8 أشهر
الزراعة السورية بين الجفاف والتجاهل الحكومي.. من ينقذ السوريين من خطر الجوع؟
الخميس، 13 نوفمبر 2025

لم تعد أزمة الزراعة في سوريا مجرد نتيجة لتقلبات مناخية متكررة فقط، بل تحولت إلى مرآة تعكس هشاشة البنية الاقتصادية والسياسية التي تحكم البلاد.
ففي عام 2025، سجلت سوريا أحد أسوأ المواسم الزراعية في تاريخها الحديث، لتواجه اليوم شبح موسم أكثر قسوة، في ظل غياب شبه تام لأي رؤية حكومية قادرة على احتواء الأزمة أو حماية ما تبقى من مقومات الأمن الغذائي.
سلة الغذاء السورية في خطر
بينما يشهد الشمال الشرقي، المعروف بـ”سلة سوريا الغذائية”، تراجعًا غير مسبوق في المساحات المزروعة بالقمح، يعيش الملايين من السوريين تحت تهديد الجوع الفعلي مع انحسار المياه وارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية.
وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “فاو” إلى أن سوريا تواجه أسوأ موجة جفاف منذ ستة وثلاثين عامًا، إذ انخفض معدل الهطولات المطرية بأكثر من 60 بالمئة في المناطق الزراعية الأساسية، خاصة الحسكة ودير الزور والرقة.
وقد أدى هذا التراجع إلى خسارة أكثر من 43 بالمئة من المساحات المزروعة بالقمح، أي انخفاضها من نحو سبعة ملايين دونم إلى أقل من أربعة ملايين، وفق تقديرات تقرير فاو الصادر في آب/أغسطس 2025، ومع اعتماد نحو 80 بالمئة من الأراضي على الزراعة البعلية، فإن أي تأخر في الأمطار يعني فشل موسم كامل، وهو ما حدث فعلًا هذا العام.
بنية متهالكة وجفاف قاتل
لا يفسر الجفاف وحده الانهيار، فقد دمرت الحرب الطويلة البنية التحتية الزراعية، لتعاني شبكات الري من أعطال متراكمة منذ أكثر من عقد، كما تركت السدود الصغيرة بلا صيانة، فيما تتعرض المياه الجوفية لاستنزاف حاد نتيجة السحب الجائر والتوسع في الحفر العشوائي.
وقد جعلت هذه العوامل البنيوية الزراعة السورية تدخل مرحلة حرجة، لم يعد فيها المناخ وحده المسؤول عن الكارثة، بل الإهمال الإداري وغياب التخطيط الاستراتيجي أيضًا.
حتى الآن، لم تُعلن الحكومة الانتقالية السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع عن أي خطة طوارئ زراعية واضحة، كما يركز الخطاب الرسمي دائمًا على مشاريع الطاقة المتجددة والتنمية الخضراء، في حين أنه لا وجود لبرامج فعلية لدعم المزارعين أو تعويض المتضررين من الجفاف.
كما أن وزارة الزراعة نفسها لوحظ أنها لم تصدر تقريرًا مفصلًا حول خسائر الموسم أو خطط المعالجة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول غياب الشفافية والمساءلة.
وعود كثيرة.. ونتائج غائبة
تكشف تصريحات وزير الزراعة السوري أمجد بدر منذ توليه الحقيبة الوزارية عن مزيج من الوعود الطموحة والخطط النظرية التي لم تتحول بعد إلى إجراءات تنفيذية ملموسة، في وقت يواجه فيه القطاع الزراعي واحدة من أكثر مراحله هشاشة منذ عقود.
وقد ركز بدر على ما وصفه بـ”إعادة بناء قاعدة البيانات الزراعية الوطنية” باعتبارها المدخل لأي إصلاح هيكلي في قطاع الزراعة، مؤكدًا أن غياب الإحصاءات الدقيقة حول المساحات المزروعة والمحاصيل وحجم الخسائر هو ما يعطل التخطيط السليم، غير أن هذه الخطة لا تزال في طور الدراسة دون مؤشرات على توفر الدعم المالي أو الفني اللازم لإطلاقها فعليًا.
إلى جانب ذلك، أعلن الوزير عن استراتيجية تمتد حتى عام 2030 تستهدف إعادة تأهيل شبكات الري والسدود الصغيرة وتعزيز الأمن المائي، بالتوازي مع تحسين إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والقطن والشعير، لكنه أقر في اجتماعات متفرقة بأن تنفيذ هذه الأهداف يصطدم بنقص التمويل وصعوبة الوصول إلى المواد والمعدات بسبب العقوبات الدولية، ما يجعل الخطط أقرب إلى الإطار النظري منها إلى الواقع العملي.
