2 ساعات
ضيف ومسيرة - وعد بوحسون: "العود صديقي، وهو الوحيد الذي يستطيع أن يترجم ما أريد أن أقول."
السبت، 25 أبريل 2026
في هذه الحلقة الجديدة من برنامج "ضيف ومسيرة"، نلتقي بالفنانة السورية وعد بوحسون، التي اختارت أن تبتعد عن كل التصنيفات الجاهزة، وأن تبني مسارها الفني على تقاطع نادر بين الحس الموسيقي العميق والبحث الأكاديمي. فهي ليست مجرد عازفة عود أو مغنية، بل باحثة في عمق الصوت، وفي المعاني التي يحملها، وفي العلاقة الدقيقة بين التراث والإنسان.
ولدت وعد بوحسون سنة 1979 في قرية شقّا، الواقعة في محافظة السويداء جنوب سوريا. والدها كان مولعا بالموسيقى ويعزف على آلة العود. في سن السابعة، قدّم لها أول آلة عود. اكتشفت مبكرًا أن الموسيقى ليست مجرد نشاط، بل وسيلة لفهم الذات وتنظيم المشاعر. تقول: “وجود الموسيقى في العائلة يفتح المجال للطفل أن يسافر بالخيال، وأن يسيطر على انفعالاته..”، وهو وعي مبكر سيلازمها لاحقا في كل مراحلها.
منذ بداياتها، لم تنظر وعد بوحسون إلى العود كأداة، بل كصديق. تقول:
“أنا قليلة الكلام، العود هو صديقي، هو الوحيد الذي يستطيع أن يترجم ما أريد أن أقول.”
في هذا التصور، يتحول العود إلى لغة قائمة بذاتها، تتجاوز حدود التعبير التقليدي، وتمنحها قدرة على التواصل مع الجمهور، حتى عندما تغيب اللغة المشتركة. تضيف: “ليس بالضرورة أن يفهم الجمهور الكلمات حرفيا، لكن المهم هو ما يشعر به.”
وهي رؤية تجعل من الموسيقى لغة كونية، قادرة على عبور الحدود والثقافات. لذلك تبدأ حفلاتها غالبا بتقاسيم مرتجلة، تهيئ المستمع للدخول في حالة من الإصغاء العميق، حيث يتحول الحفل إلى تجربة حسية وروحية في آن.
انتقلت سنة 1997 إلى دمشق للالتحاق بالمعهد العالي للموسيقى، حيث بقيت إلى غاية سنة 2003.
لكن التحول الأكبر جاء مع انتقالها إلى باريس، حيث درست أنثروبولوجيا الموسيقى، وبدأت رحلة بحث عميقة في جذور التراث الذي تنتمي إليه. تقول عن هذه المرحلة: “أتيت إلى باريس لإكمال دراستي في علم أنثروبولوجيا الموسيقى، وهناك تعرّفت على ذاتي أكثر.”
لم يكن الأمر مجرد دراسة تخصص طقوس الجنازات، بل إعادة اكتشاف للهوية، عبر العودة إلى الميدان، وتسجيل التراث، وتحليله، ثم تقديمه برؤية جديدة.
ترى وعد بوحسون أن التراث ليس مادة جامدة، بل كيان حي يتغير مع الزمن، لكن دون أن يفقد جوهره. تقول: “لا أستطيع أن أقدّم التراث بشكل يشوّه اللحن أو الكلمة… إذا لم نعد نستطيع التعرف عليه، فهذا ليس تجديدا بل تشويه.”
في هذا التوازن الدقيق، تحاول أن تحافظ على القالب الأصلي، مع فتح المجال لتجارب جديدة، تنبع من فهم عميق لا من قطيعة سطحية.
تحتل الكلمة مكانة مركزية في أعمال الفنانة وعد، حيث تؤمن أن الشعر هو الأصل، وأن اللحن يأتي في خدمته، لا العكس. لذلك، كان توجهها نحو الشعر الصوفي والنبطي، اللذين يشكلان أحد الأعمدة الأساسية في مشروعها الفني، لما يحملانه من عمق وقدرة على التعبير عن مستويات لا تصل إليها اللغة اليومية. تقول: “الشعر الصوفي أو الغزلي فيه شيء من القوة لا نستطيع أن نعبّر عنه في الكلام اليومي.”
وفي حديثها عن نصوص ابن عربي والحلاج ورابعة العدوية، تشير إلى الجرأة والعمق الذي تحمله هذه التجارب الروحية.
أما الشعر النبطي، فتصفه بقولها: “فيه متعة، لأننا مجبرون أن نعيش في الواقع في اللحظة التي نغنيه فيها.”
لم يكن مسارها الأكاديمي منفصلا عن تجربتها الفنية، بل شكّل امتدادًا لها. من خلال أبحاثها حول الطقوس، خصوصًا الجنائزية، اكتشفت أبعادًا جديدة في فهم المجتمع. تقول: “كلما تقدّمت في البحث، أعود إلى نقطة الصفر… وهذا هو الشيء الممتع.”
ومن خلال أبحاثها اكتشفت أيضًا أبعادًا جديدة في فهم المجتمع، ودور المرأة فيه، والعلاقة بين الحياة والموت، بين الفرد والجماعة. هذا الإدراك جعلها ترى الموسيقى والبحث كمسارين متوازيين، يلتقيان في نقطة واحدة: الفهم العميق للإنسان.
تشكّل تجربة العمل مع الموسيقي الكتالوني جوردي سافال محطة مهمة في مسيرتها، حيث فتحت أمامها آفاقا جديدة في العمل الجماعي، وفي فهم دور الموسيقي داخل المجتمع. تقول عنه: “هو إنسان قبل أن يكون موسيقيًا… تعلمت معه أنه لا وجود لـ‘أنا’ على المسرح، وأن الموسيقي يجب أن يكون كريما في أدائه”، وهو درس يتجاوز التقنية إلى الأخلاق الفنية.
ومن خلال هذه التجربة، شاركت في مشاريع إنسانية، من بينها حفلات في مخيمات اللاجئين، وتجارب موسيقى علاجية في المستشفيات والسجون، حيث لاحظت تأثير الموسيقى على الحالة النفسية والجسدية للناس.
من “صوت الحب” إلى “روح العود”، ثم “صوت الشغف” و“الأرواح المستعادة”، تعكس أعمالها تطورًا تدريجيا في العلاقة بين الصوت والآلة والنص.
تقول عن هذه الأعمال: “كنت أبحث في كل مرة عن تطوير ما قدمته… أن أكتشف ما يجب تغييره أو تعميقه”، وهو ما يفسر التنوع في مشاريعها، ورفضها تكرار نفسها.
وتصف أحد أبرز أعمالها: “في ألبوم ‘روح العود’ سجلته أنا والعود فقط… كان كله من قصائدي الملحنة.”
في نهاية الحلقة، تلخّص الفنانة السورية رؤيتها وتوجهها الفني، وتقول: “أنا لم أكن أنتظر أي نوع من التكريمات… أبحث فقط عن تقديم شيء يرضيني ويرضي جمهوري”،
Loading ads...
وهي جملة تختصر فلسفة كاملة، تقوم على الإيمان بأن القيمة الحقيقية للفن لا تقاس بعدد الجوائز، بل بقدرته على الوصول، وعلى ترك أثر.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



