4 أيام
العدوان الثلاثي بعد 70 عامًا.. كيف اجتمعت مصالح ثلاث دول في حرب على مصر؟
الخميس، 29 أكتوبر 2026

جنود بريطانيون يتمركزون في بورسعيد خلال احتلال المدينة في نوفمبر 1956 - غيتي
جمعت حرب 1956 بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على ضرب مصر، لكن لكل طرف حساباته. كيف صيغت خطة التدخل، ولماذا لم يتحول التفوق العسكري إلى انتصار سياسي؟
بعد 70 عامًا على العدوان الثلاثي، كيف التقت مصالح بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وما دور المقاومة المصرية والضغوط الدولية في إنهاء الحرب؟
قبل سبعين عامًا، التقت مصالح بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على شن حرب ضد مصر، بخطة تتوزع فيها الأدوار وتتتابع مراحل الهجوم.
في مساء 29 أكتوبر/ تشرين الأول 1956، بدأت القوات الإسرائيلية هجومها على سيناء. وبعد يوم، وجهت بريطانيا وفرنسا إنذارًا إلى مصر وإسرائيل، مطالبتين بوقف القتال والابتعاد عن قناة السويس، ومقدمتين نفسيهما بوصفهما قوتين تتدخلان لحماية الملاحة والفصل بين المتحاربين.
لكن هذا التسلسل كان متفقًا عليه قبل بدء الحرب. ففي اجتماع سري قرب باريس، وزعت الدول الثلاث الأدوار:
تهاجم إسرائيل أولًا، ثم تستند لندن وباريس إلى القتال لتبرير تدخلهما.
هكذا اجتمعت مصالح مختلفة في حرب واحدة، استهدفت مصر وحكم الرئيس جمال عبد الناصر.
بعد سبعين عامًا، يفسر فهم هذه المصالح كيف بدأت الحرب، كما يفسر حدود التحالف الذي خاضها:
لماذا أرادت كل دولة ضرب مصر؟
وكيف انتهى تفوق المهاجمين في الميدان إلى إخفاق في فرض النتيجة السياسية التي أرادوها؟
كان تأميم شركة قناة السويس، في 26 يوليو/ تموز 1956، نقطة التحول المباشرة. وتوضح هيئة قناة السويس أن القرار نقل أموال الشركة وحقوقها والتزاماتها إلى الدولة المصرية. ارتبط التأميم بتمويل السد العالي بعد سحب عرض التمويل الأميركي والبريطاني، لكنه حمل أيضًا معنى استعادة السيطرة على مورد رئيسي داخل البلاد.
بالنسبة إلى بريطانيا، تجاوزت المسألة خسارة مصالح في شركة. كانت القناة طريقًا حيويًا للتجارة والنفط، وكان نجاح عبد الناصر في فرض التأميم يهدد ما بقي للندن من نفوذ في المنطقة. لذلك اتجهت حكومة أنتوني إيدن إلى التعامل مع الرئيس المصري باعتباره العقبة التي ينبغي إزاحتها، لا شريكًا يمكن الاكتفاء بتسوية مالية معه.
وشاركت فرنسا بريطانيا مصالحها في القناة، وأضافت إليها حسابًا متصلًا بالجزائر. فقد دعمت مصر ثورة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، ورأت باريس أن إضعاف عبد الناصر سيحرم الثورة من سند مهم. وهكذا انتقل جانب من صراع فرنسا في شمال إفريقيا إلى قرارها شن الحرب على مصر.
أما إسرائيل، فدخلت الحرب بحسابات تتعلق بالقوة المصرية والعمليات الفدائية والقيود على الملاحة. أرادت إضعاف خصمها العسكري، وضرب قواعد الفدائيين في غزة، وفتح الطريق البحري عبر مضائق تيران. وكان التحالف مع قوتين أوروبيتين فرصة لتحقيق هذه الأهداف بغطاء عسكري وسياسي أوسع.
جمال عبد الناصر خلال إعلان تأميم شركة قناة السويس في 26 يوليو 1956 - غيتي
خلال اجتماعات سيفر، بين 22 و24 أكتوبر، تحولت هذه المصالح إلى خطة مشتركة. ووفق السجل المنشور ضمن وثائق الخارجية الأميركية، وقع الاتفاق ديفيد بن غوريون عن إسرائيل، وكريستيان بينو عن فرنسا، وباتريك دين عن بريطانيا.
حددت الخطة موعد الهجوم الإسرائيلي في 29 أكتوبر، على أن يتبعه إنذار بريطاني فرنسي في اليوم التالي. وإذا رفضت مصر الشروط، تبدأ الدولتان عملياتهما ضدها. ويصف المؤرخ آفي شلايم، في دراسته عن بروتوكول سيفر، الدور الفرنسي بأنه حلقة الوصل التي جمعت بريطانيا وإسرائيل في اتفاق عسكري يستهدف إسقاط عبد الناصر.