دعم غائب ومزارعون عاجزون
كما شدد بدر مرارًا على ضرورة تأمين مستلزمات الإنتاج، من أسمدة ومحروقات وبذور مقاومة للجفاف، محذرًا من أن تأخر تزويد المزارعين بهذه الموارد سيؤدي إلى خسارة موسم جديد، وهو ما بدأ فعلًا يتجلى في تراجع معدلات الزراعة البعلية في الجنوب والشمال الشرقي.
في سياق آخر، دعا الوزير إلى تفعيل صندوق دعم الإنتاج الزراعي لتخفيف الأعباء عن المزارعين، واقترح إدخال برامج تمويل صغيرة وقروض ميسرة للفلاحين الصغار، إلا أن بيانات الوزارة لم تشر بعد إلى حجم المبالغ المرصودة أو آلية توزيعها، ما أثار تساؤلات حول جدوى هذه المبادرات في ظل التضخم الحاد وانهيار القوة الشرائية.
كما تحدث بدر عن مساعٍ للتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) لإعادة تأهيل مشاريع الري ونقل التكنولوجيا الزراعية، معتبرًا أن الانفتاح على الشركاء الدوليين بات ضرورة وليس خيارًا، غير أن هذه التصريحات لم تترجم إلى اتفاقيات معلنة حتى الآن.
وفي مجمل تقييمه للوضع الراهن، أقر الوزير ضمنًا بأن الجفاف الممتد يهدد الأمن الغذائي ويضاعف الحاجة إلى سياسات استجابة طارئة، في حين يظل صمت الحكومة الأوسع تجاه الأزمة مصدر قلق بين الخبراء الذين يرون أن غياب رؤية متكاملة للتكيف مع المناخ يعرض البلاد لمواسم كارثية متتالية.
نقص القمح واتساع الفجوة الغذائية
ما قدمه وزير الزراعة حتى اليوم يعكس وعيًا بالأولويات لكنه يفتقر إلى الوضوح التنفيذي، إذ لم تُعلن الوزارة حتى الآن عن جداول زمنية أو مؤشرات أداء أو مخصصات مالية واضحة للبرامج المقترحة، ما يترك الفجوة قائمة بين الخطاب السياسي ومتطلبات الواقع الزراعي المتدهور.
بالمقابل تراجع برنامج شراء القمح المحلي الذي يُفترض أن يشكل خط الدفاع الأول ضد أزمة الغذاء، فبحسب الأرقام الرسمية، لم تتجاوز الكميات التي اشترتها الحكومة 373 ألف طن في 2025، بينما تحتاج البلاد إلى أكثر من أربعة ملايين طن لتغطية استهلاكها المحلي، وفق بيانات برنامج الأغذية العالمي.
النتيجة كانت فجوة غذائية غير مسبوقة، فإن أكثر من نصف السوريين اليوم يعانون درجات متفاوتة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يواجه نحو ثلاثة ملايين شخص خطر الجوع الحاد، معظمهم من سكان الأرياف الذين فقدوا محاصيلهم ومصادر دخلهم.
هجرة الريف وغلاء الاستيراد
وفقًا لتقرير “ريليف ويب” الإنساني، انخفضت نسبة المزارعين المستعدين للزراعة في الموسم المقبل إلى أقل من 50 بالمئة، بعد تقليص الدعم الحكومي للأسمدة والوقود بنحو 60 بالمئة خلال العامين الأخيرين، ما جعل الزراعة مشروعًا خاسرًا اقتصاديًا.
في المقابل، ارتفعت تكلفة استيراد الحبوب بنحو 35 بالمئة بسبب ضعف الليرة السورية، وفق تحليل لوكالة رويترز في آب/أغسطس 2025، ما زاد الضغط على الاحتياطات النقدية وأضعف القدرة الشرائية للمواطنين.
كل ذلك يعكس ويؤكد أن الأزمة الزراعية في سوريا اليوم ليست بيئية فقط، بل سياسية واقتصادية أيضًا، فبلد كان يفاخر يومًا بتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح، بات يعتمد على المساعدات الدولية واستيراد الحبوب لتأمين الخبز، في مشهد يعكس عمق التحول من دولة منتجة إلى دولة معتمدة على الإغاثة، ولا يرتبط هذا التحول فقط بالجفاف، بل بغياب سياسات زراعية متكاملة قادرة على إدارة الموارد وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات المنتجة.
