أو غير مستفيدة، إلى نظام دعم أكثر تدريجاً ودينامية، يأخذ في الاعتبار درجة الهشاشة والتغيرات التي تطرأ على الوضع الاقتصادي للأسرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

قيادة المركبات بين الالتزام بالقانون ومسؤولية حماية...
منذ دقيقة واحدة
0

ارتفاع حصيلة ضحايا العدوان على غزة إلى 73,919 شهيدا...
منذ دقيقة واحدة
0

البنك العربي الراعي الاستراتيجي للمؤتمر العربي الإقليمي...
منذ دقيقة واحدة
0

