لم تكن زيارتي نهاية الشهر الماضي إلى سوريا زيارة عابرة، ولا مجرد محطةٍ مهنية ضمن جولات العمل الإعلامي والسياسي، بل كانت مواجهة مباشرة مع واقع معقد تختلط فيه آثار الحرب بإرادة الحياة، وتتصارع فيه الذاكرة الثقيلة مع محاولات استعادة الدولة والمجتمع.
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحا أن سوريا التي تُشاهَد عبر الشاشات تختلف كثيرا عن سوريا التي تُلمَس على الأرض، فهناك مدنٌ ما زالت تحمل آثار الدمار، وأحياءٌ أنهكتها سنوات الحرب الطويلة، لكن في المقابل ثمة حركةٌ يومية لا تتوقف، وأسواقٌ استعادت جزءاً من نبضها، وناسٌ يحاولون التمسك بحياتهم رغم كل ما مرّ بهم.
في دمشق، تبدو السياسة حاضرة في كل التفاصيل؛ الحديث عن المستقبل لا ينفصل عن الاقتصاد، ولا عن العقوبات، ولا عن التحولات الإقليمية التي أعادت سوريا إلى واجهة الاهتمام العربي والدولي.
هناك شعورٌ عام بأن البلاد دخلت مرحلة مختلفة، عنوانها تثبيت الاستقرار ومحاولة الخروج التدريجي من سنوات العزلة.
أما في حلب المحطة الثانية في زيارتي فالصورة كانت أكثر تعقيدا فآثار الحرب ما زالت واضحة، لكن اللافت أن المجتمع الحلبي لم يفقد قدرته على التكيّف، في الأسواق والمقاهي والجامعات تسمع لغة الحياة أكثر من لغة الحرب، وكأن السوريين يحاولون استعادة الزمن الذي سُرق منهم على مدى العقود الخمسة الماضية من حكم عائلة الأسد.
على الجانب الآخر يبقى الملف الاقتصادي التحدي الأكبر، فالأسعار المرتفعة، وضعف القدرة الشرائية، وأزمة الخدمات، كلها ملفات تثقل حياة المواطن السوري يوميا. ومع ذلك، يظل الحديث عن الأمن والاستقرار حاضرا بوصفه أولوية عند كثير من السوريين، بعد سنوات طويلة من الفوضى والصراع.
كان واضحا أيضا حجم الحضور التركي في النقاشات السياسية والشعبية، فالعلاقة بين تركيا وسوريا ما تزال من أكثر ملفات المنطقة حساسية وتعقيدا، سواء فيما يتعلق بالأمن الحدودي، أو ملف اللاجئين، أو التفاهمات السياسية والعسكرية الجارية برعاية إقليمية ودولية.
سياسياً، تبدو المنطقة كلها في حالة إعادة تموضع؛ التقارب العربي مع سوريا، وخاصة الخليجي (المملكة العربية السعودية وقطر) والانفتاح الإقليمي المتدرج، واللقاءات السياسية والأمنية المتواصلة، كلها مؤشرات على أن الملف السوري دخل مرحلة جديدة تختلف عن سنوات القطيعة والتصعيد.
وخلال الزيارة، كان واضحا أيضا حجم الحضور التركي في النقاشات السياسية والشعبية، فالعلاقة بين تركيا وسوريا ما تزال من أكثر ملفات المنطقة حساسية وتعقيدا، سواء فيما يتعلق بالأمن الحدودي، أو ملف اللاجئين، أو التفاهمات السياسية والعسكرية الجارية برعاية إقليمية ودولية.
ما خرجتُ به من هذه الزيارة أن سوريا لم تعد فقط عنوانا للحرب، بل أصبحت ساحة لإعادة رسم التوازنات في الشرق الأوسط، وما يجري فيها اليوم لن يبقى داخل حدودها، بل ستكون له انعكاسات مباشرة على الإقليم بكامله.
Loading ads...
ورغم كل الجراح، يبقى لدى السوريين شيءٌ لافت؛ القدرة على الاستمرار. وهذه ربما كانت الصورة الأعمق التي حملتها معي بعد الزيارة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