تحذيرات من موسم أكثر قسوة
الخبير الاقتصادي السوري جهاد يازجي، حذر في منشور له من أن البلاد تقف على أعتاب “موسم زراعي مهدد بالانهيار للعام الثاني على التوالي”.
وأوضح أن دمشق والمناطق الجنوبية لم تشهد منذ الربيع أي هطول مطري حتى مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر، ما ينبئ بتكرار أزمة 2025، حين انهار الإنتاج الزراعي إلى أدنى مستوياته التاريخية، مشيرًا إلى أن الزراعة تساهم بما بين 15 و20 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتشغل ما يقارب خمس القوى العاملة في البلاد، ما يجعل أي تراجع في الإنتاج يترك أثرًا مباشرًا على الاقتصاد الكلي والأمن الغذائي.
وأضاف أن كل انخفاض في المحاصيل يعني ارتفاعًا في أسعار الغذاء، وزيادة في الضغط على ميزان المدفوعات بسبب الاستيراد، وتسارعًا في هجرة السكان من الريف إلى المدن، ما يخلق حلقة مفرغة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
تحول اقتصادي جديد
في هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي ماجد المصطفى، في تصريح خاص لموقع “الحل نت” أن سوريا تقف اليوم على أعتاب مرحلة اقتصادية جديدة تعيد رسم ملامح هويتها الإنتاجية، بعد سنوات طويلة من الانهيار الذي أصاب بنيتها الزراعية والاقتصادية في ظل النظام السابق.
إن ما قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 كان زمنًا مثقلًا بالفساد وسوء الإدارة، إذ تحولت فيه سوريا من دولة تحقق اكتفاءً ذاتيًا في الغذاء وتصدر القمح والزيتون والفواكه والخضروات إلى محيطها الإقليمي والدولي، إلى بلد يعاني من عجز حاد في الأمن الغذائي ويعتمد على الاستيراد لتغطية حاجاته الأساسية.
الخبير الاقتصادي ماجد المصطفى
وأوضح أن السياسات التي اتبعت آنذاك، مثل ما عُرف بـ “البطاقة الذكية”، كانت في حقيقتها أداة للسيطرة على الموارد والعملة الصعبة أكثر مما كانت وسيلة للعدالة في التوزيع.
وأضاف أن المواطنون أرهقوا بطوابير طويلة للحصول على حاجاتهم اليومية، بينما كانت الطبقات المتنفذة تراكم الثروات من خلال احتكار السلع والتحكم في الدعم، ما أدى إلى تآكل الثقة بين المجتمع والدولة وإلى مزيد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي.
ولادة مرحلة جديدة
أشار المصطفى إلى أن مرحلة ما بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، التي تزامنت مع قيام الدولة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، مثلت نقطة تحول فارقة في بنية الاقتصاد السوري، قائلًا إن الحكومة الانتقالية بدأت بإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة، ووضعت الزراعة في صميم خططها الاقتصادية بوصفها قطاعًا استراتيجيًا قادرًا على تأمين الغذاء واستعادة التوازن النقدي والاجتماعي.
وبيّن أنه قد بدأت فعلًا مبادرات محلية لإعادة تأهيل الأراضي وشبكات الري والبنى التحتية، بتمويل من الحكومة ودعم من مستثمرين سوريين في الداخل والخارج، بينما عاد العديد من المزارعين إلى أراضيهم في محافظات الحسكة وحماة وحلب ودرعا بعد سنوات من التهجير والإهمال.
ويرى أن الاقتصاد السوري يمر اليوم بمرحلة انتقالية دقيقة، إذ لا تزال العقوبات الدولية، خصوصًا “قانون قيصر”، تشكل عقبة رئيسية أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، رغم تعليق العمل ببعض بنوده من حين لآخر من قبل وزارة الخزانة الأميركية، ومع ذلك، يواصل المستثمرون السوريون ضخ رؤوس أموالهم في قطاعات الإنتاج الزراعي والتصنيع الغذائي، في انتظار رفع كامل للعقوبات وخلق بيئة قانونية مستقرة.
