في مشهد يختلط فيه الألم بالإصرار أحيا أهالي حيّ التضامن الدمشقي ومخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوبي العاصمة السورية دمشق الذكرى الثالثة عشرة للمجزرة التي ارتكبها النظام المخلوع في الموقع ذاته الذي شهد واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ سوريا الحديث.
وفي الواقع لم تكن المناسبة مجرد وقفة رمزية بل بدت كفعلٍ رقابيّ شعبي يعيد طرح الأسئلة المؤجلة حول الحقيقة والمساءلة وفي مقدمتها سؤال العدالة الانتقالية المعلّق ويؤكد أن الذاكرة ما زالت حيّة رغم كل محاولات الطمس أو النسيان.
في موقع "حفرة التضامن" الاسم الآخر وربما الأكثر شيوعاً وانتشاراً للمجزرة بحكم التوصيف الدقيق لبعض ما وثّقته الكاميرات لحظات ومشاهد القتل الجماعي التي لم يُنشر منها سوى قليل من كثير، تجمّع الأهالي رافعين شعارات تختصر مساراً كاملاً من الألم والمطالبة بالعدالة منها: "النسيان خيانة"، "دمنا في أعناقكم"، "حاسبوا القاتل لتعيش الحقيقة"، و"أخبروا أطفالي أني حملت صورتهم معي" بالطبع هذه العبارات لم تكن مجرد لافتات بل إعلاناً واضحاً وصريحاً بأن معركة السوريين وأشقائهم من لاجئي فلسطين في سوريا اليوم لم تعد فقط مع الماضي بل مع خطر محوه وربما تشويهه بقصد أو بغير قصد.
ما جرى في هذه الذكرى يؤكد أن المجتمع المحلي السوري والفلسطيني رغم التهجير والمعاناة والانغماس حد الغرق في تفاصيل وأعباء الحياة اليومية بين تأمين لقمة العيش والمساهمة في إعادة بناء ما دمرته الحرب ما زال قادراً على إنتاج أدواته الخاصة في التوثيق والمساءلة في ظل تباطؤ المسار الرسمي للعدالة الانتقالية.
في قلب هذه الذكرى الأليمة والوجع الناجم عنها، عادت وجوه الضحايا لتفرض حضورها ليس كأرقام في سجل الجرائم بل كحيوات كاملة تم اقتلاعها من بين أحضان ذويها.
هذه السرديات الفردية نحتاجها بشدة ومطلوب استحضارها كي تعيد الاعتبار للضحايا وتفكك الرواية التي تحاول اختزالهم في أعداد وأرقام.
وسيم صيام اللاجئ الفلسطيني السوري واحد من هؤلاء الذين لم يُختصروا بالموت ولم تغيبهم المجزرة بل ظلوا حاضرين في الذاكرة بكل تفاصيلهم الإنسانية فقد كان إنساناً له يومياته وملامحه وأحلامه، قبل أن يتحول إلى شاهدٍ على جريمة لم يُحاسب مرتكبيها بعد.
وكذلك لؤي الكبرة الذي لم يكن يوماً خبراً عابراً فقط على مدار الأعوام السابقة بل كان واحداً من أبناء المخيم يمشي في شوارعه كأي إنسان عادي يحمل بين جنباته هموم أيامه ومعاناة لجوئه وينتظر تحقيق أحلامه سواء في العودة إلى فلسطين أو بتحقيق ما يساعده على الصمود إلى ذلك الحين.
في مجزرة التضامن لم تُسلب حياته فقط، بل سُرقت معه كل التفاصيل الصغيرة من صباح يرتشف به فنجان قهوة قبل الانطلاق إلى عمله إلى حديث لم يكتمل مع جاره حتى طريق طويل لم يُستكمل بكل خطواته إذ تم رميه في حفرة وسط هذا الطريق.
بعد ثلاثة عشر عاماً على المجزرة وعام ونصف تقريباً على التحرير وسقوط النظام المخلوع ما تزال الأسئلة الأساسية من دون إجابة واضحة: أين الحقيقة الكاملة؟ أين المتورطون؟ وأين العدالة التي وُعد بها الضحايا؟
اسم المجرم أمجد يوسف المتهم الأول في المجزرة ما زال حاضراً في النقاش العام لكن مصيره ما يزال غامضاً في ظل غياب أي محاسبة فعلية وهذا الغموض يعكس واقعاً أوسع من التساؤلات حيث تتراكم الملفات دون حسم، وتبقى الجرائم بلا مسار قضائي واضح وسقف أو جدول زمني محدد.
