3 أشهر
"الخريطة الحمراء" في ريف حلب.. تصعيد ميداني أم ورقة تفاوض بين دمشق و"قسد"
الخميس، 15 يناير 2026

في الوقت الذي تترقب فيه الأوساط الدولية ملامح الاستقرار في سوريا لعام 2026، انفجر المشهد الميداني في ريف حلب الشرقي على إيقاع تعزيزات عسكرية ضخمة دفع بها الجيش السوري نحو مناطق التماس مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
هذه التحركات، التي لم تقتصر على الحشود العسكرية بل تجاوزتها إلى رسم “خرائط حمراء”، وتوجيه إنذارات بالإخلاء، وفتح ممرات لعبور المدنيين، تكشف عن تحول جذري في استراتيجية الإدارة السورية الجديدة؛ حيث انتقلت من مرحلة الترقب إلى مرحلة “المبادرة الخشنة” لفرض واقع جغرافي وسياسي جديد.
الجيش السوري يحدد “منطقة حمراء” بريف حلب
شهد ريف حلب الشرقي تطورات ميدانية متسارعة، حيث دفع الجيش السوري بتعزيزات عسكرية إضافية إلى منطقتي دير حافر ومسكنة، وذلك في أعقاب مواجهات عنيفة استمرت لعدة أيام مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
أصدر الجيش السوري خريطة عملياتية حدد فيها نطاقا جغرافيا باللون الأحمر، يمتد من المنطقة الواقعة غرب نهر الفرات وصولا إلى شرق مدينة حلب.
وطالب الجيش السوري في بلاغه بضرورة إخلاء وانسحاب قوات “قسد” من عدة بلدات استراتيجية، أبرزها: مسكنة، دير حافر، بابيري، قواس. كما وجّه الجيش نداءً إلى السكان المحليين في تلك المناطق، حثهم فيه على الابتعاد الفوري عن أي مواقع أو نقاط تابعة لقوات “قسد”، وذلك حفاظاً على سلامتهم، في إشارة واضحة لنيته استهداف تلك المواقع عسكريا في حال عدم الامتثال لطلبات الانسحاب.
هذا وأفادت هيئة العمليات في تصريحات إعلامية يوم الاثنين، بأن وحدات الاستطلاع رصدت وصول حشود عسكرية تابعة لـ”قسد” إلى نقاط قريبة من خطوط الانتشار في ريف حلب الشرقي.
وأوضحت الهيئة أن هذه التعزيزات شملت: مقاتلين من “قسد”، وعناصر وصفتهم بـ”فلول النظام البائد”، أكد الجيش السوري أنه يتابع بدقة كافة التطورات الميدانية، مشددا على أن استقدام هذه “المجاميع الإرهابية” يمثل تصعيداً خطيراً، وأعلن بوضوح:” أي تحرك عسكري من قبل (قسد) سيقابل برد عنيف، والجيش لن يقف مكتوف الأيدي أمام هذا التهديد”.
في المقابل نفت “قسد” ما أورده الجيش السوري حول حشد تعزيزات عسكرية تابعة لها في ريف حلب الشرقي، مؤكدة أن منطقة دير حافر تتعرض لقصف مدفعي وهجمات عبر مسيرات تركية.
وقال المركز الإعلامي لـ”قسد” إن ما ورد في بيان وزارة الدفاع السورية “ادعاءات مضللة”، مؤكدا عدم وجود أي تحركات أو تحشيدات عسكرية لقواته في محيط دير حافر شرق حلب.
وفي تعقيب على تلك التحركات العسكرية من قبل الإدارة السورية الجديدة، يرى الباحث في الشأن الدولي هشام عبد المقصود في حديثه مع “الحل نت”: “علينا النظر إلي هذه العلميات من أكثر من زاوية تسعي الإدارة الجديدة إلي تسجيل هدف فيها من خلال هذه التحركات أولا، فرض منطقة عازلة وتأمين العمق الشرقي لحلب، من خلال الخريطة التي حددها الجيش باللون الأحمر (من غرب الفرات إلى شرق حلب) تاركة المناطق ذات الغالبية الكردية تحت سيطرة “قسد” لحين التفاوض بحضور دولي”.
ويوضح عبد المقصود: “تهدف الدولة إلي تأمين طرق الإمداد من خلال حماية الطرق الحيوية التي تربط مدينة حلب بالمناطق الشرقية، ومنع “قسد” من استخدام بلدات مثل دير حافر ومسكنة كقواعد انطلاق لشن هجمات صاروخية أو عمليات تسلل باتجاه المدينة، أما النقطة الثانية، وهي في غاية الخطورة حيث تسعي الدولة من خلال هذه التحركات الميدانية إلى تقويض القدرات النوعية لـ”قسد” داخل المدينة”.