بوادر تعافٍ زراعي خلال عامين
بحسب المصطفى، تشير المؤشرات الأولية إلى أن سوريا تسير بخطى متزنة نحو التعافي الزراعي خلال عامي 2025 و2026، مدفوعة بسياسات حكومية تهدف إلى تحرير الأسواق وتبسيط إجراءات الاستثمار ومنح التراخيص لمشروعات الري الحديث والتحلية، كما يجري العمل على تشريعات جديدة لضمان تحويل جزء من عائدات الصادرات الزراعية إلى الاحتياطات الوطنية بالقطع الأجنبي، ما يسهم في تعزيز استقرار العملة وتوفير السيولة.
أكد أن تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي خلال ثلاث سنوات بات هدفًا واقعيًا في ظل هذا التوجه، خاصة إذا استمر الاستقرار السياسي والإصلاح الاقتصادي، موضحًا أت استعادة الزراعة لعافيتها لن تكون مجرد إنجاز اقتصادي، بل خطوة محورية نحو استعادة السيادة الوطنية وتقليص التبعية الغذائية، وتهيئة البلاد للعودة إلى الأسواق الإقليمية كمصدر للمنتجات الزراعية عالية الجودة.
وختم تصريحه بالتأكيد على أن “الاستثمار في الإنسان قبل الأرض” هو مفتاح النجاح في المرحلة المقبلة، مشيرًا إلى أهمية عودة الكفاءات الزراعية وتأهيل المزارعين وتوفير بيئة تشريعية شفافة تحفز الإنتاج.
حقيقة أشد قسوة
شدد المصطفىعلى أن الزراعة ليست قطاعًا تقنيًا فحسب، بل هي عماد الاستقرار النقدي والاجتماعي والسياسي لسوريا الجديدة، لافتًا إلى أن تنوع الإنتاج الزراعي في المحافظات السورية الأربع عشرة يمنح البلاد فرصة فريدة لتكون “سلة غذاء” للمنطقة، ولتأسيس صناعات تحويلية قائمة على القيمة المضافة، خاصة مع انخفاض كلفة اليد العاملة وقدرتها التنافسية في السوق الإقليمي.
وفي تصريح خاص لموقع “الحل نت”، حذر الخبير الاقتصادي والأكاديمي الدكتور مجدي الجاموس من تفاقم أزمة القطاع الزراعي في سوريا، مؤكدًا أن هذا القطاع الحيوي، الذي كان يشكل ما بين 16 إلى 20 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2011، يتعرض اليوم لتهميش خطير بعد مرحلة التحرير، رغم كونه الركيزة الأساسية للأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في البلاد.
تهميش خطير
قال الجاموس إن الزراعة في سوريا كانت قبل الحرب تمثل نموذجًا ناجحًا على مستوى الشرق الأوسط بفضل شبكات الإرواء الحديثة المنتشرة في مختلف المناطق، إضافة إلى الدعم الحكومي الكبير للمزارعين سواء من خلال شراء المحاصيل أو توفير الأسمدة والمواد الزراعية بأسعار مدعومة، فضلًا عن انتشار الوحدات الإرشادية الزراعية التي كانت تقدم الخدمات الفنية والإنتاجية للمزارعين في جميع المحافظات.
هذا الواقع تغير تمامًا في السنوات الأخيرة، إذ تم تهميش القطاع الزراعي بشكل غير مبرر، ما انعكس سلبًا على حياة المواطنين الذين فقدوا حقهم الأساسي في الحصول على الغذاء الكافي بأسعار مقبولة.
الخبير الاقتصادي والأكاديمي الدكتور مجدي الجاموس
أضاف أن تراجع الزراعة لا يمكن النظر إليه كأزمة اقتصادية فحسب، بل كتهديد مباشر للأمن القومي، لأن انهيار هذا القطاع يؤدي إلى انعدام الأمن الغذائي، ومعه خطر الجوع الواسع الذي يهدد استقرار أي دولة، مؤكدًا: “لا يمكن لأي حكومة أن تبني استقرارًا سياسيًا فوق بطون جائعة، فالجوع يولد الاحتقان، ويهدد السلم الاجتماعي في عمق الدولة”.
زراعة بلا دعم ولا رؤية واضحة
انتقد الجاموس السياسات الاقتصادية التي اعتمدت مؤخرًا، خصوصًا منع استيراد بعض المنتجات الزراعية من دول الجوار، معتبرًا أن هذه الخطوة وإن كانت تصب ظاهريًا في صالح المزارع عبر رفع الأسعار المحلية، إلا أنها في الواقع تضرب المستهلك مباشرة وتؤدي إلى ارتفاع أسعار الخضروات والفواكه والبيض والأسماك، ما يفاقم معاناة الأسر السورية التي ترزح أصلًا تحت ضغوط معيشية غير مسبوقة، داعيًا إلى تبني سياسة دعم شاملة تعيد للقطاع الزراعي دوره في تحقيق الفائض الإنتاجي وتوفير فرص العمل وتنشيط الصادرات بدل الاكتفاء بإجراءات قصيرة المدى.
