في مكان ما خلف كل رسالة إلكترونية، وكل فيديو يبث عبر الإنترنت، وكل إجابة يولدها الذكاء الاصطناعي، تعمل آلاف الخوادم بلا توقف داخل مبانٍ ضخمة، وهذه المباني، المعروفة بمراكز البيانات، أصبحت القلب النابض للاقتصاد الرقمي العالمي، لكنها في الوقت نفسه تحولت إلى أحد أكثر مصادر الطلب على الكهرباء إثارة للقلق.
تصطدم الطفرة الهائلة في الاستثمارات الرقمية بعقبات متزايدة، ففي الولايات المتحدة، تأجل أو أُلغي نحو نصف مراكز البيانات المخطط لها خلال العام الحالي بسبب نقص الرقائق الإلكترونية وعدم كفاية البنية التحتية للطاقة، في إشارة واضحة إلى أن الثورة الرقمية باتت تواجه حدود العالم المادي.
تحتضن الولايات المتحدة أكثر من 4 آلاف مركز بيانات، وتتوقع وزارة الطاقة أن تستهلك هذه المراكز ما يصل إلى 12% من إجمالي كهرباء البلاد بحلول عام 2028، مقارنة بنحو 4.4% فقط في عام 2023 عندما بلغ استهلاكها نحو 176 تيراواط/ساعة.
وعلى مستوى العالم، استهلكت مراكز البيانات 448 تيراواط/ساعة من الكهرباء خلال عام 2025، وكان الذكاء الاصطناعي مسؤولاً عن خُمس هذا الاستهلاك، إلى جانب استهلاك 4.5 تريليون لتر من المياه.
وتشير التوقعات إلى أن الطلب السنوي على الطاقة من هذه المراكز سيتضاعف تقريباً ليصل إلى 945 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030، وهو مستوى يوازي تقريباً استهلاك اليابان بأكملها من الكهرباء، فيما سيرتفع نصيب الذكاء الاصطناعي إلى 40% من الطلب الإجمالي.
هذه القفزة دفعت المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية "فاتح بيرول" إلى التأكيد أن الذكاء الاصطناعي والطاقة أصبحا وجهين لعملة واحدة، مشيراً إلى أن الدول القادرة على توفير كهرباء آمنة وميسورة وسريعة ستكون في موقع متقدم ضمن سباق التكنولوجيا العالمي.
المفارقة أن التكنولوجيا التي يفترض أن تجعل العالم أكثر كفاءة قد تصبح في الوقت ذاته سببًا لزيادة استهلاك الموارد، فبحسب تقرير للأمم المتحدة، قد يصل استهلاك الذكاء الاصطناعي للطاقة بحلول عام 2030 إلى ما يعادل 3% من كهرباء العالم، مع استهلاك للمياه لأغراض التبريد يتجاوز احتياجات سكان العالم السنوية من مياه الشرب.
ورغم أن تحسين كفاءة النماذج كان ينظر إليه سابقًا باعتباره الحل الطبيعي لهذه المشكلة، فإن التقرير يحذر من أن انخفاض تكلفة الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى انتشار استخداماته بوتيرة أسرع، ما قد يبدد بالكامل أي وفورات تحققها الكفاءة التقنية.
في خضم هذا التحول، أصبحت الكهرباء واحدة من أهم السلع الاستراتيجية في العقد الحالي، ومع تصاعد الطلب على الطاقة من مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، يصبح فهم خريطة استهلاك الكهرباء عالميًا أكثر أهمية، إذ إن قدرة الدول على توفير الطاقة ستحدد موقعها في الاقتصاد الرقمي الجديد.
أكثر الدول استهلاكًا للكهرباء في العالم
تبرز الصين باعتبارها النموذج الأوضح لهذا التحول، فالدولة التي كانت تستهلك أقل من 10% من كهرباء العالم في مطلع الألفية، أصبحت اليوم تستحوذ على نحو ثلث الطلب العالمي، مدفوعة بقوتها الصناعية الضخمة والتوسع السريع في مراكز البيانات وصناعة السيارات الكهربائية.
وفي بعض المدن الصينية ارتفع الطلب على الكهرباء لأغراض شحن السيارات الكهربائية بنحو 50%، كما تستعد الصين لاستثمار نحو تريليوني يوان خلال السنوات الخمس المقبلة لبناء مراكز بيانات متطورة.
أما في الولايات المتحدة، فتتسابق شركات التكنولوجيا لتأمين مزيد من القدرة الحاسوبية لخدمة طموحات الذكاء الاصطناعي، وخلال عام 2025 وحده تم ترخيص 176 مركز بيانات جديداً في 34 ولاية، وهو أكبر عدد من التراخيص السنوية منذ بدء تسجيلها عام 1976.
ما أكثر الدول استهلاكًا للكهرباء في العالم (2025)؟
الطلب على الكهرباء (تيراواط/ساعة)
لكن الصورة تختلف عند النظر إلى استهلاك الكهرباء للفرد الواحد، ففي هذه الحالة، تتصدر الدول التي تعتمد بشكل كبير على التدفئة والتكييف، وتتميز بارتفاع معدلات امتلاك الأجهزة المنزلية ووجود صناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وتُعد كندا أبرز مثال على ذلك، حيث يسهم الشتاء القاسي إلى جانب نشاط قطاعي التعدين والطاقة في دفع استهلاك الكهرباء إلى مستويات مرتفعة.
ماذا لو أعيد الترتيب وفقًا لمعدل استهلاك الفرد من الكهرباء؟
استهلاك الفرد من الكهرباء (ميجاواط/ساعة)
وفي النهاية، لا تبدو معركة الذكاء الاصطناعي المقبلة مجرد سباق على تطوير النماذج الأكثر تطورًا، بل تعد سباقًا موازيًا على تأمين الكهرباء والمياه اللازمة لتشغيلها، فكلما ازدادت قوة العالم الرقمي، ازداد عطشه إلى الموارد الواقعية التي تبقيه حيًا.
Loading ads...
المصادر: أرقام – الأمم المتحدة – موقع "تك رادار" - إمبر إنرجي - فيجوال كابيتاليست – بيزنس إنسايدر – وكالة الطاقة الدولية
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