ويضيف عبد المقصود: “أن الدولة تمارس ضغطا اجتماعيا عبر دعوة المدنيين للابتعاد عن مواقع “قسد”، تمارس عليها، حيث يصبح وجودهم عبئا على السكان المحليين. كما أن الإدارة السورية تريد أن تقول من خلال هذه التحركات الميدانية أن الجيش السوري يسعى لإثبات أنه يمتلك زمام المبادرة الميدانية، وأن خياراته العسكرية جاهزة للتنفيذ في حال فشل الحلول السياسية أو استمرار التصعيد من الطرف الآخر هو ما يمثل ضغط مباشر على “قسد”.
دمشق توظف “فزاعة سياسية”
تسعى الإدارة السورية الجديدة من خلال تصعيدها الأخير في ريف حلب إلى تعزيز موقفها على طاولة المفاوضات مع “قسد”؛ لأن الإدارة السورية تدرك أن السيطرة على الأرض هي الورقة الأقوى في أي عملية سياسية؛ لذا تحاول من خلال التحركات العسكرية في دير حافر ومسكنة فرض واقع جغرافي جديد يمنحها الأفضلية ويجبر “قسد” على تقديم تنازلات جوهرية في ملفات الإدارة والسيادة.
ولهذا لجأت هيئة العمليات إلى توظيف ورقة “التعاون بين قسد وفلول النظام السابق” كأداة ضغط سياسي وإعلامي، ويهدف هذا التلويح إلى خلق غطاء يسمح للجيش بالتقدم الميداني وتجاوز قيود التفاوض أو الالتزامات السابقة، بدعوى محاربة قوى تثير مخاوف السوريين. مستغلة في ذلك الذاكرة الجمعية للسوريين وتخوفهم من عودة “بقايا النظام السابق” أو “الخلايا النائمة” لحشد تأييد داخلي للعمليات العسكرية الجارية.
كما أن الإدارة السورية الجديدة تسعي من وراء ذلك إلى التملص من شروط التفاوض بوصم “قسد” بالتحالف مع عناصر من النظام البائد، وبهذا تمنح الإدارة السورية نفسها “الضوء الأخضر” للتحرك عسكريا دون حرج سياسي، معتبرة أن الطرف الآخر قد تجاوز الخطوط الحمراء بتعاونه مع جهات مرفوضة شعبيا، مما يسقط بالتبعية أي ضرورة للالتزام بمسار تفاوضي هادئ.
بمعني أن الإدارة السورية تعتمد في تحركاتها الحالية على مزيج من القوة الصلبة (التعزيزات العسكرية) و(القوة الناعمة) الضغط النفسي والسياسي، بهدف محاصرة “قسد” ميدانيا وعزلها سياسيا قبل الوصول إلى أي اتفاق نهائي.
ويؤكد عبد المقصود في حديثه أنه “من الصعب وجود اتفاق أو تعاون بين “قسد” و “فلول النظام السابق” لأن قسد تتبنى مشروع “الإدارة الذاتية” وتقوم على أفكار “الأمة الديمقراطية” واللامركزية، وهي أفكار ذات صبغة علمانية قومية كردية في جوهرها (رغم وجود مكونات عربية). أما فلول الفصائل/النظام السابق، معظم هذه المجموعات تتبنى توجها مركزيا أو إسلاميا أو قوميا عربيا محافظا. هذا الشرخ الأيديولوجي يجعل من الصعب جدا الاتفاق على رؤية موحدة لمستقبل البلاد”.
ويضيف أن “قسد” تعتمد بشكل أساسي على الدعم الأميركي (التحالف الدولي)، وتتحرك ضمن استراتيجية واشنطن في شمال شرق سوريا. ولكن الفصائل الأخرى (الفلول)، غالبا ما تكون مرتبطة بدول إقليمية (مثل إيران)”.
ويرى عبد المقصود، أن أي تقارب بينهما يعني خسارة الداعمين الإقليميين، وهو انتحار سياسي وعسكري لكليهما، ولهذا يجعل التحالف مجرد أطلال فارغة وليس أمر واقعي. ومن ناحية الهدف، هدف “قسد” هو الحفاظ على مكاسبها في الإدارة الذاتية والاعتراف الدستوري بخصوصيتها.
في حين تهدف مجموعات “فلول النظام” إلى استعادة السيطرة المركزية أو فرض أجندات مغايرة تماما، مما يجعل نقاط التلاقي شبه معدومة.