وأوضح أن ارتفاع تكاليف الزراعة يمثل عائقًا كبيرًا أمام المزارعين، إذ تضاعفت أسعار المازوت والكهرباء وشبكات الري والأسمدة، في وقت لم توفر الحكومة الدعم الكافي لإعادة تأهيل الأراضي الزراعية التي تضررت خلال سنوات الحرب.
وأضاف أن غياب الدعم جعل كثيرًا من المزارعين يعزفون عن مواصلة الزراعة بسبب ضعف الجدوى الاقتصادية، داعيًا إلى تدخل حكومي عاجل لتقليص التكاليف عبر دعم المحروقات المخصصة للزراعة، وتوفير القروض الزراعية منخفضة الفائدة كما هو معمول به في معظم دول العالم، مؤكدًا أن إعادة تفعيل المصارف الزراعية ومنح التسهيلات الائتمانية يجب أن تكون أولوية في المرحلة الحالية لتمكين المزارعين من إعادة استثمار أراضيهم.
إحياء الريف السوري
تحدث الخبير الاقتصادي عن أهمية التعاون مع منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، مشيرًا إلى أن المنظمة تبنت خطة تنموية تمتد لعامين بهدف إحياء الريف السوري وتشجيع السكان على العودة إلى أراضيهم واستثمارها، معتبرًا أن نجاح هذه الخطة مرهون بوجود رؤية حكومية واضحة تضمن دعم شبكات الري وإعادة تأهيل الأقنية القديمة في محافظات مثل درعا وحماة والرقة، ما من شأنه تقليص الاعتماد على الآبار المكلفة والمازوت، وخفض تكاليف الإنتاج الزراعي.
إعادة تجربة شبكات الإرواء الجماعية ستكون خطوة استراتيجية لإحياء الإنتاج الزراعي وتقليل فاتورة الطاقة التي تستنزف المزارعين.
أما عن السيناريوهات المحتملة في حال استمرار الجفاف والتهميش، فقد عبر الجاموس عن قلق بالغ، قائلًا إن “المؤشرات المناخية للعامين الأخيرين تنذر بكارثة حقيقية”، مشيرًا إلى أن سوريا سجلت عجزًا في إنتاج القمح يقدر بثلاثة ملايين طن في موسم 2025 فقط، وهو رقم يعادل استهلاك نصف سكان البلاد لمدة عام كامل.
جفاف متواصل وسيناريو كارثي يلوح بالأفق
أوضح الجاموس أن استمرار هذا النمط من الجفاف، بالتزامن مع غياب خطة حكومية إسعافية، قد يقود البلاد إلى ما وصفه بـ”السيناريو الكارثي”، حيث تتفاقم فجوة الغذاء وترتفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، وتزداد معدلات الفقر والهجرة من الريف إلى المدن.
وختم تصريحه بدعوة الحكومة إلى تبني خطة طوارئ زراعية عاجلة تهدف إلى تحقيق الحد الأدنى من الأمن الغذائي، عبر إعادة بناء البنية التحتية للزراعة، ودعم الإنتاج المحلي، وتوفير التمويل والمعدات للمزارعين، معتبرًا أن إنقاذ الزراعة اليوم ليس ترفًا اقتصاديًا، بل مسألة بقاء للدولة والمجتمع على حد سواء.
في نهاية المطاف، تكشف أزمة الزراعة السورية عن خللٍ أعمق في إدارة الموارد، وعن فجوةٍ بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، فالأرض العطشى والمزارع العاجز والخبز المفقود ليست مجرد تفاصيل في مشهد إنساني قاسٍ، بل مؤشرات على أزمة تمتد جذورها إلى غياب الرؤية والاستثمار.
Loading ads...
وفي حال لم تتعامل الحكومة مع الجفاف بوصفه أزمة وطنية شاملة، فقد يجد السوريون أنفسهم قريبًا أمام حقيقة أشد قسوة، وهي أن الجوع لم يعد تهديدًا محتملًا، بل واقعًا يوميًا يتسلل إلى موائدهم بصمت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