في مقابل هذا الغياب للعدالة يبرز مسار موازٍ أكثر خطورة وأشد إيلاماً وقسوة يتمثل في التسويات التي شملت شخصيات متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة وعلى رأسهم فادي صقر المرتبط اسمه بمجزرة التضامن عبر هندستها والوقوف خلفها.
هذه التسويات لا تُقرأ فقط كإجراءات سياسية بل كرسائل سلبية للضحايا وذويهم مفادها أن الجرائم يمكن أن تُطوى من دون حساب وأن العدالة يمكن استبدالها بترتيبات أمنية مؤقتة لغايات اقتصادية غير متفهمة من ذوي الضحايا وأولياء الدم وهو ما يقوّض أي إمكانية حقيقية لبناء مسار عدالة انتقالية قائم على المساءلة والإنصاف ويضع إشارات استفهام كثيرة وكبيرة لذلك تبرز التسويات كعنوان لملف يشغل بال السوريين والفلسطينيين على حد سواء.
وفي ظل هذا التخبط والارتباك بعضهم يقول إنها مقبولة بشرط ألا تتحول إلى إفلات من العقاب، فيما لا يتقبل البعض الآخر هذه العبارة ويفنّد كل هذه الضوابط لمثل هذه التسويات المطروحة ضمن مسار العدالة الانتقالية، واضعاً خطاً فاصلاً بين العدالة الحقيقية والصفقات السياسية، مؤكدين أن العدالة الانتقالية ليست ورقة مساومة، وليست بوابةً لتبييض الصفحات السوداء، ولا طريقاً مختصراً لتجاوز الألم من دون مساءلة.
في النتيجة وما يجب أن يتم ترسيخه هو أن العدالة الانتقالية وُجدت لحماية المجتمع من إعادة إنتاج الظلم، وليس لإعادة تدوير المتورطين في هذا الظلم بمشهد جديد تتم هندسته على مقاس أي سلطة.
وحين تُطرح أسماء مثل محمد حمشو وفادي صقر وغيرهم ضمن سياق "التسويات" فالسؤال الجوهري المطروح من الغالبية ليس: هل نقبل أم نرفض؟
بل: ما هذه الضوابط؟ وأين حقوق الضحايا؟ ومن يضمن عدم الإفلات من العقاب؟
مع الإصرار على أي تسوية لا يجب أن تقوم إلا على كشف الحقيقة كاملة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، وإنصاف الضحايا وجبر الضرر وضمان عدم التكرار وكل ماعدا ذلك هي تسوية منقوصة بل وخطرة على كل مسار العدالة الانتقالية ويهدد بخطر ظهور العدالة الانتقالية وما تعكسه من تداعيات سلبية على السلم الأهلي في مجتمع هو في أشد الحاجة لكل خطوة داعمة لتثبيت الاستقرار والأمن.
باختصار الضحايا هنا ليسوا تفصيلاً يمكن تجاوزه وحقوقهم ليست بنداً قابلاً للتفاوض والمساومة.
ثمة طرف ثالث يقول نعم للتسويات إذا كانت بوابةً للعدالة ولا للتسويات إذا كانت جسراً للإفلات من العقاب نطرحه هنا كوجهة نظر لا يتبناها كثر خوفاً وخشية من التطبيق الخاطئ.
في ظل هذا الواقع تتقدم مبادرات المجتمع المدني التي تواصل عملها في التوثيق والمتابعة وطرح الأسئلة الصعبة حول مصير الضحايا ومحاسبة المسؤولين وهذا النمط من الرقابة الشعبية لم يعد خياراً بل ضرورة في بيئة تغيب فيها المؤسسات المستقلة ويُترك فيها الضحايا من دون حماية قانونية أو تمثيل عادل.
ويبقى أن الرسالة التي حملتها ذكرى مجزرة التضامن هذا العام كانت واضحة ومفادها أن العدالة ليست مطلباً مؤجلاً إلى ما لا نهاية بل حقٌ مستمر لا يسقط بالتقادم. وبينما تبدو بعض المؤشرات غير مشجعة فإن الإصرار على التوثيق واستعادة الأسماء، ورفع الصوت، يشكّل بحد ذاته مساراً موازياً للعدالة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بمجزرة حدثت قبل ثلاثة عشر عاماً، بل بسؤال مفتوح حول مستقبل سوريا بأكمله: هل يمكن البناء وتهيئة الأجواء لسلم أهلي حقيقي من دون محاسبة؟ وهل يمكن للذاكرة أن تصمد في وجه النسيان لا سيما المنظّم منه؟
Loading ads...
في حيّ التضامن ومن أمام الحفرة التي وقعت بها المجزرة كان الجواب واضحاً لا لبس فيه: النسيان خيانة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

بدء الإنتاج التجريبي في معمل إسمنت طرطوس
منذ دقيقة واحدة
0