وبالفعل، طالب إنذار 30 أكتوبر الطرفين بوقف القتال والابتعاد عشرة أميال عن القناة، أي نحو 16 كيلومترًا. وطالب مصر أيضًا بقبول تمركز قوات بريطانية وفرنسية في بورسعيد والإسماعيلية والسويس، ومنحها مهلة اثنتي عشرة ساعة للرد.
بدت الصيغة متساوية في مخاطبة الطرفين، لكنها كانت تطلب من مصر إخلاء مواقع داخل أراضيها وقبول احتلال أجنبي لها. أما إسرائيل، فكانت قد بدأت هجومها ضمن الخطة نفسها. لذلك كان "الفصل بين المتحاربين" غطاءً للتدخل، لا وساطة نشأت بعد اندلاع القتال.
سيناء والقناة.. أين توزعت جبهات الحرب؟
لم تهاجم الدول الثلاث مصر في اليوم نفسه. بدأت إسرائيل عملياتها في سيناء يوم 29 أكتوبر، ثم شرعت بريطانيا وفرنسا في القصف الجوي يوم 31 أكتوبر، بعد رفض الإنذار. وفي 5 نوفمبر/ تشرين الثاني، بدأت عمليات الإنزال الجوي في منطقة بورسعيد، وتبعها الإنزال البحري في 6 نوفمبر.
واجهت مصر بذلك هجومًا من الشرق وضربات جوية وتدخلًا عند القناة. وتحولت بورسعيد إلى ساحة قتال شاركت فيها القوات المصرية والمقاومة الشعبية. ويوثق متحف بورسعيد الحربي هذه المواجهة من خلال أسلحة ومقتنيات وشهادات مادية عن الدفاع عن المدينة.
كانت المقاومة جزءًا أساسيًا من رفض الاحتلال، لكنها لم تمنع القوات المهاجمة من تحقيق تقدم عسكري. وفهم نهاية الحرب يحتاج إلى الجمع بين ما جرى على الأرض وما حدث خارجها، حيث أخذت كلفة الاستمرار ترتفع سياسيًا وماليًا.
عارضت الولايات المتحدة الحرب رغم تحالفها مع بريطانيا وفرنسا. خشيت إدارة دوايت آيزنهاور أن يدفع الهجوم الدول العربية نحو الاتحاد السوفيتي، وأن يوسع الصراع فرص تدخل موسكو. لذلك مارست ضغوطًا على حلفائها، وأيدت التحرك في الأمم المتحدة لوقف القتال.
وكان الضغط المالي شديد الأثر على لندن. تعرض الجنيه الإسترليني لضغوط، وتضررت إمدادات النفط مع إغلاق القناة، فيما ارتبط الحصول على الدعم المالي الأميركي بوقف الحرب. امتلكت بريطانيا القدرة على مواصلة التقدم العسكري، لكنها واجهت صعوبة في تحمل كلفته الاقتصادية والسياسية.
وفي الوقت نفسه، زادت التهديدات السوفيتية بالتدخل من خطر اتساع المواجهة. ولم تكن نهاية الحرب نتيجة عامل منفرد؛ تداخلت المقاومة المصرية مع التحرك الأممي والضغط الأميركي والتهديد السوفيتي، مع أثر مباشر للأزمة المالية في القرار البريطاني.
مدنيون وسط آثار الدمار في بورسعيد بعد أيام من وقف إطلاق النار، 13 نوفمبر 1956 - غيتي
دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ ليلة 6-7 نوفمبر، لكن القوات الأجنبية لم تغادر فورًا.
وبحسب سجل الأمم المتحدة، اكتمل الانسحاب البريطاني الفرنسي في 22 ديسمبر/ كانون الأول، وتولت السلطات المصرية المسؤوليات الإدارية والأمنية في اليوم التالي. أما الانسحاب الإسرائيلي من سيناء وغزة، فاستكمل في مارس/ آذار 1957، مع انتشار قوة الطوارئ الدولية.
هنا يظهر الفارق بين حصيلة المعارك ونتيجة الحرب.
يصف المؤرخ آفي شلايم ما حققه عبد الناصر بأنه انتصار سياسي خرج من هزيمة عسكرية: بقي في الحكم، وبقي التأميم، وتعزز موقعه عربيًا. وفي المقابل، عجزت لندن وباريس عن إعادة فرض سيطرتهما على القناة أو إسقاطه.
أما إسرائيل، فرغم اضطرارها إلى الانسحاب، حصلت على فترة من فتح الملاحة عبر مضائق تيران وهدوء نسبي على الجبهة المصرية. لذلك لم تكن نتائج الحرب متطابقة حتى داخل التحالف الذي شنها.
Loading ads...
اجتمعت الدول الثلاث على ضرب مصر، لكن أهدافها تجاوزت قدرتها على فرض تسوية دائمة. وبعد سبعين عامًا، يبقى درس السويس واضحًا: احتلال الأرض لا يضمن إخضاع القرار السياسي، والتفوق العسكري لا يعفي أصحابه من حساب موازين القوة خارج ساحة القتال.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