فتتبنى الإدارة السورية الجديدة تكتيكا قائما على خلق “رواية الخطر الوجودي”، فمن خلال الترويج لمزاعم تحالف “قسد” مع “فلول النظام السابق”، هي لا تقدم مجرد اتهام سياسي، بل تصنع “فزاعة” تهدف من خلالها صناعة غطاء جماهيري، حيث تهدف هذه المزاعم الواهية إلى إيجاد مبرر أخلاقي ووطني أمام الرأي العام، يمنح تحركات الجيش السوري غطاءً شعبيًا واسعًا، ويصور العمل العسكري كضرورة حتمية لحماية الدولة من أخطار الماضي.
وأيضا شرعنة الإقصاء تحت لافتة “مكافحة خطر الفلول”، تمنح الإدارة نفسها تفويضا ضمنيا لتبرير أي إجراءات قاسية ضد “قسد”، حتى وإن ترتب على ذلك صدام عسكري مع جزء من المكونات السورية، حيث يتم تقديم هذا الصدام كعملية “تطهير” من أجل الاستقرار وليس كنزاع داخلي.
وتحويل الصراع السياسي إلى صراع أمني، فهذا الخطاب يسعى إلى نزع الصبغة السياسية عن مطالب “قسد” وتحويلها إلى ملف أمني بحت، مما يمنح الإدارة السورية “الضوء الأخضر” للتعامل معها بالوسائل العسكرية بعيدًا عن ضغوط وطاولات التفاوض.
حدود المناورة العسكرية السورية أمام المظلة الدولية
أعلن الجيش السوري في إطار هذه العمليات أنه لن يقف مكتوف الأيدي أمام هذا التهديد وسيكون له الرد العنيف ” وهنا لنا واقفة؛ لأن الجيش السوري يتبنى استراتيجية “الردع النقطي”؛ فهو لا يسعى لفتح جبهة حرب مفتوحة تمتد لشرق الفرات، بل يهدف إلى رسم حدود واضحة لا يُسمح لـ “قسد” بتجاوزها في ريف حلب.
هذا “الرد العنيف” قد يترجم على شكل ضربات أو عمليات مسح أمني (كما حدث في الشيخ مقصود) لإحباط أي محاولة لتغيير قواعد الاشتباك.
إلا أن الصوت العالي في الإعلان يعمل على تحويل التهديد العسكري إلى ورقة ضغط سياسي تجبر “قسد” على العودة لمسار اتفاق 10 آذار/مارس، للدمج الوطني بدلا من التمسك بشروطها.
كما أن الإدارة السورية الجديدة تدرك أن الدخول في صدام كلي مع “قسد” يعني الاصطدام المباشر بالمصالح الأميركية. لأنه إذا شعرت واشنطن أن الرد العنيف للجيش السوري سيؤدي إلى انهيار كامل لهيكل “قسد” أو فقدانها السيطرة على السجون التي تضم عناصر تنظيم “داعش”، فإنها ستتدخل بوسائل ضغط متنوعة: قد تهدد واشنطن بفرض عقوبات اقتصادية مشددة على شخصيات في “الإدارة السورية الجديدة” لفرملة الهجوم. قد تزيد من طلعاتها الجوية فوق مناطق الاشتباك كرسالة تحذيرية لمنع تجاوز الخطوط الحمراء.
وأخيرا، إن استراتيجية الإدارة السورية الجديدة، القائمة على مزج التهديد العسكري المباشر بـ “التفكيك النفسي” لشرعية الخصم عبر ورقة “الخطر الوجودي”، تمثل محاولة جادة لإنهاء حالة الجمود الميداني التي دامت سنوات.
وبينما يحاول الجيش السوري تثبيت واقع “الخارطة الحمراء” كأمر واقع يسبق أي جولة تفاوضية، تظل “قسد” متمسكة بمظلة الحماية الدولية كخط دفاع أخير عن مكتسباتها.
Loading ads...
ليبقى السؤال الجوهري معلقا بين فوهات المدافع وطاولات الحوار: هل سيؤدي هذا “الردع النقطي” والضغط الأمني المحكم إلى تقليص الفجوة والعودة لمسار “اتفاق 10 آذار/مارس” لدمج مؤسسات الدولة؟ أم أن تمسك كل طرف بمكتسباته سيجعل من ريف حلب شرارة لمواجهة شاملة يسعى الجميع لتجنبها، لكنهم في الوقت ذاته، يضعون أصابعهم على الزناد تحسباً لها؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




